الصورة تقول ...احتفالات بغداد المليونية ...دولة مدنية بامتياز

جاسم محمد كاظم
2018 / 1 / 3

الصورة تقول ...احتفالات بغداد المليونية ...دولة مدنية بامتياز
الذي شاهد لأول مرة الحشود الساهرة من ساحة الاحتفالات المنسجمة مع الأغاني الجميلة المصحوبة بنغمات الإيقاع وضحكات المطربين يظن بانطباع أولي بان هذا التزاحم البشري الذي حدث في بغداد بعد أكثر من خمسة عشر عام من السير بنفق القرون الوسطى قد ارجع عاصمة الرشيد إلى منتصف العقد السبعيني من القرن المنصرم .
وان العراق اليوم ما هو ألا دولة عصرية مدنية لا تختلف بشي عما نسمعه ونراه من دول أوربا الغربية لان الصورة التي بثها الأعلام الفضائي لا يشوبها الشك أبدا .
لكن الصورة تختلف كثيرا حين يأتي هذا المشاهد لأرض الواقع وينظر بعينين حقيقتين لطبيعة الوضع الراهن وان عراق الصورة الفضائية يختلف تماما عما هو مكون في الصورة العينية .
وحين يبحث هذا المتابع عن سر هذا الاختلاف الهائل مابين ما يرى بصوره غير مباشرة عبر شاشة رقمية ومابين الصورة المباشرة لجسد حي تصعب الإجابة لكنها تبدأ بتبسيط نفسها بجواب واحد :-
بان هذا التشكيل الاجتماعي لا يستطيع أبدا من أيجاد نفسه في تشكيل سياسي
ويبدأ سؤال جديد لماذا ؟؟
ويكون الجواب الجديد بان هذا التشكيل الاجتماعي يفتقد للوعي الطبقي .
فالوعي هو الذي يحدد التغيير وليس هوس الجمع وكثرته فليس التجمع المدني من يصنع الثورة وإنما وعي الدولة المدنية هو يصنع هذا الصاعق الذي ينفجر في أية لحظة من لحظات الزمن .
فالوجود الطبقي في عراق اليوم يعوزه الوعي الطبقي لان جدلية التغيير تقول بان العقل لابد له في النهاية من الثورة على نفسه وتغيير نسق كل المفاهيم البالية بمفاهيم جديدة مستلة من الواقع الموضوعي بثورة تسمى في الفكر الفلسفي "
" ثورة العقل على نفسه "
فالعقل لا يبني نفسه من جديد ألا بعد أن يتحطم كل القديم من مفاهيمه السابقة هكذا كان سير البشرية وتطورها الحلزوني بالترابط مابين الوعي والواقع من خلال تطور القوى المنتجة وتغييرها للواقع الفكري المتخلف إلى الأمام دائما .
العراقيون على مدى خمسة عشر عام من الجوع والموت والبطالة والسرقة للثروة الوطنية والخلاف ألاثني الذي وصل إلى مرجله الاحتراب الأهلي وحرب الكل مع الكل كل هذا تبدد في بعد أن رأوا وأدركوا بأن السلطة لأتعبا بالشعب بل تتخذه كفحم لحروبها من اجل أثارة الفتنة ولا غير لضمان البقاء إلى مالا نهاية بأيدلوجيتها المقيتة بالسلب والنهب وبث روح العداوة مابين المكونات .
ما ينقص العراقيون اليوم هو الحزب الوطني الذي يتخطى كل الحواجز العرقية والعقيدة والمذهب ليكون جناس الشعب مثل جناس المنتحب الوطني للكرة وهذه الخطوة أصعب ما في الأمر لان التنظيم الحزبي الحقيقي هو تنظيم طبقي يفرضه واقع العمل للطبقة التي تريد استرداد حقها السليب من براثن السلطات المغتصبة لهذا الحق .
العراقيون اليوم وضعوا أولى أقدامهم في الطريق الصحيح وما يتبقى من الخطوات القادمة يقع عاتقة على ناشطي القوى المدنية والتيارات العلمانية والقوى الاشتراكية من اجل استغلال الوضع وتوحيد هذه المكونات في تنظيم حديدي يستطيع ضمان مكاسب انتحابية تحت قبة البرلمان تستطيع في يوم ما من تصحيح المسار وبناء الدولة المدنية الموعودة ..

//////////////////////////////////////////
جاسم محمد كاظم