التنمية والبيئة العربية

عبد الحسين شعبان
2018 / 1 / 3


مع نهاية العام 2017 وبداية العام الجديد 2018 تظل التنمية أحد أهم الأهداف الأساسية للبلدان العربية؛ لأنها تشكل المحور المركزي الذي لا يمكن لها التقدم من دونه، فما بالك باللحاق بالبلدان المتقدمة، وتوفير سبل العيش الكريم للمواطن. ولعلّ إنجاز الخطط الطموحة (2030) في المجالات المختلفة يحتاج إلى تضافر جميع الجهود البشرية والمادية، النظرية والعملية، وصولاً لتحقيق الأهداف الملموسة في ميدان التنمية بمختلف جوانبها.
ويكفي أن نلقي نظرة سريعة على البلدان التي حققت نجاحات كبرى على هذا الصعيد خلال عقدين ونيّف من الزمان، وانتقلت من حالة التخلف إلى حالة التقدّم، لنصل إلى حقيقة باهرة على المستوى العالمي، وذلك حين سارت في طريق التنمية المستدامة، فقد كانت بلدان مثل الصين وماليزيا وسنغافورة وتركيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا حتى مطلع الثمانينات في دائرة البلدان المتخلّفة، لكنها أصبحت اليوم من البلدان التي يُشار إليها بالبنان في الساحة الدولية؛ لما حققته من منجزات كبيرة على صعيد التنمية.
وفي عالمنا العربي لا يزال الحديث عن التنمية المستدامة في بداياته وهو بحاجة إلى تأصيل وتبيئة «عربية»، بحيث تتناسب مبادئها العامة وقوانينها مع ظروفنا وتطور مجتمعاتنا، آخذين بنظر الاعتبار مركزية الدولة العربية، وضعف القطاع الخاص، وجنينية مؤسسات المجتمع المدني وضعف المشاركة، ولاسيّما باتخاذ القرار، واستمرار نقص فرص التعليم، وشحّ إمكانات القضاء على الأمية الأبجدية، فما بالك بالأمية التكنولوجية، ناهيكم عن مشاكل الصحة والبيئة والتصحّر وشحّ المياه وتفاوت الدخل والتوزيع غير العادل للثروة وغيرها، إضافة إلى معوّقات كثيرة منها: الحروب والنزاعات الأهلية الداخلية وظواهر الإرهاب، ولاسيّما الإرهاب الدولي وشيوع العنف، وخصوصاً ضد المرأة، إضافة إلى أن بعض البلدان شهدت انقسامات طائفية ومذهبية وإثنية حادة وتداخلات خارجية مختلفة.
وحتى وقت قريب كان المقصود بالتنمية هو «النمو الاقتصادي» الذي اتّسع مفهومه ليشمل التنمية البشرية، وصولاً إلى ما تبنّته تقارير الأمم المتحدة الإنمائية والإسكوا «اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا»، من إقرار مصطلح التنمية المستدامة، والمقصود منه: الانتقال من الرأسمال البشري إلى الرأسمال الاجتماعي، وذلك ليشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والقانونية والتربوية والبيئية والصحية وغيرها.
وهكذا بدأ المفهوم الواسع للتنمية يأخذ طريقه إلى أدبيات الأمم المتحدة، وخصوصاً في معالجة شرعية الحكم، وتوسيع دائرة المشاركة والتمثيل للفئات المختلفة، إضافة إلى العلاقة بين الإدارة والناس، في ظلّ ارتفاع المطالبة بالمزيد من المساءلة والشفافية؛ بهدف تحقيق الإدارة الرشيدة والسلام المجتمعي، لأن التنمية تتعزّز وتتّطور بالسلام وليس بالحروب والنزاعات، كما أنها تغتني باحترام الحقوق والحريات، الأمر الذي يحتاج إلى توفير البيئة المناسبة لذلك طبقاً لظروف كل بلد وتطوره التاريخي.
إن احترام خيارات الناس يعني تحقيق المساواة بين المواطنين وأمام القانون بشكل خاص، لاسيّما حين يكون القضاء مستقلاً ونزيهاً، كما يعني تعزيز دور المرأة ومساواتها مع الرجل وتمكينها لتكون عنصراً فاعلاً في المجتمع؛ لأن ذلك أحد الأركان التي لا غنى عنها لتحقيق المشاركة الواعية والمجتمعية، لاسيّما بتحقيق قدر ضروري من العدالة لدوام عملية التنمية، وتقدّمها نحو أفق أكثر رحابة.
ومنذ العام 1990 كانت تقارير الأمم المتحدة تتواتر بشأن فروع أساسية لدعم عملية التنمية، سواء فيما يتعلق بالحكم الصالح أو حقوق الإنسان أو حقوق المرأة أو الفئات الضعيفة، بمَنْ فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة، أو تلبية حقوق المجموعات الثقافية، التي تنتمي إلى هوّيات فرعية دينية وإثنية ولغوية، وغير ذلك بحيث تشعر بعدم التمييز.
وكان لصدور «إعلان الحق في التنمية» من الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1986، دور كبير في إعلاء شأن هذا الحق؛ باعتباره حقاً أساسياً من حقوق الإنسان، وهو حق فردي مثلما هو حق جماعي أيضاً، ولا يمكن حجب هذا الحق عن الأفراد، سواء من جانب الدولة أو من أية جهة خارجية أخرى، مثلما لا يمكن حجب حق الدولة من التقدم تحت عناوين مختلفة من جانب القوى المتنفذة في المجتمع الدولي بوضع عقبات أمام حصولها على التكنولوجيا.
ومن الناحية النظرية يندرج الحق في التنمية في إطار الجيل الثالث لحقوق الإنسان، فبعد الحقوق السياسية والمدنية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أقرّت في العهدين الدوليين الصادرين عن الأمم المتحدة العام 1966 واللذين دخلا حيّز التنفيذ العام 1976، وذلك بعد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر في العام 1948، فإن «الحق في التنمية» و«الحق في السلام» و«الحق في بيئة نظيفة» و«الحق في الاستفادة من منجزات الثورة العلمية -التقنية» هي حقوق مضافة وأساسية إلى الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، في إطار ديناميكية الحقوق، فبقدر كونيتها فهي محلية، ومثلما هي خصوصية فهي شاملة أيضاً، وبهذا المعنى فهي مترابطة في الوقت نفسه ولا تقبل التجزئة.