جدلية الدين والدولة.... أزمة مستحكمة أم إشكالية تجسيد ح1

عباس علي العلي
2018 / 1 / 4

من أكبر الجرائم الإنسانية التي أرتكبها المسلمون كل المسلمين بحق الإسلام والإنسان معا أنهم أدخلوا الإسلام الرسالي وهو التسليم لله في السر والعلن كقيمة عقلية روحية أعتبارية في كل زاوية من حياتنا وقالوا أنها إرادة الله, ولو كنت أملك شيئا من أمر المسلمين لحرمت على أي مسلم أن يخرج الإسلام من عقله ليرميه في الواقع ويدعي إنها إشاءة الله, الجريمة هنا أن الإنسان المسلم تصور عالما خاصا به ويملك فيه كامل الحرية أن يفكر ويتدبر كما أمره الله وحض على ذلك، وأعطاه مفاتيح الحركة وهيأ له الأدوات اللازمة كي يفعل ما هو المطلوب، تحرك ابتدأ وفق هذا المنهج وأراد أن يقدم لله هدية مقابلة لما منحه من حق، أراد أن يفرض ما هو البشري الوضعي على المجتمع ظانا أن سيسعد الله به، فمضى متبعا هذا الميل ونسي مقدماته وأساس منهجه.
هنا أضر بنفسه وبالمجتمع وبالعالم الذي رسمه دون أن يدري أن خط سيره هو خارج عن المرسوم الرباني، وعندما نبهه الربانيون أنك يا هذا تخرج عن سكة الله وسبيله، سل سيفه الفكري والحقيقي وكأنه يدافع عن فكرته المنسوبه لله، وهنا أرتكب الفظائع دون أن يراجع خطواته السابقة خطوة خطوَة، ليتلمس أساس ومبدأ الانحراف ووجهته ولماذ حدث كل ذلك وهو المأمور برد كل شيء إلى ربه.
لذا أسس بعد ذلك وكنتيجة وبناء على قراءته المنفردة بمعزل عن كتاب الله وقصديات أحكامه وأوامره، وهو يظن أنه أمتلك كل المفاتيح التي تجعله يقرأ إرادة الله كاملة كما هي بما فيها وما عليها، من أن الله أراد بهذه الرسالة أن تكون محور الوجود والقطب الذي يدور حوله كل شيء، إنه المرتكز والحامل والمطلق بالتحكم كله، بمعنى عدم إنفلات شيء منه دون أن يكون خاضعا لتفسير أو تبرير أو تأويل أخر أو مختلف أو منظور له من زاوية أخرى أو فكرة ثانية, وأعتقد أن هذا القرآن إنما يحوي ذلك كله وبالتفصيل الممل كليات وجزئيات مضمر وظاهر، لذلك جعل من الإسلام دين ودولة وما عدا ذلك مجرد هرطقيات بشرية وفكر خالي من أي معنى إن لم يقتبس نصوصه المادية من وحي الكتاب والسنة, وبخلاف ذلك يكون قد خالف طبيعة الأشياء وطبيعة إشاءة الله في ذلك .
إن مقولة أن الإسلام مجملا ومجردا ما هو إلا بما يحتوي ويهدف وينص ويشير على أنه (دين ودولة)، أزعم جازما أن لا أساس لها في تفصيليات النصوص الدينية لا في المباني ولا في المعاني المباشرة، أي لم ترد أية نصوص ناصة خاصة ترسم وتدلل وتشير وتبني مفهوما محددا على حاكمية الدين ومحكومية البشر، فلا يمكت الأعتماد والأعتقاد أبدا بأن النصوي المتأول فيها أو المفسرة خارج مدارات قصديات الحكم وإرادة الله، على أنها موجوب الألتزام بها كنصوص دستورية ملزمة ولو كانت موجودة كذلك.
الإصرار علة التقييد بفرضيات وأجتهادات وتأويلات ظنية تتعارض مع مبادي أسية وقواعد كلية حامة ومطلقة في دلالاتها الخاصة والعامة، فلو سلمنا بتلك الأفكار المجهدة والمبنية على أستنتاجات العقل الديني الأعتباطي فقد أقررنا وعملنا بمحض إرادتنا على أنتفاء ونفي وتعطيل حكم الآية التالية وما شابهها في القصد أو النسق الحكمي للحكم الرباني ككل (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)، لتتحول وبتدخل الإنسان المتزمت في أفكاره وفرضياته إلى نتيجة (من شاء ومن لم يشأ فإن حكم الله في كل الأحوال هو الواجب) وبدون أعتراض.
حتى في كليات العقيدة الرسالية عامة وتحديدا هذا القرآن الكريم وسيرة الرسول الأعظم ص لا يمكننا أن نجد فيها دعوة صريحة أو تلميح بصورة ما أو تلمس تصور ولو أولي لفكرة دولة الدين في حياته أو بعده, فمن يريد أن يجعل من نظام مجتمع الرسول والذي هو بالمعنى الحقيقي ليس صيغة دولة سياسية حقيقية كما متعارف عليها في وقتها أو في الصورة المنقولة عن تنظيم وتوصيف كيان الدولة، ولكنه بالتأكيد كان مجتمعا منظما مقاد بشخصية الرسول المسددة من السماء وبأسمها، أي أن الله هو من يتدخل في الترتيب والرسم والتشريع وليس الرسول هو من يرسم الطريق كأختيار أو فرض إرادة.
هذا النفي الجازم بواقعه يجعلنا متأكدين تماما أن دولة الرسول المزعومة من البعض ليست كيانا مقصودا بذاته ولذات الهدف من وراءه، وبالتالي فهي ليست دولة سياسية ممكن تكرارها كما هي كانت بالواقع لو أفترضنا جدلا بوجودها، إلا بشرط أصيل أن يكون هناك وحي متصل غير منقطع يشرع ويسن الأحكام طبقا للوقائع والظروف، عندها يتحول الدستور فيها من الكتاب المختوم إلى كتاب مفتوح مستمر بالتطور والتجديد والتحديث حسب الأوضاع وتغيرات الأحكام، وأستنادا لتغير المبررات وتداولات الرسول مع الوحي، وهذا الأمر لم ولن يزعم أحد أنه ممكن حاليا أو في الإمكان إحداثه في أي وقت.
الرسول صل الله عليه وأله وسلم قال {إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق} وهنا الصيغة من حيث اشتمالها للمعاني الواسعة في قصديات وعلل الإرسال، هي من الصيغ الكلية بلحاظ كلمة (بعثت) أي أن السبب كان رئيسيا ومحوريا وكليا، ولم يبعض الموضوع كأن يقول (ومما بعثت) أو (مما بعثت به)، بل خصص وحصر الموضوع (البعث) كليا ببناء القيم الأخلاقية الإرشادية كأساس فكري إرشادي توجيهي للمجتمع، والدليل بالحصر في لفظ (إنما) كصيغة كثيرة ما وردت بهذه الكيفية، مثل إنما المؤمنون أخوة, ولم يقل النص إن (من بعض المؤمنين أخوة) لأن الله أراد أن يجعل منها قاعدة كلية شاملة جامعة، فلا دليل هنا لا عقلي منطقي ولا نقلي من النصوص من أن الإسلام كان يسعى لتكوين دولة خارج قيم مكارم الأخلاق الأجتماعية، بل وبأي شكل تنظيمي أخر خارج فكرة بناء مجتمع قادر على إدارة نفسه حسب الظروف الوقائع التي تتحكم بها أخلاقيات ما بعث به الرسول, نعم كان الهدف الغائي يسعى إلى تحسين الواقع الإنساني بجعل المحفزات والمعطيات تسترشد بالقيم الأخلاقية العقلية ومنها العدل والتوحيد والحرية والمحبة والسلام .
إذا أي كيان سياسي يسترشد بقيم السماء ويترجمها إلى نظم عقلية تكوينية للسلوكيات الفردية والجماعية بما فيها السلوكيات السياسية ممكن ان يقيم الحدود (حدود ما أمر الله به)، بشرط العدالة الربانية الرائدة، وهذه الميزة لا تستوجب ان تكون هناك الدولة إسلامية مهمتها فرض حدود الله كما يفهما المؤمن، لأن هذه الحدود ليست هي غاية بذاتها بقدر ما هي ضوابط وقوانين تتصل بالحفاظ على الوجود الإنساني ذاته من عبث الإنسان، هنا يكون الإنسان هو الغاية وليست الحدود في فكر الله كل الهدف والنتيجة المطلوبة, والدليل أن كل المجتمعات اليوم تمارس هذه الوظائف لأنها جزء من واجبها النظامي والحتمي، الفرق الوحيد في الأساس العقلي والعلمي والفقهي الذي تستند عليه بعض أسس قيام الدول،على أنها مجتمع منظم منضبط ومحكوم بقواعد وقوانين جامعة حتى التي تصنف أنها دول كافرة، فهي تقيم هذه الأمور افضل من في كل الدول الموصوفة بالإسلامية عبر التاريخ.