ابتعدوا عن روسيا لحماية ما تبقى من عيونكم (2)

طارق المهدوي
2018 / 1 / 4


في الجزء الأول من هذا المقال شرحتُ الظروف الموضوعية العامة غير المواتية التي أحاطت بسفري الاضطراري لعلاج عيوني في مستشفى معهد "فيودورف" الروسي، مؤجلاً إلى هذا الجزء تفاصيل تجربتي العلاجية الذاتية المؤلمة مع بعض الروس بالدولة والمجتمع والسوق والعلاقات الخارجية سواء كانوا كارهين للعرب "المسلمين" مثلي أو كانوا كارهين للشيوعيين "الفلول" مثلي أيضاً، ونظراً لأنه ليس تحت يدي أية اعترافات مسجلة صريحة أو أدلة اتهام يقينية قاطعة ضد أحد من هؤلاء أو أولئك رغم تخصصي المعلوماتي، فسأسرد فيما يلي أبرز تطورات الأحداث كوقائع منفصلة مجردة خالية من أي ربط أو تحليل أو تفسير أو تعليق تاركاً لتقديرات القراء استبيان مدلولاتها ودوافعها وأهدافها، فقط لتوعية عشرات الألوف من مرضى العيون العرب الساذجين الذين لا يزالون يتجهون سنوياً نحو روسيا لعلاج عيونهم تحت أسر صورة ذهنية تاريخية إيجابية عنها لم تعد قائمة بأي حال في واقعها المعاصر على نحو ما شرحه الجزء الأول!!.
أولاً: استغرقت الرحلة العلاجية الأولى شهري يونيو ويوليو بينما استغرقت الرحلة العلاجية الثانية شهري أكتوبر ونوفمبر من عام 2017 أي بإجازة بينية مدتها شهرين فقط، وفي الرحلتين تم ترتيب وتنفيذ كل إجراءات السفر والدخول والإقامة وحجز المستشفى والسكن بمعرفة السفارة المصرية لدى روسيا مع السفارة الروسية لدى مصر، وفي الرحلتين كان مستشار السفارة ينتظرني عند وصولي إلى مطار موسكو بسيارة السفارة لتوصيلي إلى المستشفى كما كان يقلني في رحلة العودة من المستشفى للمطار أيضاً بسيارة السفارة، مع حرص هذا المستشار وهو إسلامي قلباً ودولجي قالباً على لفت نظري في كل لقاء بشكل غير مباشر إلى استيائه من تأدية هذه المهمة التي يؤديها حسب التعليمات، بينما كان بعض كوادر الدولة المصرية الذين ربطتني فيما مضى علاقات زمالة وصداقة بهم يتهربون مني كلما حادثتُهم قبيل أو أثناء سفري العلاجي في أي أمر يخص هذا السفر أو ذلك العلاج، حتى أن أحدهم قال لي باللهجة العامية المصرية "يا عم انتم عسكريين مع بعض وأنا رجل مدني إيه اللي يدخلني وسطكم" علماً بأنني المدني والقائل هو العسكري، في حين خاطبني غيره هاتفياً بعد سفري ليطلب مني إلغاء خطة علاجي بروسيا والعودة دون أن يشرح لي أحدهم شيئاً مما يدور ضدي في كواليس الشر الأمر الذي جعلني أواصل خطة علاج عيوني بمستشفى معهد فيودورف الروسي، بل أنني أتذكر الآن بكل وضوح أن بعضهم وضع عمداً في طريق سفري عدة عقبات ميدانية متتالية لكن بعضهم الآخر الذي كان أقوى أزال عمداً العقبة تلو الأخرى!!.
ثانياً: نظراً لأن أطباء ومديري المستشفى كغيرهم من الروس المعاصرين يرفضون عمداً التحدث بأية لغة غير الروسية رغم اقتصار معاملاتي على ما يسمونه قطاع العلاقات الدولية في المستشفى، ونظراً لغياب وظيفة المستشار الطبي المختص بمتابعة أي حالة مرضية مثل حالتي عن السفارة المصرية كغيرها من السفارات العربية المكتظة بالمستشارين الأمنيين رغم وجود عشرات الألوف من المرضى العرب تحت العلاج في روسيا، فقد سلمتني سفارتي إلى أحد "مجاهدي" مدينة حماه السورية كان قد سبق أن فر لروسيا هرباً من هجوم الرئيس حافظ الأسد على المدينة عام 1982، فجاء إلى روسيا حيث تعاقد مع بعض المستشفيات كسمسار ترجمة ميداني للمرضى العرب، وذلك عقب تضليلي من قبل السفارة بادعاء أنه مسؤول طبي كبير في المستشفى لاسيما أنه كان يرتدي خلال لقاءاتنا داخل المستشفى رداء الأطباء الأبيض لتمرير التضليل على عقلي المدقق، وقد تعمد سمسار الترجمة الإسلامي إطالة أمد معاملاتي عبر اقتيادي إلى عدة معامل خاصة خارج المستشفى لإجراء عدة فحوصات طبية لا علاقة لها من قريب أو بعيد بعيني، لأكتشف لاحقاً أنه يحقق من وراء ذلك مكاسب مالية مزدوجة ضخمة فعمولته المخصومة مني بلغت خمسين دولاراً عن كل يوم شاهدني فيه ولو خمس دقائق، كما أن عمولته مناصفة مع بعض مسؤولي المستشفى المخصومة من المعامل الخاصة التي اقتادني إليها بالتدليس بلغت ربع قيمة المبالغ التي تم إجباري على دفعها لتلك المعامل، وعندما شكوته للمستشفى قالو لي إنهم بعد التحقيق في الشكوى قرروا فقط إلزامه بخلع رداء الأطباء الأبيض الذي كان يرتديه داخل المستشفى لأنه ليس طبيباً!!.
ثالثاً: يضطر المرضى تحت عدة ضغوط مباشرة وغير مباشرة للإقامة خلال المدد الزمنية السابقة واللاحقة على فترة إقامتهم في المستشفى إما بالسكن الفندقي التابع للمستشفى والواقع داخل أسواره أو في الغرف المفروشة التابعة للسماسرة المترجمين والواقعة داخل منازلهم، وقد اختارت السفارة لي السكن الفندقي التابع للمستشفى والذي يشبه المدن الجامعية المجانية في مصر لكنه بمقابل مالي خمسين دولاراً عن كل يوم مبيت فقط وهو غارق حتى أذنيه في عنصرية بغيضة، تتجلى ليس فقط عبر الامتناع عن الحديث بغير اللغة الروسية وليس فقط عبر منع العرب من مغادرة الأسوار فيما بين الثامنة مساءً والثامنة صباحاً بينما يدخل الروس ويخرجون كيفما يشاؤون وقتما يشاؤون، لكنها تتجلى أيضاً في معاملات يومية كاشفة منها على سبيل الأمثلة لا الحصر تلك الليلة التي أصابتني فيها وعكة صحية تطلبت قياس ضغطي وإعطائي بعض العلاجات الأولية خصوصاً مع منعي من مغادرة الأسوار فامتنع المسؤولون بحجة عدم وجود هذه المتطلبات لأكتشف في اليوم التالي وجودها لديهم، وذلك الصباح الذي رغبتُ فيه أن أحتسي شاياً فقط دون إفطار فأخذتُ قدح الشاي وجلستُ كي أتناوله بالردهة الخارجية الملاصقة للمطعم تحاشياً لروائح الطعام فاهتاجوا وأجبروني على العودة لتناوله في المطعم، رغم أنني كنت أرى النزلاء الروس يدخلون المطعم أثناء وجبة الإفطار حاملين معهم حقائب بلاستيكية فارغة يملأونها على مرأى ومسمع من الجميع بكل أنواع الطعام ليتناولونه لاحقاً كوجبتي غداء وعشاء دون دفع قيمتهما، وقامت الدنيا ولم تقعد مرة عندما جلستُ على أريكة الردهة واضعاً إحدى الساقين تحت الثانية ومرة أخرى عندما سحبتُ مقعداً من مكانه في الردهة لأجلس عليه بعيداً عن تيارات الهواء الباردة ومرات عديدة شبيهة إزاء تصرفات عادية شبيهة!!.
رابعاً: خلال إقامتي وتحركاتي الطبيعية في أروقة المستشفى وسكنها الفندقي الملحق ورغم إحاطتي من قبل عناصر الأمن العلنيين والسريين المصريين والروس فقد اقتحمني بأسلوب أمني معروف جيداً لأمثالي ثلاثة أطباء عيون مدربين تدريباً أمنياً مميزاً، أولهم شيشاني مسلم يتحدث اللغة العربية نصحني بعد تودد مفتعل أن أتوجه إلى تركيا لعلاج عيوني حيث سأجد الأصدقاء هناك، وثانيهم يهودي شرقي يتحدث اللغة العربية نصحني بعد تودد مفتعل أن أتوجه إلى إسرائيل لعلاج عيوني حيث سأجد التقدم العلمي هناك، أما ثالثهم فكان روسياً من أصول عربية ولم يسعفه الزمن لكشف أوراقه بتوجيه النصح نحو أي هناك حيث أنني غادرتُ موسكو بينما هو لم يزل في مرحلة تودده المفتعل لي عبر جلب نساء ترفيه روسيات إلى فراشي!!.
خامساً وأخيراً وهو الأهم لأنه يتعلق بعدم علاج عيوني الذي سافرتُ أصلاً من أجله:-
1 - في الرحلة العلاجية الأولى طلبتُ من أطباء المستشفى بكل وضوح عبر سمسار الترجمة عدم التعامل مع عيني المستقرة نسبياً لحين انتهاء معاملاتهم مع عيني العمياء حفاظاً على الحد الأدنى المتبقي في نظري، فإذا بهم يستغلون تخديري وخضوعي تحت سيطرتهم لحقن العين المستقرة مع استمرارهم في حقنها أربعة مرات يومياً لمدة عشرة أيام متتالية بمواد غامضة نتج عنها لاحقاً ارتباك شديد جداً فيها مازال يتدهور من سيء إلى أسوأ، مما كان المترجم قد فسره لي حينها بأنه قرار أطباء المستشفى لتقوية العصب البصري في العين المستقرة بهدف منع تكرار ما حدث للعين العمياء فيها الأمر الذي نفاه أطباء المستشفى مؤكدين أنه تم حسب طلبي الذي نقله لهم المترجم بينما فسره المرضى بالرغبة في مضاعفة الأتعاب المالية المنتزعة مني عبر التدليس، إلا أن التكرار العمدي اللاحق من قبل أطباء المستشفى في الرحلة العلاجية الثانية لإلحاق الأذى بعيني قد فتح أمامي تفسيرات أخرى ذات صلة مع جهات أخرى.
2 - في الرحلة العلاجية الثانية كان يفترض أن يجري لي الأطباء عملية جراحية مزدوجة بعيني العمياء لإزالة التليفات الصلبة والارتشاح السائل عن الشبكية، فطلبتُ أنا منهم لو نجحت عمليتهم زرع عدسة صناعية جديدة محل العدسة الرديئة المعتمة السابق زراعتها في القاهرة، إلا أنهم دون أن يقوموا بإزالة التليفات أو الارتشاح زرعوا عدسة جديدة لا جدوى لها في ظل استمرار التليفات والارتشاح ربما بدافع من رغبتهم المحمومة لمضاعفة الأتعاب المالية وربما غير ذلك، وأثناء الجراحة في عيني العمياء حاول الطبيب الجراح عدة مرات غرز إصبعه داخل عيني المستقرة التي كانت تغمض تلقائياً لحماية نفسها رغم الجرعات المكثفة التي تم حقني بها من المخدر النصفي والمخدر الموضعي معاً، وعقب الجراحة استطاعت طبيبة زميلة له أثناء الفحص أن تغرز إصبع جهاز السونار في عيني العمياء الفاقدة لرد الفعل التلقائي تحت تأثير المخدر مما نتج عنه إتلاف القرنية، ليكتمل بذلك مثلث العمى التام بين قرنية أتلفها الأطباء الروس وعصب بصري أتلفه الأطباء المصريون وشبكية أتلفتها محاولة الاغتيال الفاشلة التي كانت الأجهزة الأمنية المصرية قد نفذتها ضدي في القاهرة قبل عام مضى!!.
ومازال للحديث بقية بقدر ما في النظر من بقية!!.
طارق المهدوي