الإرهاب يهنئنا بالعام الجديد!!

سامي عبد العال
2018 / 1 / 1

نتيجة تكرارها، برزت حوادث " إرهاب الأعياد والمناسبات " في بعض الدول المستقرة مثل مصر. حيث لم يستطع الإرهاب مجاراة الشرطة والجيش المصريين، فما كان منه إلاَّ أنْ اختار الأعياد المسيحية لوضع تفجيراته تحت الأضواء. ذلك الإرهاب الذي يستهدف الطقوس والشعائر داخل دور العبادة. لقد أصبح الإرهاب بـ" القطعة والجملة" على طريقة البيع والشراء. كان شيئاً شاذاً في أحد الأيام الغابرة، ثم أمسى اعتيادياً، ليكون في المناسبات كالصدمة المفاجئة. والدمويون يرسلون رسالة تهديد حين يدمغون كل عام بنهاية مأساوية ملطخة بأشلاء الضحايا.

ولهذا يعلم القاصي والداني أنَّ المتطرفين ينتظرون " الكريسماس " لتوزيع الموت بدلاً من الورود، لرش الوجوه الباسمة بالكراهية عوضاً عن المحبة، وليضعوا نهاية مأساوية لعام آفل أمام أي أمل قادم. لكن هناك سؤال يعد فضيحة: هل الدين، أي دين، يتلخص في تلك الحدود القاتلة التي تبرز عنفه؟ هل بات الإسلام حاملاً لسكين قاطع يجز رقاب المسيحيين في أعيادهم مهما اختلفوا عن المسلمين؟

إنَّ فكرة الموت التي حملها الإرهاب هي أسوأ معنى للعلاقة مع إنسان آخر. فرغم أنَّ الموت كالحياة يجرد الإنسان من أثوابه الثقافية والدينية بوصفنا بشراً في المقام الأول، إلاَّ أنه أخس سلاح. لأنَّ الأشياء البديهية، الأولية إنسانياً لا ينبغي التلاعب بها. وإذا أصبحت هي ما تقتل وتستبيح، فإنَّها تحمل دماراً شاملاً للإنسانية لا للأفراد. من تلك الجهة لا يدل الموت كسلاحٍ إلاَّ على الضعف الشديد. لأنَّ الأصعب أن تمنح الآخرين حياة جديدة، أملاً بعيداً لا أنْ تقطف أعمارهم بدعوى التكفير!!

وهذا سببٌ في أنَّ الموت له معانٍ مختلفة من حالةٍ إلى سواها. ليس صحيحاً أننا جميعاً نموت ميتةً واحدةً. الحيوانات هي ما تقع فريسة لذلك مثلها مثل الجمادات تنحدر إلى قاع حفرة طارئةٍ بلا ظهور. فالفكرة التي تقول " تعددت الأسباب والموت واحد " فكرة خاطئة، لقد تتشابه الأسباب لكن لن يكون الموتُ واحداً... الموت ميتات بلا نهاية مطابقة لبعضها البعض. أبداً لا يتساوى الإرهابي مع الضحايا. وأبداً لن يقف معهم على منصة واحدةٍ رغم أنه هو من يحمل زناد القدر. الضحاياً هم الخالدون، هم المبشرون بعهد إنساني يلعن كلَّ إرهاب أسود. وأنْ يقتل الإرهابي نفسه بأجساد المسيحيين، فلن يكون إلاَّ اختياره والجحيم أما سواه فلهم الخلود!!

ذلك بفضل فكرة بسيطةٍ: لمن تكون الذكري حينئذ؟ هل الذكرى مؤلمةٌ إلى الحدِ الذي يجعلنا نتذكر القاتل دون القتيل؟ قد يكون ذلك نتيجة الطابع الثأري لكل حوادث الموت المجنون. غير أنَّ الذاكرة لا تنفصل عن العودة إلى الحياة. الأموات لا يتذكرون... الذكرى دوماً تحمل حياة مستقبلية. ولهذا سيكون مصير هؤلاء الضحايا أثراً في الوجدان، في الإحساس، في الأمل. وسيبعثون مع كلِّ عام مرةً ثانيةً كلعنةٍ تطارد الإرهاب ورعاته !!

والاعتقاد القديم لا تخطئه العين حين ظننا كبشر أنْ روح الميت تطارد قاتليها ولا تترك له المجال كي يعيش هانئاً. ويبدو ذلك متوقعاً، لأنَّ الإرهاب غادر. والغدر دعوة بريدية عائدة إلى أصحابها باستمرار. وكأنَّ القصاص المفترض سيقع في الأفق المنظور.

أيضاً المقولة السابقة تبريرية أكثر من أي شيء آخر. وجزءٌ كبير من الإرهاب يقوم على التبرير المدمر. وربما كانت سبب نجاحه أحياناً: تلك الذهنية التبريرية التي تحتضنه داخل الثقافة العربية. أغلب المواطنين العاديين يكنزون داخل خلفياتهم دواعش وسلفيين ومتطرفين عتاةً. فأنماط التربية والتعليم والتثقيف والتفكير السائد أشياء لا تقول فعلاً إلاَّ: " تعددت الأسباب والموت واحد". وهو ما يسمح بتغلغل الإرهاب بسهولة في الجسد الاجتماعي العام. لأنَّ الخميرة المعرفية والثقافية موجودة هذه المرة على نطاق واسعٍ. كل ما في الأمر أنَّ الإرهابي قرر صراحة القيام بعملية انتحارية بينما الرجل البسيط يمسك زمام عقله تحت الاحتمالات.

إلى الآن هناك من يناقش: هل نهنئ المسيحيين بأعياد الميلاد أم لا؟! وهم للأسف شيوخ تيبست في عروقهم الآمال. حتى عادوا كـ " العرجون القديم" ولم يلامسوا نبض الإنسانية يوماً إلاّ بالعنف. السلفية أحد الحواضن الثقافية للتطرف وإقصاء أصحاب الديانات. ونحو التاريخ يذهب دعاتُها خداعاً للتحصن بثوابت الأمة زاعمين أنَّهم ناطقون بلسان الإسلام الصحيح. ومن زاوية أخرى ليس للسلفية وجه مباشر لأنَّها متلونة كالحرباء تغذي كراهية الحياة المعاصرة وانفتاحها. وبهذا تتلون مع سلفيات الأفكار والسلوكيات والمناسبات الاجتماعية التي هي ألصق بقضايا الموروثات والتقاليد الأكثر تأثيراً.

والخطورة هنا أنَّ مشاريع الإرهاب في المجتمعات العربية أكثر من مشاريع الفكر والإبداع والتطور. لأنَّ رصيد الأولى أكثر من الثانية. كما أن الأولى لا تحتاج تكلفة عالية، فقط: خطب حماسية وغسيل دماغ وتعبئة نفسية وسلاح حتى ينجز الإرهابي أيَّة مهام توكل إليه. أما الأخرى فتتطلب عمراً وأجيالاً من الثقافة المختلفة ومن النقد التأسيسي الحر.

إنَّ تكفير نهاية العام مثل تكفير أوله، المقدمات واحدة والنهايات واحدة. الجديد أن الناس يتهيئون لأعياد الميلاد فإذا بهم على موعد مع ميلاد آخر. والإرهابي لا يدرك أنَّ من يحتفل بالميلاد لن يموت. لأنَّه ذاهب أصلا للاحتفال بالحياة، أنه يغني ويشعل الشموع ويرتل المعاني التي يفتقدها أصحاب الأدمغة الصخرية. كيف لعدو الحياة أن يدرك جوانبها الثرية؟!

المفارقة البادية للعيان أنَّ الإرهابيين يقتلون الآخرين على ما لا يعرفون ولا يشعرون. كلُّ إرهابي لو يشعر بالآخر لما فعل فعلته الآثمة. وهذا أول درس من دروس الإنسانية: أنْ تدرك ماذا يفعل الآخر المختلف في المعتقدات والأحاسيس والأفكار. وبقدر احترامك له بقدر ما تزداد إنسانيتك. لا في ميزانه هو ( أي في ميزان الآخر) بل في ميزان العلو الإنساني الرفيع لمعاني الآخر، تقديره واحترامه وحمايته مثل نفسك. وهذا يعني أنَّ الإرهاب غدر جاهل ومضاعف في كل الأوقات وتحت أي عنوان كان. وذلك هو الفارق بين الإنسان والحيوان، فالإنسان يقدر سواه بينما الحيوان يتصيده ويصارعه أو يخيفه. وحتى هذه فإنَّ بعض الحيوانات لا تمارس ذلك العبث. مما يثير سؤالاً دائماً عن: حيوانية الإرهابي الأدنى من الحيوان، حيوانية تغتال لمجرد التلذذ بالدماء والتشفي.

بالتأكيد الإرهابي يقتل لكونه جاهلاً حتى بنفسه، بربه، بغيره. وهذا لا يعفيه من تحويل ساحة الديانات إلى صراع أساسه الارتزاق لو هدف إلى دخول الجنة. فالمعركة خاسرة في جميع الأحوال. هل الجنة في الإسلام أو في سواه محفوفة بالجثث بدلاً من الرحمة؟ وهل شرط لدخولها أن يقتل الإنسان أخاه الإنسان؟

الإرهابيون الدمويون يعتبرون الزمن ملكاً مقدساً لهم. هناك حديث متداول أنَّ الله يقول" يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار كيفما أشاء". ولكن لأنَّ الإرهاب يعلن امتلاكه لله فإنَّهم يقلبون الزمن والسنين بدلاً عنه. في لفتة إلى وراثة العرش المقدس دون سواهم. وهذا يثبت أنَّ الإرهاب لا يغتصب الإنسانية في شخص المقتولين سواء أكانوا مسيحيين أم مسلمين، أنما يغتصب الإله رأساً. ليس هناك مكانة رمزية في منعة من تطاول القتل طالما يجري الأخير بشكل ميتافيزيقي عنيف.

والإرهابي لا يعلم أيضاً أنَّ نهاية العام هي نفسها البداية لعام جديد.. فالأمل يولد من رحم المأساة. وإذا كان يهدف إلى إراقة الدماء، فذلك مقدمة للتهنئة بمولود قادم، إحساس جديد أو تفكير مختلف أو زمن آخر. وسيكون الإرهاب هو الوحيد الذي سيخسر هذا المستقبل. جميعنا يتلقى التهنئة بالعام القادم غير مكترث بأي دمار قد حدث. لكن الأهم إرسال اللعنات على الفاعل الذي تربى بيننا وتركناه طليقاً.

لذلك علينا بذل التهنئة لأنفسنا كل لحظة بالزمن. لأنَّه الطريق المفتوح نحو المستقبل، حيث يعلن أنَّه لا إرهاب باستطاعته النيل منه. وأن ما يسببه الأخير من قتل ودمار بمثابة فقدان كافة فرص استمراره في الحياة ولو ليومٍ واحدٍ.