خلق العالم بين التوحيد والثنائية الأنطولوجية للروح والمادة

أشرف حسن منصور
2018 / 1 / 3

إذا تأملنا في الفكرة القائلة إن الله خلق العالم من العدم، فسوف نكتشف فيها الكثير من المسائل التي لم نلاحظها، من جراء اعتيادنا عليها. الإله كيان روحي خالص ومجرد، بريء عن المادة، والعالم مادي؛ وعندما نقول إن الله خلق العالم من العدم، فكأننا قلنا إن كياناً روحياً خلق كياناً مادياً. ولما كانت المادة مضادة للروح وهي العكس التام والنقيض المطلق لها، فإن فعل الخلق بهذه الطريقة هو فعل إخراج النقيض من نقيضه، إخراج المادة من الروح، أو على الأقل، فعل إنتاج النقيض لنقيضه. الإله وفق هذه الفكرة أخرج نقيضه، وخروج الشيء من نقيضه هو سلب ونفي، بمعنى أن الإله الروحي لا يأتي بعالم مادي إلا على أساس أن هذا العالم المادي هو نفي مطلق له: الإله روحي والعالم مادي، الإله إزلي والعالم زائل، الإله كامل والعالم ناقص. فعل الخلق إذن هو فعل نفي الإله لذاته لإخراج نقيضه. إنه خلق الكيان المطلق الأزلي لكيان نسبي زائل.
وبعد الخلق نكون أمام ثنائية واضحة بين إله روحي وعالم مادي، فهل هذه الثنائية تُضعِف من التوحيد المطلق؟ أنا أعرف أنها ليست ثنائية من إلهين، بل الإله في هذه الثنائية واحد، لكنها ثنائية أنطولوجية، يقف فيها الإله طرفاً روحياً أمام الطرف المادي، وبذلك يكون السؤال السابق وجيهاً. التوحيد المطلق يجب أن يستند على واحدية مطلقة للإله لا يشاركه فيها أي كيان آخر مضاد له، لكن ثنائية الروح والمادة تقدم لنا الإله طرفاً يقف في جانب الروحي ويقابله الطرف المادي. صحيح أن فكرة الخلق من العدم تقدم لنا الإله مطلق القدرة، وهو ما يليق به، إلا أنها تدخلنا في ثنائية الروح والمادة.
إشكالية أخرى مترتبة على مسألة ثنائية الروح والمادة، وهي أن الروح بلا مكان، فهي لا يمكن أن تتحيز؛ وبذلك يكون الإله هو الروح غير المتحيزة التي لا تشغل مكاناً، في حين يكون العالم هو الذي يشغل المكان، وهنا نكون أمام ثنائية أخرى، بين الإله اللامكاني غير المتحيز والعالم المتحيز في المكان. لكن الذي ليس في المكان صعب تصوره أو حتى تخيله، ولذلك حلت الأديان هذه الإشكالية بأن خصصت للإله مكاناً وهو السماء، نظراً لعلوها، والعلو يليق بالإله. لكن هنا تكمن مشكلة أخرى، وهي أن تخيل الإله في السماء سينتج عنه ثنائية أخرى، بين عالم يخلو من الإله وسماء يسكنها الإله، وطالما خصصت للإله مكاناً فقد حيَّزته وجسَّمته، لأن الذي يشغل المكان هو بالضرورة جسم، وهنا تنتفي عن الإله صفته الأصلية وهي الروحية، فهو لن يعد روحاً وقد شغل مكاناً منفصلاً عن العالم.
من هنا نرى أن الإشكاليات الناتجة عن فكرة الخلق من العدم تؤثر في تصوراتنا عن الإله، ومن ثم تستدعي منا حلاً، يحافظ على مبدأ التوحيد وعلى صفة الإله باعتباره كلي القدرة، وهو حل يجب ألا يضحي بصفات الإله المعروفة بل يجب أن يؤكدها. وأنا لا أدعي أنني أمتلك إجابات، فهذه مجرد دعوة للتفكير.