الشيخُ الطيب … الشيخُ الشابُّ … شكرًا لك

فاطمة ناعوت
2018 / 1 / 3


نموذجٌ مشرّفٌ للمؤمن الحقّ كما يريده اللهُ تعالى. نموذجٌ رفيعٌ لرجل الدين الحق، كما يليقُ به أن يكون. نموذجٌ راقٍ للإنسان المُعافَى من أمراض الأشرار وأدرانهم، كما رسمَه اللهُ أمام ملائكته ليكون خليفتَه على الأرض؛ فاستحقَّ أن تسجدَ له الملائكةُ. نموذجٌ للمصريّ النبيل خليقٌ بأن يكون حاملاً مِشعلَ أولى حضارات الأرض وأعرقِها. نموذجٌ يُحتذَى للمسلم الذي لا يكتفي بأن يَسْلَمَ الناسُ من لسانِه ويده، بل يعمل على حماية الناس من ألسن الأشرار وأياديهم. نموذجٌ طيبٌ لشيخ أزهري، لا نقبل مَن هو دون تحضّره من رجال الأزهر الشريف ودُعاتِه. نموذجٌ يُعيدُ إلى أذهاننا نماذجَ فريدةً مرّت بتاريخنا من رجالات الأزهر في عهودٍ سابقة أكثر سُموًّا، حين كان الأزهرُ يقوم بدوره الينبغي له في تحقيق رسالة السلام والمحبّة، التي جاء بها الإسلامُ إلى هذا العالم. الشيخ الطيب، خطيبُ مسجد "الدسوقي"، بحي حلوان، المجاور كنيسة مارمينا، التي تعرّضت قبل أيام لعمل إرهابي خسيس، أهرق دماءً كثيرة، وكان مُقرَّرًا له أن يُهرِق المزيدَ من الدم، لولا تحضُّرُ هذا الشيخ، وإسلامُه السويُّ وإيمانُه الحقّ.
الشيخُ الشابُّ:ة"طه رفعت"، ابنُ الأزهر الشريف، وأحد نماذجه المُنيرة المستنيرة. في صباح يوم الجمعة الماضية، كان الشيخ طه يختلي بنفسه في غرفة الإمام بالمسجد، يُجهّز الخطبة التي سوف يُلقيها في صلاة الجمعة. وفجأة سمع صوتَ رصاصٍ يزأرُ بالشرِّ والتوعّد آتيًا من صوب الكنيسة المجاورة. فأدرك على الفور أن عملاً إرهابيًّا يجري، وأن كلَّ لحظة تمرُّ قد يقطُرُ فيها دمٌ وتُزهَق روح. فأسرع من فوره إلى ميكروفون المنبر، وراح يحشد الناس أن يهُبّوا للذود عن الكنيسة ومَن بها من أقباط. لم ينظر هذا الشيخُ المثقف، بعين الطائفيّ، إلى عقيدة المُهددين في الكنيسة المجاورة، إنما شاهدهم بقلبه بشرًا أبرياء في منحة، فسعى سعيًّا لإنقاذهم من وابل رصاص أعمى؛ لأنه يعلم أن "إغاثة الملهوف"، هي أحبُّ الأعمال عند الرحمن الرحيم. ذاك أن ديننا يحثُّنا على تمثّل صفات الله قدرَ وسعنا، فنكون رحماءَ مع جميع خلق الله دون استثناء لأن: “في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ.” هتف الشيخُ الطيب في الميكروفون: “يا عبادَ الله، احتشِدوا واحموا الكنيسةَ كما تحمون الجامعَ. أغيثوا إخوانَكم المسيحيين من الإرهاب الذي يستهدف الكنيسة الآن.” وبالفعل، انتفض أهلُ الحيّ جميعُهم لحماية الكنيسة من الانفجار الوشيك، غيرَ خائفين على أعمارهم أن تقصفها شظيةُ قنبلة أو رصاصةٌ في يدٍ شرير بليد القلب يقتاتُ على نحيب الثكالى ودموع الأيتام. شيخٌ مسلمٌ مثقفٌ هبَّ لحماية بيت يُذكَرُ فيه اسمُ الله، وإنقاذ إخوة له في الإنسانية وفي الوطن وفي الجوار. شيخٌ يحفظُ قلبُه كلمات الله التامّات حين قال: “ولا تعتدوا إنَ اللهَ لا يُحبُّ المعتدين"، "وتعاونوا على البرِّ والتقوى ولا تعاونوا على الإثمِ والعدوان"، "لا ينهاكُم اللَّهُ عن الذين لم يقاتلوكم في الدينِ ولم يُخرجوكم من دياركم أن تَبرُّوهم وتُقسِطوا إليهم إن اللهَ يحبُّ المُقسطين"، "ولا تُجادلوا أهلَ الكتابِِ إلا بالتي هي أحسن"ـ وغيرها العديد من آياتِ الذكر الحكيم التي تُكرّسُ قيم السلام، وتنهى عن العنف والتباغُض بين الناس.
ذلك السلوكُ النبيل من خطيب المسجد المثقف كان قصيدة بليغةٍ قدّمها رجلُ دين وطني واع، واكتملتِ القصيدةُ الراقية بسلوك المواطنين الشرفاء الذي هبّوا لنجدة أشقائهم وحماية بيت الله وإنقاذ الكنيسة من خطر مُحقّق لولا رحمة الله ولولا نبالة شعب مصر المتحضّر الجميل.
أقولُ لذلك الشيخ المحترم، شكرًا لك، ليس فقط لأنك أنقذت أشقاءنا في لحظة فارقة، ولكن كذلك لأنك أثبتَّ لمصر وللمصريين وللعالم أن من يُشيعون الفُرقة والتباغض والعنصرية من بعض رجال الدين، هم القِلّة، لكن صوتَهم عالٍ وصخبَهم ضاجٌّ فيُظنُّ أنهم كُثرٌ. وأقول لشعب مصر مسلمين ومسيحيين: “سيبقى الخيرُ في مصرَ لأنها مذكورةٌ في كلمة الله. وكل عامٍ ومصرُ بخير.