خمارة دليلة والزئبق -4-

علي دريوسي
2018 / 1 / 3

كان العجوز مالك الخَمَّارة يجلس عادةً خلف طاولته الخشبية بقامته القصيرة ونظارته الطبية والقلم في جيب سترته. في الأيام الباردة يضع على ظهره وكتفيه روب الاستحمام الروسي بلونه الأزرق الرمادي والمعروف باسم الديشمبر. يجلس وهو يلوك بعض حبات المازة في فمه الذي كنت أظنه دون أسنان، لأنني لم أر شفتيه الرقيقتين إلا في وضعية ضم. وإذا ما تحدثتُ إليه كان يُولِّد لدي الانطباع بأنَّ المال والربح ليسا من غاياته الأولى وكنت أصدِّقه لبرهة. لكنه كان سرعان ما يزعجني حقاً حين يقول أنَّ الزبائن لا يشربون عنده إلا كأساً أو إثنتين لأنَّه عادةً يطلب منهم العودة إلى بيوتهم قبل أن يتحولوا إلى قرود مُضحكة مع الكأس الثالثة.

وعندما سألته مرة مستفسراً: "ولماذا تكون حالة الزبن مع الكأس الثالثة قردية السلوك؟"

ابتسم وأجابني: "كان لدي صديق معلم مدرس من أوائل من هاجر إلى بلدان الخليج، عمل هناك لسنوات باجتهاد، عاد إلى قريته الجبلية، بنى بيتاً كبيراً في أرض العائلة المليئة بالأشجار المثمرة وخاصة الكرمة. كتب على بوابته: لا قيمة لهذا البيت دون زيارة الأصدقاء وابتهاجهم معي. وفي إحدى السنوات حل الجفاف في القرية، يبست الأشجار كلها إلا الدالية المفضلة لدى العائلة والتي زرعها جده في الضيعة بعد أن أحضرها معه من بلاد الألمان، بقيت هذه الدالية وحدها على قيد الحياة، لأنَّه سقاها من دماء حيوانات الغابة المجاورة لأرضه، لأجلها اصطاد في المرة الأولى الأسد وقام بذبحه على جذع الدالية ليرويها من دمه، وفي المرة الثانية اصطاد الخنزير البري وذبحه على جذعها وفي المرة الثالثة استطاع اصطياد القرد وذبحه من الوريد إلى الوريد لإرواء الدالية. أثمرت الدالية وأعطته محصولاً وافراً من العنب الذي جففه كالعادة وصنع منه براميلاً من الخمر. في تلك السنة لاحظ أنَّ تأثير الخمر صار غريباً بل لنقل قوياً على شاربه. بعد أن جرّبه راح يُحذّر الأصدقاء الذين يستضيفهم في كل مرة قائلاً: من يشرب كأساً واحدة من هذا الخمر يصير قوياً كالأسد مللك الغابة، من يشرب كأسين يصير مقرفاً كالخنزير ومن يشرب ثلاث كؤوس منه يصير مضحكاً كالقرد".

سألته: "ما هي علاقة حكاية صاحبك بالزبائن؟"
أجابني: "أشتري العرق من مختبره منذ ربع قرن!"

كانت تعجبني بديهيته وحكاياته، لكني لم أعتبر أقواله مطابقة للحقيقية ولم أصدِق حتماً التزامه الأخلاقي فيما يتعلق بحالة ضياع العقل المؤقت عند الزبائن. أذكر أني رأيت مراراً كيف يأتي الأولاد وأنا واحد منهم كي يصطحبوا آباءهم إلى البيوت بعد أن يكونوا قد أضاعوا البوصلة (بالطبع ليست تلك البوصلة المؤدية إلى القدس كما قال مثقفو تلك الأيام).

غالباً ما كان السكارى منهم يتعثرون حين خروجهم على عتبة الدكان العالية التي تشبه المصيدة ويتساقطون على الرصيف كالفئران، وقد حصل أن تبوَّل بعضهم في بنطاله من خجله ومن امتلاء المثانة خلال جلوسه الطويل. وكأنَّ تلك الملهاة المأساوية، تلك المشاهد المسرحية كانت تروق للعجوز إذ لم يفكر يوماً بتعديل العتبة - المِصيَدة.

وكان يحدث أن يأتي أحياناً شاب يافع ليأخذ أباه إلى البيت، يضع ذراعه على ظهره، يحيطه به ليحميه، يحاول أن يرفع به جثة أبيه كي تبدو منتصبة، ويمشيان في طريقهما إلى البيت، وإذا ما شعر الرجل الثمل بما يحدث، ينظر إلى ولده بإعجابٍ ويخاطبه رغم السكر قائلاً: "مهما كبرت وتعلمت لا تنسى أنك أتيت من ظهري." ويضيف: "أوَ تظنني سكرَان يا فتى؟" ثم يتناول نظارته الشمسية السوداء، يضعها على عينيه كأنَّه يخبئ وجهه حتى لو كان الليل قد خيّم على شوارع الضيعة، ويتابعان سيرهما بينما الشاب يجيبه سراً: " أما أنا يا أبي فسَكرَانُ من حُبّكَ لا أفيقُ."

لم تكن طقوس السكر والتسكير، النوم والتنويم، الاستيقاظ والإيقاظ، الصيد والاصطياد، الإفلاس والتفليس ولا الموت والتمويت حكراً على خمَّارة دليلة والزئبق وحسب كبراءة اختراعٍ لا يُسمح بتطبيقها، بل كانت سائدة في كل خَمَّارات الضيعة الصغيرة، غالباً ما كان يحدث الشيء نفسه مع فروقات بسيطة، كما كان الحال مثلاً في خمَّارة الشيخ رويش وخمَّارة عزيز نيسين وخمَّارة الوحيد وخمَّارة الشيخ معتز وخمَّارة النزق وخمَّارة أبو زاهي وخمَّارة المحطة وخمَّارة القبو وخمَّارة الجزَّار وخمَّارة المعصرة وخمَّارة الثابت والمتحوِّل.

وفي حمى المزاحمة تأسست خمَّارات جديدة لا أسماء لها ودكاكين قمار حديثة واختلط الحابلُ بالنَّابل، فهناك من رغب اصطياد الزبائن بكأس العرق وهناك من رغب الاصطياد بورق الكوتشينة.

ولكل خمَّارة قصصها مع زبائنها. حدث مرة أنَّ صاحب إحدى الخمَّارات قد ادّعَى أنَّه يُمسك بخيوط السكارى في دكانه و أنَّ كل شيء عنده تحت السيطرة، لدرجة أنَّ ما من إساءة قد حصلت في دكانه أو لأحد زبنه. وعندما سُئل عن وسيلته في ذلك، أجاب السائل يومئذٍ ببساطة تشبه بساطة إجابات الكاتب ماركيز على أسئلة الصحافة والنقًاد: "ألم أقل لكم أني أُمسك بخيوطهم! وهذا ما يحدث فعلاً، فقد اشتريت ما يكفي من خيوط القُنَّب لذلك، إذا ما ثمل أحدهم، أربطه بالخيط وأدعه يمشي إلى بيته."
يتبع...