جدلية الدين والدولة.... أزمة مستحكمة أم إشكالية تجسيد ح2

عباس علي العلي
2018 / 1 / 4

البعض مثلا يعارض ما تقدم من واقع بحجة أن الله أجبر الناس على قبول خيار الله ورسوله بما فيه من حجية عليهم، معتمدا على نص حاكم ومؤكد وثابت هو {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً مُّبِيناً }الأحزاب36، الذي يؤكد أن الخضوع للإرادة الربانية المتمثله بخيار الله هو من المحتمات التأكدية التي لا تقبل الإنكار أو تلمس مخرج أخر للقضية، دون أن يلاحظ أن الخطاب ليس موجها في التحديد على ما يزعمون إنه إلجاء للمجتمع للإنحياز الكامل لموضعه، فهو وإن كان حقيقة يشير لضرورة وحتمية الخضوع لكنه غير محدد الوجه نحو بناء دولة مثلا على الشكل الذي يفترض أن الله أختاره مسبقا ومحددا وموصوفا لا جدال فيه.
وأما دليل (ما كان لمؤمن ...) فهو أولا مخصص وليس مطلق في توجهاته، فالمجتمع عموما فيه ثلاث فئات من الناس، غير مسلم ومسلم ومؤمن والأخير هي الفئة الأقل بحسب ما ورد في نصوص الدين حضورا في المجتمع، فهو يشير للأقلية التي لها موصفات خاصة ومحكومة بالتسليم والتقيد أصلا بإرادة الله {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ}الحجرات14، هذه الفئة لا يمكنها لوحدها أن تكون مجتمع أو دولة ولم تنجح عبر تأريخ الأديان في تجسيد كامل أمر الله.
هذا من جهة ومن أخرى فأنها تشير إلى تعزيز لقولنا أن الإسلام الإيماني يعني التسليم الواعي العقلي لمشيئة السماء لا اكثر ولا أقل، تسليم لقاعدة (أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا ....)، هذه اللام القصدية هي ملخص وظيفة الدين الكلية والغائية الكبرى منه، ومتى ما تحققت بأي وسيلة أو صورة فهي مطابقة لهدف الدين ومحققة للنتيجة المطلوبة منها، سواء بيد مجتمع كافر أو مؤمن بالمسيحية أو بالإسلام, أفحص الدليل جيدا بعقلك وبحيادية تامة سترى انه الحق لا يخرج عن هذا المورد السلوكي الحسي والعقلي في تحقيق ما في روحية وجوهر وبناء وصريح النص القرآني.
قضية أخرى لا بد من التنبيه لها أن الدولة دائما محكومة بعقد أجتماعي تسير وفقا لقواعده الحاكمة، فهو أما أن يكون عنوانه عقد ثنائي بين إرادتين متساويتين في القيمة والقدر أو على قاعدة الخضوع للإرادة المنفردة القادرة على فرضها وأستحصال القبول بها إلجائا أو رضائا، فهي لا تخرج عن هذين النمطين أبدا، فإن كان الخيار الأول هو المعمول به والمعتمد، كانت إرادة الناس والمجتمع نصف المشروعية فيه والسلطة الحاكمة بموجب قواعد العقد الطرف الثاني فيه وهو ما يعرف اليوم بالمجتمع الأنتخابي، أو يكون العقد أحادي الطرف كما قلنا وهو صورة للمجتمع الخضوعي.
في كلا الصورتين هناك تجسيد لهما على أرض الواقع ولم نجد أي نظام دولة في التجربة التأريخية للبشرية قد خرجت عنهما، السؤال هنا من يقول أن دولة الدين أو الدولة الدينية التي يزعمون أن الله أراد لها أن تكون هل تخرج عن هذيين الإطارين، إن قلنا نعم فما هي الصورة المقترحة وإن قلنا لا فما تكون النتيجة إلا الرجوع إلى تطبيق أحد النموذجين المطروحين سابقا ولا دليل على وجود خيار ثالث، هنا يكون على الداعي إلى نموذج منفرد للدولة المزعومة أن يبين لنا النص الذي طرحه الدين لتلك الدولة أولا، ومن ثم يبين المزايا المختلفة التي تفرد بها عن الصور المألوفة حتى يتبين حدود العقد الأجتماعي الذي تقوم على أساسه تلك الدولة.
الإسلام السياسي الذي تبنى نظرية الدولة الدينية وجسد ذلك بقراءات بشرية خاصة، قد أخترع ما يعد من محدثات الفتن والبدع التي لم يقرها لا كتاب الله ولا فعل الرسول صل الله عليه وأله وسلم، ويظن أنه يريد بذلك إكمال منهج رسول الله في بناء مملكة الله كما يدعي, لا يدري المسلم الأول الذي نادى بالدولة الإسلامية أنه بذلك قد فارق الرسول وأستعار دوره خارج حدود ما في الرسالة من غاية البعث, إنما بعث الرسول بمنطق (إتمام مكارم الأخلاق) وليس بناء إمبراطوريات سياسية وإدارية يستطيع أي إنسان أن يبني مثلها وأقوى منها كما فعل هولاكو وجنكيز خان مثلا, الإمبراطوريات والممالك والدول جميعا ما هي إلا كيانات مادية وقانونية وذات قيم خاصة وعامة، لا تكون ولا تقوم بدون مكارم الأخلاق ونظرية أخلاقية محددة، وإلا تحولت لمجرد سلطة غاشمة تسحق البشر والقيم وتنشر الخراب في أرض الله .
لقد كشف الواقع الحقيقي عن زيف فكرة الدولة الإسلامية التي تتحكم بها النصوص المأولة والمفسرة أعتباطيا لا الأهداف الكبرى، في زمن كانت قد شيدت نظرية على أساس واهي ومفترض أصلا أنها تنسب لله، وكان لا بد من التصحيح والتصريح بذلك ونتذكر يومها قال الإمام علي عليه السلام مخاطبا الخوارج (لا بد للناس من أمير بر أو فاجر) هنا ذكر مصطلح (للناس) ولم يقل للمسلمين أو للمؤمنين حتى يكون النص السابق حجة, أعلن بوضوح عن (مدنية) الإسلام وإنسانيته وفك الرباط الوثيق المادي والمباشر والمزعوم بين الدين والدولة كحقيقة مطلقة لا تقبل النقض والجدال, حيث أن الدين بما يمثل من رغبة السماء بالإصلاح أولا والثانية رغبة الإنسان الحتمية والضرورية في الأنتظام والتنظيم، وهي من الضروريات الطبيعية التي لا ينفيها الدين ولا يعارضها أصلا غير انه لا يناقضها بالتأكيد إن كانت هدفيتها خدمة الإنسان كل الإنسان مجردا من صفة أو علاقة معه.
وهذا لا يعني أبدا أنه لا مانع من تولي الفاسد مقاليد الأمور على الناس بوجد الصالح والمصلح وتزاحمه معه على أنه حق مطلق، بل لا بد من وجود نظم جامعة تحتكم لخيار مدني قائم على الأنسب في خيارات الدولة البشرية التي يؤسسها الناس، ضمانا للاستمرارية التي تفرضا الضرورة والحاجة وتسليك المتعارضات بين تعدد الحاجات وتعد قيم وصفها أو تحديد مقاييس أعتبارها, وليس دولة الله التي لا تسمح الرؤية البشرية الغير ناضجة بتبلورها انتظار للوصول إلى الحاجة إليها فعلا وحتما بعدما أنقضى زمن البعث والوحي وهما شرطان أساسيان لدولة مملكة الله في أرضه.
لذا أن ما تفعله التيارات السياسية الإسلاموية والتي تتخذ من الإسلام شعار لها غير قابل أصلا للتطبيق في واقع غير مخصص له تحديدا كمجال حيوي مباشر وحتمي, لأن الدين علاقة روحية مثالية وقيمية متبادلة بين الله والعقل, والسياسة هي أداة الإدارة لشبكة علاقات مادية تفصيلية وواقعية تتصل بحاجات الإنسان والنظام والتحكم والسيطرة, هذا التناقض هو سر فشل تحويل الإسلام من دين إرشادي تربوي عقلاني مثالي إلى دولة أو محاولة لترجمته إلى أسس سياسية مادية تفصيلية تتدخل في الشأن العام والخاص، تدخل قهري إجباري لأنه يتنافى مع توكيل الإشاءة له للإنسان ذاته (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر), الدين الرسالي أخلاق وقيم مثالية تمكن الإنسان من العمل نحو محددات الأصحية والأحسنية والأنفعية الجماعية، لكنها لا تلزمه أن يحوله أي الدين إلى مفردات تتعامل مع كل حالة على حده وكأن لا خيار ممكن أو معقول يمكنه أن يكون بديلا له.
إذن المسألة برمتها تتعدى موضوع فصل الدين عن السياسة ولا هي محاولة تحييد الدين وتحويله لطقوس تعبدية خارج الحياة وهمومها وإشكالاتها، بل هي محاولة رد القراءة إلى منهجها الأصلي (الميزان) الذي جاء مع القرآن قرينا والتحكم والاحتكام به , الدين أساسا هو مجموعة من القيم الإرشادية التعليمية والتنويرية التي تهذب فكر السياسي الفرد القائم على رأس الهرم الحاكم أو في تفصيلاته كي يقود المجتمع بمحددات الدين وهي الحرية والسلام والعدل والتطور والتفكر والتجديد، أي تحول السياسي لإمام زمني لمجتمعه ليقوده بأدوات سياسية مادية ولكن بروح الفضيلة روح إرادة الله بالتعارف والخيرية, هنا لم يتم الفصل نهائيا وحقيقيا بين الدين والسياسة ولكن تهذيب السياسة بالدين وفصل ما هو بشري عن ما هو خارج أختصاص الإنسان, من دون فهم حالية ان الإسلام كدين ورسالة من الله للعقل وحده كي يعمل هاديا ومرشدا له، وليس قائدا في الميدان ولم يكلفه الله بناء دولة ولكن كلفه تحضير مجتمع وعقلنة الروابط بينه وبين بعض للوصول إلى دولة الإنسان الرشيدة.