لِمَ لمْ يرد عليها بالمثل؟ عن عهد التميمي والصفعة

إلهام مانع
2018 / 1 / 4

لِمَ لمْ يرد عليها بالمثل؟
عن عهد التميمي والصفعة


لِمَ لمْ يرد عليها بالمثل؟
سألت نفسي وأنا اتابع الفيديو.
العالم كله قام وقعد لأنها صفعته وركلته.
فرحوا لأنها صفعته.
هللوا لأنها ركلته.

وهو لم يرد عليها بالصفع والركل. كان يحاول إبعادها عنه وهو يلتزم بالانضباط.
يصفقون لها.
ويلعنونه هو.
رغم أنها هي من ضربته.

وَرأيتهما معاً.
صبية شقراء في السادسة عشرة من عمرها.
فلسطينية غاضبة من إحتلال ارضها، ولها الحق في أن تغضب.
لها الحق في أن تصر على إنهاء الأحتلال.
وهو، شاب، جندي إسرائيلي، أكبر منها بعدة سنوات. لكنه شاب أيضاً. ويؤدي دوره. بإنضباط.
واستوقفني المنظر.
منظرهما معاً.


ثم تابعت الهرولة الإعلامية.
ضجيج وصخب ونزيف من ضوضاء مشحونة.
طريقة التغطية.
والصمت عن حقيقة أن الشاب لم يرد عليها بالضرب.
ضربته، ركلته، صفعته، واستمرت في فعل ذلك.
وهو لم يرد.
وأزعجني ذلك الصمت.

أتعرف عزيزي القاريء عزيزتي القارئة ما بدأت افعله منذ فترة.
أقرأ مواقع وصحف إسرائيلية. متعددة.
أنا أقرأ الكثير. بلغات ثلاثة.
كل يوم.
لكن زيارة هذه المواقع بالذات تحولت إلى جزء أساسي من قراءة الأخبار اليومية.
لأني تعبت من القراءة بعين واحدة عندما اقرأ بالعربية.
فالكثير من المصادر العربية تضج بالتحيز وموقف محدد مُسبق من أي حدث يتعلق بإسرائيل.
أقول الكثير كي لا أعمم.
ولذا جاء قراري، بقراءة من مصادر متنوعة، ومنها مواقع وصحف إسرائيلية.
كي أتمكن انا الأخرى من تحديد موقف يرى الإنسان في كل ما يحدث.

وكي أكون أكثر صدقاً معكما، كنت قد قررت الإبتعاد عن التعليق عن ما حدث مع عهد التميمي في مقال الجمعة.
قلت لنفسي: "ستفتحين على نفسك جبهة جديدة. الم تتعبي بعد؟"


لولا ان العزيز المفكر الكويتي الدكتور عبدالعزيز القناعي كتب مقاله بعنوان" عهد التميمي انتصرت لإسرائيل لا للعرب" (https://elsada.net/69996/).

احترمت شجاعته الأدبية، وخجلت من صمتي.
ولذا قلت لنفسي اليوم، لعل الأفضل أن أساهم في هذا النقاش بتقديم عرضٍ لما حدث، ولكن من وجهة نظر إسرائيلية.
دعونا نغير النغمة قليلا، وننظر إلى الموضوع من وجهة نظر مختلفة.

إذن رَجوتكما أن تستمعا لما يقوله مصدر صحفي إسرائيلي.
وأن تتَمعنا في الطريقة التي عرض فيها الموضوع.
المقال منشور على موقع إسرائيل 24 (i24News) وتحت عنوان "محكمة إسرائيلية تحدد التهم ضد الفتاة الفلسطينية من فيديو الصفعة". https://www.i24news.tv/en/news/israel/diplomacy-defense/164125-180101-israeli-court-charges-palestinian-girl-from-viral-slap-video

يبدأ المقال بالعبارة التالية:
"عهد التميمي، البالغة من العمر 16 عاما، وبؤرة حرب دعائية بين إسرائيل والفلسطينيين تتعلق بشريط فيديو يُظهرها وإبن عمَتها وهما تَصفعان وتَركلان جنديين إسرائيليين في الضفة الغربية، وقفت امام محكمة عسكرية اسرائيلية يوم الاثنين، واعلن خلالها الادعاء اعتزامه توجيه اتهامات لها بالاعتداء على جندي. التهمة الموجهة لتميمي هي "الاعتداء على جندي، وإلحاق الضرر بأمن المنطقة، والتحريض، وغير ذلك الجنايات ".

يحكي لنا المقال بعد ذلك معطيات الحدث.

يقول إن الحادثة جرت في قرية نبيه صالح في الضفة الغربية، في فناء منزل عهد التميمي.
دخل الجنديان إلى الفناء ليمنعوا فلسطينيين من رمي الحجارة على سيارات إسرائيلية تمر بالقرب من المنزل.
ثم يقدم لنا وجهة نظر والد عهد التميمي بعد أن اجرى الموقع حواراً معه.
والد عهد التميمي مدح إبنته ومافعلته، وقال إن القبض عليها هو جزء من عقاب إسرائيلي جماعي ضد الفلسطينيين.
"هذه هي استراتيجيتهم (أي الإسرائيليين)، بوضعها في السجن. أنا فخور بما فعلته إبنتي"، على حد قول الوالد للموقع.

يكمل الموقع شرحه لما حدث.

يقول لنا التالي:
"يظهر مقطع الفيديو عهد وإبنة عمها نور (20 عاماً) وهما يقتربان من الجنديين الإسرائيليين.
يطلبان منهما مغادرة الفناء، قبل أن تبدأ الفتاتان في رَكلهما وصَفعهما. عهد التميمي كانت الأكثر عدوانية في الفيديو.
أما الجنديان الإسرائيليان المُدججان بسلاحِهما، فلم يردا علي ما كان واضحاً أنه محاولة لإسِتفزازهما كي يردا عليهما بالمثل. وخرج الجنديان بعد أن تدخلت أم عهد، وهدأت الوضع."

ماحدث لإبنة عم عهد ذكره المقال ايضاً، التي تم اتهامها "بالاعتداء المفرط على جندي ومنع جنديين من أداء واجباتهم"، وهي "ستظهر امام محكمة عوفر العسكرية مرة أخرى يوم الاثنين فى جلسة استماع حول ما إذا كان احتجازها سيستمر إلى أن تبدأ محاكمتها".

ثم يشرح لنا المقال أن عهد شاركت في سلسلة من المواجهات السابقة، مما دفع الإسرائيليين إلى إتهام إسرِتها بإستغلال عهد في مواجهات واستفزازات منظمة ومتعمدة.
ويعود ليذكرنا بالتالي "غير أن الفلسطينيين يقولون إنها تشارك في مقاومة مشروعة."

يختتم المقال بتقديم لنا خلفية للموضوع.
"أول مرة وصلت عهد إلى عناوين الأخبار كان وهي في العاشرة من عمرها، بعد أن التقطت لها صورة وهي ترفع قبضتها في وجه جندي، وهي الصورة التي انتشرت على نطاق واسع، وأدت إلى استقبالها من قبل رئيس الوزراء التركي آنذاك رجب طيب أردوغان في 2012. كما تم تصويرها في عام 2015 بينما كانت ترتدي قميصا يمثل رمز التويتر، وهي تعض يد جندي إسرائيلي في محاولة لوقف اعتقال أخ لها."

انتهى المقال.
كيف تراه؟ كيف ترينه؟
من جانبي أنا، عَملتُ في الصحافة ثمانية أعوام، ولذا وجدت المقال وافياً.
احترمت الطريقة التي عرض فيها ما حدث.
طريقة مهنية حرفية.
تشرح الوقائع وتقدم وجهة نظر أسرة عهد كما عبرت عنها. تسرد ما يقوله الجانب الرسمي الإسرائيلي ثم تقدم وجهة النظر الفلسطينية المضادة.
وتفصيلة أردوغان كانت مهمة بالنسبة لي.
جعلتني أدرك أن إحساسي عندما رأيت الفيديو بأن الصفع والركل كان استفزازا متعمداً وهدفه الكاميرا التي تصورها لم يخالف الصواب كثيرا.

إذن أعود إلى منظرهما.

صبية شقراء في السادسة عشرة من عمرها.
فلسطينية غاضبة من إحتلال ارضها، ولها الحق في أن تغضب.
لها الحق في أن تصر على إنهاء الأحتلال.
وهو جندي إسرائيلي، أكبر منها بعدة سنوات. لكنه شاب أيضاً. ويؤدي دوره. بإنضباط.
واستوقفني المنظر.
منظرهما معاً.
هو لم يرد عليها بالصفع والركل. كان يحاول إبعادها عنه وهو ملتزم بإنضباطه.
والعالم من حولهما.
يصفقون لها.
ويلعنونه هو.
لولا أنها هي من ضربته.

وأنا رغم تفَهمي لدِوافعها، وجدت نفسي أحترمه هو.
هو الشاب الجندي الإسرائيلي، ذاك الذي لِمَ لمْ يرد عليها بالمثل.