الاِستِعلاء الأَخْرَقُ ثقافة المَعْلُولِ

تيسير حسن ادريس
2018 / 1 / 3


المبتدأ:
(إِذا عصفَ الغرورُ برأسِ غِرٍ . . . . توهمَ أن منكبَهُ جَناحُ) " القروي"
والخبر :
(1)
ليس من فراغ أن غدت تمتد بالسوء والبذاءات إلى السودان وأهله ألسن بعض شعوب المنطقة التي كانت إلى حين قريب تلهج بفضل وإحسان السودان الذي سبق، وقد أصبحت هذه الإساءات المتكررة نهجًا تمارسه بعض دول الجوار على مستوياتها الشعبية والرسمية كافة في عهد هذا النظام البائس الخائر المفاصل، والذي اعتلى السلطة بانقلابٍ عسكريٍّ، خططت له ونفذته الحركة الإسلامية، والحقيقة أن هذا النظام نفسه هو من ابتدر في بواكير عهده هذا النهجَ الصفيقَ، حين جنَّد في حينه الكثير من الألسن (الزفرة) ، وأطلقها لمهاجمة قيادات وشعوب المنطقة، وإن نسيَ شعبنا فلن تسقط عن ذاكرته ظاهرة (ديك الصباح) الذى كان لسانه يقطر نتانةً كل صبح من منبر إذاعة أم درمان الرسمية ضد بعض قادة دول الجوار، وقد كان بحق عملاً أخرقًا وقبيحًا لم يعهده أهل السودان، وعلى نفس هذا المنوال الأسيف صار أعلام بعض الدول القريبة ينسج غزله ، خاصة بعد أن تدحرج الحال باقتصاد السودان، وبات يعد نظامه الحاكم من أكثر نظم المنطقة فشلاً.
(2)
وللحقيقة والتاريخ لا بدّ ايضا من الإقرار بأن كثيرًا من شعوب الدول العربية ترفض من حيث المبدأ وجود السودان في محيطها، وظلت تاريخيًّا تنظر للسودان وأهله بنظرة تختلف عن نظرتها لبقية شعوب المنطقة، ولا تعترف بعروبة بعض أهله المتمسحين بعتبة الشرف السنية!! وتضمر شكًّا في صحة انتمائهم لنقاء العرق الشريف !! والتاريخ الحديث يحفظ في دفتره أسماء تلك الدول التي اعترضت علنًا على قبول عضوية السودان بمنظمة (الجامعة العربية)، وهي دولٌ عديدة استبسلت في اعتراضها على دخول السودان تلكم (الجنة) التي قطوف فشلها دانية، وليتها ظلت على موقفها من الرفض مستكبرة، ولم ترض لكانت في حينه قد قدمت للسودان خدمة جليلة جنبته وأهله الكثير من الماسي والمزالق الوطنية التي ألمت به لاحقا من جراء ارتباطه بالجامعة العربية، وما فقدان جنوب السودان عن الاذهان ببعيد، عموما لم أجد منطقا عقلانيا يبرر لرواد حركتنا الوطنية الأوائل ارتكاب هذه الحماقة؛ وربما فقط هو الهروب من الجلد، أو الذات شرقا، وليتهم لم يفعلوا فقد أثبتت الأيام أن المنظمة التي أضاعوا الوقت والجهد في الانضمام إليها لا تجيد شيئًا سوى فن الخلاف والاختلاف، حيث لم يشهد لها التاريخ منذ التأسيس حتى اليوم أي نجاح، وها نحن نرى اليوم قضية فلسطين والتي تعدّ قضية العرب المركزية، يتم تصفيتها بالقطعة، والجامعة العربية على حال هوانها في لغو بياناتها مسترسلة (كالمُنْبَتَّ لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى).
(3)
وبالعودة لظاهرة الاستخفاف بالسودان وأهله ومحاولات الإساءة إليه التي استفحلت مؤخرًا لا بدَّ من مواجهة النفس بالإجابة الصادقة على سؤال، مفاده لماذا استفحلت هذه الظاهرة الشاذة في السنوات الأخيرة بالذات، واتخذت نهجَ العلن بعد أن ظلت لعقود تمارس على استحياء وفي وجل؟؟! من الواضح أن شعوب وقيادات دول الجوار قد استضعفت السودان وشعبه؛ مما دفع بغاث طير هذه الدول تجرؤ وتجهر بما كان في الأصل يضمر وهي ترى صبر شعبنا على نظام مارق داس بأحذية سفهاه على صدر الوطن لأكثر من ربع قرن، وأحكم قبضته على مقدرات وخيرات دولة كبيرة في حجم السودان، وأخذ يبددها بكل سفه مهدرا إرثها وتاريخها وسيادتها الوطنية، ومستهينا بقيم شعبها الحضارية، وهادما عرى اقتصادها حتى أوصل غالب شعبه لما دون الكفاف، ودفع بالكوادر الوطنية المؤهلة في كافة المجالات الحيوية للرحيل والهجرة طلبًا للرزق والأمان، بعد أن ضاق بهم الوطن بما رحب من مساحة وخيرات، وأصبحوا هدفًا لا يخطي خيارين أحلاهما مرٌ (قطع للأرزاق أو الرقاب) وإزاء هذا الوضع الشاذ المهين الذي امتدَّ عقودًا لم ترَ فيها شعوب المنطقة حراكًا حاسمًا لتجاوزه، طمعت بدورها واستأسدت، وهي ترى تضعضع الجبهة الداخلية وانقسامها، وضعف تماسك بنية الدولة السودانية.
(4)
وحيال هذا الوضع المذري الذي أوصلتنا إليه سياسات الحركة الإسلامية، وفي ظل صمت النظام الخائر المفاصل كان من الطبيعي أن تشعر دول الجوار بالاستعلاء، وتستخف بنظام لم ينجح في شيء سوى تدمير وطنه، وتشريد أهله، وتطمع بالتالي في تبعيته لها؛ بل تشرع بالفعل في احتلال جزء من أراضيه مدنسة سيادته الوطنية بلا وجل، معطية لشعوبها المبرر لكي تستخف بدورها بإنسان السودان، وتظن بأهله الظنون، وينتابها تجاههم الإحساس المريض بالاستعلاء والكبر الذي لا بدَّ أن يقود في نهاية المطاف صاحبه إن لم يجد رادعًا له، ليس فقط للإساءة والجهالة؛ بل وربما للتفكير في اقتطاع المزيد من الأراضي العامرة بالخيرات ليحل مشاكل فقره المدقع وانفجاره السكاني لم لا؟! وجميع دول الجوار ترى قادة النظام السوداني يتاجرون بحرمة التراب الوطني بيعًا وهباتًا دون نخوةٍ ودون وازعٍ من ضميرٍ، وقد قال أهلُنا قديمًا في الأثر (المال السائب يعلم السرقة).
(5)
مشكلة السودان اليوم سادتي ليست في تلكم الألسن القذرة ولا في الإساءات الصبيانية التي تصدر مِمَّن يعانون الجهل والأمية من شعوب تلك الدول، ولا حتى في دول الجوار التي تتعامى عن رؤية حقائق التاريخ قصد تزويره، إنما مشكلة السودان وشعبه الحقيقية تكمن في استمرار هذا النظام الفاشل، وفي عجز القوى المعارضة عن إسقاطه على الرغم من بشاعة ما ارتكب من جرائم طوال فترة حكمه. فالسلاح الأقدر على لجم ألسنة السوء وإخراسها، وقطع دابر تفاهاتها هو انتصار شعبنا في معركة هزيمة الاستبداد المخيم على الوطن، واسترداد عزة الوطن وكرامته المهدرة، والشروع مباشرة في إقامة نظامٍ وطنيٍّ ديمقراطيٍّ يعيدُ بناءَ مؤسسات الدولة السودانية، واقتصادَها الذي نخره سوس الجماعة المتأسلمة، وعندها فقط سنرى كيف ستبتلع ألسن السوء ترّهاتها، وكيف سيصعد كل قرد إلى شجرته حذر غضبة الحليم.
** الديمقراطية قادمة وراشدة لا محال ولو كره المنافقون.
تيسير حسن إدريس 3/01/2018م