الربيع بالحروف الفارسية

سامي عبد العال
2018 / 1 / 5

بعدما يأس الربيعُ من العرب، هل يبحث عن فضاءٍ جديدٍ للحرية ؟ كيف يغير عناوينه من محطات إلى أخرى؟ فهذه المرة تسلَّلَ الربيع السياسي– ولا ندري أيمكث قليلاً أم كثيراً - إلى بلاد فارس. وهي منطقة كانت أصيلة للإبداع والنفوذ طوال عصور العرب الأقحاح حتى الشتات العربي الراهن. في هذا السياق لا يفوتنا القطبين التاريخيين: الفرس والروم. وبالتأكيد لا يغيب إسهامهما بصدد المعارف والسياسة والنصوص والمقدسات والحروب والنبوءات والأساطير.

من جانب تالٍ: هل الثورات تهاجر كما لو كانت طيوراً عملاقة تعصف بالأجواء؟ فليس سهلاً أنْ تنشأ النيران من مستصغر الشرر. وإيران كما أشرنا لا تعد دولة صغيرة بل لها عمقها الثقافي البعيد. لكن نظاماً سياسياً قد يقَّزم حضارة في شكل دولة لاهوتية، ويدمر مجتمعاً في صورة عبيد، ولا يغادر ساحته إلاً بكارثة تأكل الأخضر واليابس. مثل الشيطان عندما يتلَّبس جسداً، لا بد من ضرب الجسد وتمزيقه ليتفصد الدماء طرداً للأرواح الشريرة!!

وهذا ما حصل مع إخوان مصر ويحدث الآن مع نهضة تونس ووهابية السعودية ومتأسلمي قطر وعمائم السودان وعثمانية تركيا. وسيحدث مع أية دولة تتقافز كالبهلوان على هذا المسرح. لأنَّ نهايتها معروفة تماماً... الديانات السياسية لا تدرك إلاَّ القهر والنفخ في الصراعات وإفقار الشعوب واحتكار الله تحت العمائم وفي لفافات الفتاوى والخطب الوهمية.

لكن كنتيجة للتاريخ، لا تذوب ظلال الإمبراطوريات (كالإمبراطورية الفارسية) بسهولة، إنها تدخل مراحل متقدمة سياسياً بحثاً عن ذاتها. وهي عملية " العود الأبدي" بلغة نيتشه التي تشمل الأحداث والأفكار. ومن ثمَّ كان الفضاء الفارسي مرشحاً- ليس الآن إنما بأي وقت- لربيع عاصف يخلخل أوهاماً تمسك أدمغة حكامه باسم الإله. وهم " طبقة أسفلتية " من رجال الدين الإيراني شيدوا سقفاً متعالياً لسلطتهم. وهيمنوا على العقول والأجساد. وكان مبررهم واضحاً بالحكم داخل علبة الدولة الإسلامية أو كما يقولون الجمهورية الإسلامية... ولم يخف انتفاخ العلبة على هيئة فكرة طائرة تصدر تمرداً دينياً إلى مجتمعات العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر على طريقة ابن خلدون.

ليس لأنّ الإيرانيين عملاء، فيدفعهم العدو الخارجي للقيام بالثورة. فالشعوب الضاربة بجذورها في الحضارة ليست شعوباً للبيع على المقاهي والنواصي والحانات. وهذا أوقح تصور مفاجئ وصل للرئيس الإيراني حسن روحاني عما يجري بالشوارع والمحافظات... عندما وصف المنتفضين – هكذا بدايةً- بالعملاء لدول العدو. واعتبرهم مارقين على حكمه الذي يترأسه باسم الإصلاح!! لكن أية إصلاح إذا كان هو من يمسك السلطة لتبرر العنف والقهر؟!

وأكثر من هذا، فلم يعتبر روحاني الانتفاضة الشعبية ثورةً على نظام الملالي. معلنا قدرة دولته على إحباط محاولات الثورة وإفشال المخططات المدسوسة. وفي الأثناء ظهر المرشد الأعلى بمثابة " إله متأخر" لا أحد يعارضه. وهو يمرح بطول البلاد وعرضها دون مساءلةٍ. ولا يجرؤ أحدٌ على انتقاده أو حتى وضعه في حجمه البشري. ودوماً هو مشخَّص فوق النظام، يشرف عليه، ليصدر التوجيهات التي تترجم إلى سياسات وإجراءات على الأرض!!

إنَّ صيغة " المرشد الأعلى " سياسياً ضرب نادر من القوارض لكل ما هو إنساني واضح. صيغة تعود إلى النماذج الأسطورية التي دهسها التاريخ في مراحله المتغيرة. فمن القِدّم لم تكن المجتمعات لتسير إلاَّ في ضوء نموذج روحي أو أسطوري أو خرافي يعطيها الغلبة والسلطة. ثم سرعان ما خلعت الإنسانية عن حياتها تلك النماذج المراهقة. ولم يكن الخلع سهلاً بحال، لأنَّها تحتاج عمليات جراحية تاريخية كي تتم من الجذور. والأمر أشبه بالتنقيب عما ينخر في تطور المجتمعات عائداً إلى عصور غابرة. بينما المستقبل يحل بصخبه على الأبواب إذ يطرق بلا هوادة ودون الإمساك بأية مقابض قديمة.

1- الحروف الفارسية حروف عربية لكن النطق مغاير. أي أن الكلام يتبع مجتمعاً مختلفاً له مشروعه الجيو سياسي الخاص. وبشأن الربيع فقد شاهد الإيرانيون الثورات العربية الأخيرة. ويدركون أنَّ معجم الحياة اليومية متشابه، لأنَّ التراث الديني والسياسي واحد. وكما تنطق الحروف العربية بالقواعد الفارسية وتشكيلها، فكانت ثورات العرب ستنطق آجلا أم عاجلاً بالواقع الفارسي. وهذا ما يحدث علَّه يمتد إلى إمكانية إزاحة الاستبداد والتخلف.

2- نموذج الملالي في إيران نسخة لاهوتية من الأنظمة الرعوية. وهو مرحلة عتيدة في نمط السلطة الشرقية القمعية التي دمرت شعوبها. حتى وإن كانت لها أسبابها ومقدراتها المشروعة. والمزاج الشرقي حالياً مزاج قلق إزاء الظلم السياسي وبدأت تقلباته تظهر مع تأخر التخلص من أنظمته العربية.

3- يتحدث النظام الإيراني كثيراً عن تصدير الثورات الدينية إلى أنحاء العالم الإسلامي دون أنْ يوجه خطابه إلى الداخل. ومع غياب الحريات كانت الخطب الثورية الخاصة بالتصدير بمثابة قنابل موقوتة. لأنَّ الحالات متضافرة عربياً وفارسياً. وبالتالي فلسان حال الإيرانيين يقول: ما يصح للعرب سيصح كذلك لمجتمعنا. ويغدو التساؤل مهماً: ... وماذا عن أحوالنا بالداخل؟!

4- لا يخفى الإنفاق الإيراني الباذخ على حركات التمرد وأحزابه في الخارج بينما يتضور الناس جوعاً بالداخل. وهو ما عجل بتحرك الشباب نتيجة سوء الأحوال والبطالة والفراغ اليومي من الحياة.

5- الثقافة الشعبية الإيرانية ليست متوافقة مع الحكم الديني المغلق. فأعياد الربيع(النوروز مثلاً) تلفت الأنظار إلى ثراء الطبيعة والاندماج مع روحها. وهنا سيكون النوروز طقساً سياسياً بالمقام الأول. ولاسيما أن هذا العيد المرتبط بالثقافة الكردية يشير إلى الميلاد الجديد، الحياة الجديدة. والنوروز من تلك الزاوية موقف قائم على رؤى العالم والحقيقة والتاريخ يترتب عليه مساءلة الواقع والممارسة.

فأحد الأساطير فيه ترتبط بمقاومة الظلم مباشرة، حيث يقوم شعب الكرد إحياءً لطقوسها بإشعال النيران والاحتفاء بها وبزخم روحها الكوني. ووفق الأسطورة فإن إشعال النار كان رمزاً للانتصار والخلاص من الظلم الذي كان مصدره أحد الحكام الطغاة.

وتتحدث الأسطورة عن قيام شخص يدعى “كاوا”، المعروف بمناصرته للخير، بمقاومة الملك الظالم “زوهاك” (أي التنين أو الأفعى الكبيرة بالكردية) والانتصار عليه وإشعال النيران في قصره. واحتفالاً بذلك يقوم مناصرون لـ“كاوا” بإشعال النيران أعالي الجبال المحيطة بالمدينة تعبيراً عن فرحهم بانتصار الخير على الشر.

6- سقوط النظام اللاهوتي الإيراني مقدمة ضرورية لسقوط الوهابية السياسية. لأنها الوجه الخارجي المزيف لهذا النظام. فالوجه العربي يكتسب مشروعيته وصراعه من قوة الوجه الفارسي الذي يتعشق بتروس آلته الإقليمية. وإذا كانت السعودية ودول الخليج تهلل لحراك الشعب الفارسي، فلا يدركون أنَّ ذلك تمرد عليهم بالمقام الأول. وأنه دعوة لفحص أوضاعهم السياسية، ولأنهم لا يقلون تخلفاً عنه فهم أولى بالإزاحة.

7- الأنظمة المستبدة في الحالين( فارسياً وعربياً ) لا تهتم بأمر شعوبها.. ففي حالة إيران، كل فائض ثرواتها النفطية والطبيعية موجهةٌ لمشاريع خارجية وهمية. سواء في اليمن ولبنان أو السعودية ومصر وشمال أفريقيا تحت لافتة نشر الأفكار الثورية. وهو إنفاق عشوائي لا محل له من الإعراب سوى التوسع في النفوذ الفارسي. أما دول الخليج فإن فائض ثرواتها تسرق في وضح النهار من القوى العالمية الاستعمارية (أوروبا وأمريكا). إذن المشروعات ضد الشعوب والتقدم الإنساني ولم يجرا على دولهما إلا التخريب والنهب.

8- ليس صحيحاً أنَّ الصهيونية تعادي دولة الملالي. فالاثنتان تقفان على درجة واحدة من الاستفادة المتبادلة. لأن تكوينهما متطابق.. الدولة الإيرانية تتوارى خلف مفهوم ميتافيزيقي ضخم عنوانه المهدي المنتظر. وهو مفهوم سياسي وأنطولوجي يجعل أصحابه يمسكون عجلة التاريخ اعتقاداً بإدارتها لصالح مشروعهم التوسعي والعالمي. بينما الصهيونية تنفخ في فكرة الوعد الخاص بالرب لتؤول لهم مملكته التاريخية مع مستقبل الزمن وإقفاله عليهم من بداية اختياره للشعب العبري وإلى نهاية العام.

9- أمريكا تتحدث عن أوضاع إيران أكثر مما تتحدث عن أوضاعها. وهي تعول على إعطاء إشارات ايجابية للمنتفضين ولتدعيمهم من الخارج. غير أن بوادر الثورة توحي برفض المتظاهرين لتدخلات أمريكا والغرب. فالشعب الإيراني يدرك مزاج دولته ولدية رغبة في التفرد بشيء خاص به. لأنهم يدركون أن غاية النظام الإيراني حصر المسألة بينه وبين أمريكا. وسيكون المنتفضون هم اللقمة السائغة التي يتناوب الاثنان عليها في الوقت نفسه.

بناء على هذه الملاحظات يصعب التحدث عن مستقبل الحراك الإيراني. وما إذا كان سينجح أم لا. لكن المؤكد أنَّ تلك الدولة الفارسية بقدر عمقها الثقافي، تعد أوضاعها السياسية برميلاً من البارود اللاهوتي تحت شعلة الكراهية. ولا مفر من حراك شعبي يعلَّم ملالي(الفرس والعرب) كيف يشعرون بنبض الجماهير الحية.

ربما كانت أكثر الصور المعبرة ظهور فتاة حاسرة الرأس وقد هفهف الريحُ شعرها الطلق مع نسائم الحرية فوق هامتها. وكأنَّ عقلها هو الذي يتنفس في تلك اللحظة طائراً مع العلّم الذي تحمله في الفضاء العام!!

والصورة مهمة لكونِّها عنواناً للتحرر من الكبت السياسي واللاهوتي طوال سنوات. وكان المبرر فيه هو التقاليد الدينية التي يصنعها الملالي لأفراد الشعب. حتى فقد الناس إحساسهم بالحياة المعاصرة. والشباب الإيراني خاصةً لن يترك التدين الشكلي تحت الزي والقمع العقلي فقط، لكنه يريد التغني ببهجة الحياة المنفتحة. وللأسف بعض العرب يتباهون بثبات الأوضاع في إيران رغم العواصف، على طريقة المثل السائر ( القرعة تتباهى بشعر بنت أختها ). وهم يتناسون أنَّ الروح الحر أقوى من تحنيط الجسد في طقوس وعبودية قميئة.

والمؤكد كذلك أن النظام الإيراني لو سقط ستكون توابعه كالزلزال الأصيل. هناك سيبدأ العد التنازلي لترتيب القُوى من جديد في المنطقة الأسيوية العربية وما يجاورها. ولن يكون ثمة عائق أمام حلحلة الأوضاع الإقليمية لمشكلات اليمن وسوريا وعلاقة العرب بتركيا وتفريغ الاحتقان الطائفي والمذهبي شيعياً وسنياً. ومرة أخرى تتحاور الأصداء التاريخية للثقافة الفارسية والعربية.