إيران؛ الحنكة والتظاهرات والخصوم وأزرار الضغط

ناظم الديراوي
2018 / 1 / 3

إيران؛ الحنكة والتظاهرات والخصوم وأزار الضغط
ناظم الديراوي
لا خوف على إيران، كدولة ونظام، من تلك الاحتجاجات والقلاقل التي تجري منذ أسبوع في بعض مدن البلاد، المشروعة منها أو الممولة من أطراف إقليمية ودولية، وعدم إتخاذ السلطات الإيرانية إجراءات حاسمة لمنعها وإخمادها. والمظنون أن هذا الموقف الرسمي كان مقصوداً، حتى لا يتفاقم الوضع في المجتمع الإيراني ، كالذي حصل في بعض الدول العربية وما آلت إليه أحوالها من تغلغل في شؤونها السياسية والدينية والأثنية. وما أعقبه من دمار مروّع لأحوال البلاد والعباد، للاستمرار في الإصلاح الاقتصادي والسياسي المطلوبين شعبياً، بعد إرتفاع الموارد المالية وبوادر نهضة عامة.
الإيرانيون اليوم أكثر تجربة وحكمة في إدارة الأزمات من مجمل الدول العربية والإقليمية، ولهم باع طويل وحنكة في إستثمار المفاوضات المتعددة الأقطاب والمهام في خدمة مصالحهم الوطنية وتحييد المخاطر وإزالة العقبات التي تواجهها. ولعل أبرزها؛1- إفرازات الحرب العراقية- الإيرانية. 2- الإحتلال الأمريكي للعراق. 3- الملف النووي الإيراني المعقد. 4- تقلبات العلاقات الإيرانية- التركية. 5- كل ما يتعلق بالأزمة السورية. 6- معوقات جني ثمار الاتفاق النووي مع غالبية أعضاء الاتحاد الأوروبي والدول العظمى.
ولا أرى في أيٍّ من الدول المناهضة للسياسة الإيرانية قادرة اليوم على التفاوض مع إيران وفق مبادئ القانون الدولي والاتفاقيات الموقعة معها. إذ أن الدبلوماسية الإيرانية لم تتعرض، كنظيراتها العربية والإقليمية، منذ عقود طويلة إلى حملات تصفية مع تغير الحكومات والرؤساء. ولا تشكو اليوم من نقص في عملها المهني البحت وخبراتها المتراكمة وتقاليدها العريقة، وتملك من ذوي التخصص في شؤون العلاقات الدولية وفنون إدارة الحوار ما لا يملكه خصومها في دول الخليج مجتمعة، وإنْ اعتمدوا على الدعم الأمريكي- الصهيوني! ولست على يقين من أن تلك الدول العربية لا تعرف هذه الحقيقة المرة. وربما هذا هو السبب الأهم في أن خصومها لا يُغلبون نهج المفاوضات المباشرة معها في حل القضايا المتنازع عليها، ويفضلون إفتعال الأزمات ونزاع الكلام المُلفق للتعويل على عامل الزمن وما يحمله من مفاجآت.
أما مراهنة خصوم إيران على المعارضة المحلية فهذا أمر غير مربح. إذ أنَّ المتابعين للشؤون السياسية والدينية في إيران غير واثقين من وجود معارضة متماسكة للنظام الإسلامي، تملك مؤهلات وإرادة سياسة مستقلة وتحظى بدعم شعبي معتبر يمكنها من تهديد النظام السياسي الايراني وتغييره. هذا لا يعني عدم وجود تذمر وسط جيل الشباب وذوي الكفاءات الجدد المنفتحين على علوم المجتمع الغربي وثقافاته. ويمكن أيضاً ملاحظة عدم رضاء أوساط من الشباب على أداء الحكومة في مجال خلق فرص عمل جديدة وتنفيذ مطاليبهم المشروعة في ظل الانفتاح الإيراني على الاقتصاد العالمي.
نعم، من الممكن أن تسبب المظاهرات المعارضة لسياسة الحكومة الإيرانية، إلى حدٍ ما، إرباكاً محدوداً للأجهزة الأمنية وقدرتها على فرض الأمن والاستقرار في البلاد. لكنها تبقى في دائرة السيطرة والتحكم في مآلاتها الاجتماعية والسياسية.
ويبدو التدخل الإقليمي، الذي لم يتوقف منذ إنتصار الثورة الإيرانية، والمدعوم مباشرة من الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني، لخلق بؤر توتر أثنية- مذهبية، وتشجيع العنف والإرهاب المنظم ضد الدوائر الحكومية، أنّه سائر نحو التورط أكثر في تشكيل منظمات إرهابية مُستترة في حركات تحرير وطني في تلك المقاطعات الحدودية الإيرانية ذات الأغلبية غير الفارسية، وظيفتها إشغال النظام الإيراني في مواجهة أعمال العنف والإرهاب، ومنعه من إستثمار منافع الاتفاق النووي في الاقتصاد الوطني، والكف عن مساعدة حلفائه في سوريا ولبنان والعراق واليمن وفلسطين، وأبرزها؛ عربستان وكردستان وخراسان وأذربيجان. ولا نستبعد توسيع دائرة التحالف القائم، غير المُعلن، ضد إيران ليشمل مكونات قومية ومذهبية وإرهابية إيرانية وإقليمية بينها؛1- مسعود برزاني وتياره المحابي للكيان الصهيوني والمتعاون معه. 2- حزب العمال الكردستاني.3- النجيفي والهاشمي والمقربين منهم من شيوخ عشائر وبقايا البعث الممولين من السعودية والإمارات وما بقي من الدواعش وأصحاب "الرايات البيضاء" في كركوك ومناطق خاضعة لحكومة نيجرفان برزاني. 4- إبتزاز وشراء ذمم عرب وكورد وبلوش وأذريين وحتى فرس مقيمين في دول الخليج العربي من أصول إيرانية. 5- الضغط على رئيس جمهورية أذربيجان إلهام علييف لدعم المعارضة في أذربيجان الإيرانية. 6- إعادة تأهيل شراذم الإرهابيين في سوريا والعراق وليبيا في معسكرات أمريكية بتمويل سعودي- إميراتي ونقلهم إلى مناطق حدوية مع إيران تشهد أعمال إرهابية.7- تشكيل جماعات مسلحة من أبناء المخيمات الفلسطينية واللاجئين السوريين والمنضويين في أحزاب لبنانية تمولها السعودية، لتنفيذ هجمات إرهابية ضد مؤسسات حزب الله المدنية وتيارات سياسية لبنانية معارضة لسياسة الاحتواء السعودي القصرية في لبنان الدول العربية.
أعتقد أنَّ لدى إيران ما يمكن ترد به على الدول التي تتورط في دعم هذه القلاقل التي أخذت تتحول إلى أعمال إرهابية في بعض المواقع. وهذا حتماً سيدفع السلطات الإيرانية إلى استخدام القوة والدعم الشعبي. للقضاء على هذه الاحتجاجات. وحتى الآن ليس هناك ما يوحي بأن الاضطرابات ستتصاعد. ورغم هذا سيظل الإعلام السعودي والإماراتي والبحريني يدعمه الأمريكي- الصهيوني في تضخيم الأحداث في إيران وتسويقها دولياً. ولو أنّي أرى أن الوضع السياسي والمحلي في هذه الدول الخليجية الثلاث ليس بأفضل من إيران ويمكن للأخيرة أن تساهم في تفاقم الأوضاع أكثر في اليمن والبحرين والمنطقة الشرقية في السعودية، عندما تشعر فعلاً أن التظاهرات تأخذ منحى أخطر. ولا أستبعد عند الضرورة حتى تحريك حرب مع الكيان الصهيوني من جنوب لبنان أو من غزة أو حتى عمليات استنزاف من الجولان. لدى إيران اليوم أوراق ضغط كثيرة يمكن أن تستثمرها للرد والقضاء على القلاقل، وخبرتها في هذا المجال كبيرة ومعقدة. ولا ننسى حلفاءها في المنطقة ومصالح أوروبا وروسيا والصين وتركيا والهند في إيران، وواضح أن هذه الدول مجتمعة معنية تماماً باستقرار إيران اليوم ومواصلة التعاون السياسي والاقتصادي والأمني معها.