الأستقواء بالحذف والإظهار الروائية العُمانية هدى حمد في..(التي تعد السلالم)

مقداد مسعود
2018 / 1 / 1

رواية ( التي تعد السلالم ) للروائية العمانية هدى حمد : تتموضع بين قوسين زمنيين ومكان ثابت راسخ مستقر هو البيت في وطن ٍ مطمئن آمن ٍ. ، كل قوس ٍ مُعَلم بعلامتيّ : الاسم والجغرافيا : دراشين السيريلانكية – فانيش الأثيوبية . وبعد صفحات تنكشف هويتهما الطبقية الواحدة : وفق مفهمومات الحداثة كلتاهما تنتسبان للعمالة الأجنبية . وكلتاهما وفق التراتبية الأقتصادية تنتسبان لحثالة البروليتاريا ..مابين القوسين وفق مشروع قراءتي المنتجة، أطلق عليه الخلية السردية الموقوتة :(بين خروج دارشين السيريلانكية المفاجىء من بيتي ودخول فانيش الأثيوبية إليه، لاأدري ماالذي حصل لي / 9) هذه الخلية السردية الموقوتة تتشظى على مدى (274صفحة).. بتنويعات سردية تشمل :
*ضمير المتكلم والتي تبثه الشخصية / المحور : زهيّة ..
(1)السرد التشكيلي وبشهادتها (أحبّ الرسم على الشيل وعلى الزجاج وعلى التحف الفخارية والقمصان /10)..(70).. (73)( 78)(100)(123)
بعض روسومات زهيّة يتجاور مع أمالي السرد، فالولد والبنت : راية ويوسف أثناء التوديع تقول لها راية
(ماه. كلّ ما اشتقتيلنا رسمي على جدار غرفتنا أنا ويوسف 70) سيحول جدار الغرفتين معرضا لرسومات شتى فتنمو (الجدارية بقصص كثيرة عني وعنهم وعن الدنيا حولنا/ 70) لكنها لاتنتقل الواقع وتثبته في رسوماتها (لا أرسم اللوحات الواقعية. تركت ُ ذلك باكرا جدا..أرسم عبثي الخاص وأفكّر خارج اللوحة. خبطات هنا وأخرى هناك ..عندما أشتد ّ حنيني إلى راية، رسمتُ ولادتي لها.رسمتُ روحي المعلّقة في السقف . لاتعود إلى صدري فأرتاح ولاتذهب إلى السماء فأهدأ..رسمتُ عينيّ يوسف اللتين أحبّ. نظرته الشقيّة الطفولية. يوسف عندما لعق أصابعه المليئة بالدم لحظة الولادة قبل أن يرضع من ثديي.. رسمت ُ ظل رأس رجل ينحني على ظل كتف امرأة .يا آه كم أفرح بهذين الظلين يختصران علاقتي بعامر./ 70-71) تبالغ في ترسيمتها لأبويها، كأنها تثأر (أرسم والدي ضخماً وأمي تقارب ضخامته/ 73) وهي غائبة في لوحاتها وحين تسألها أبلة صفاء يكون جوابها..(أنا لست ُ هنا.أنا في الفضاء)..
(2) سرد ديكورات وموتيفات البيت من الداخل (يُطلقون على بيتي ،، بيت غريب،، ..ربما بسبب الفراغات التي أحافظ على وجودها بين قطع الأثاث، ربما بسبب البياض الذي يتسلق الجدران والتفاصيل الأخرى، ربما بسبب الستائر فاقعة اللون وتلك القطعة الأثرية التي يجلبها لي عامر من كلّ البلدان التي زارها أرتبها فوق الأرفف بشكل جاذب وأنيق، تلفت ُ الضيوف للسؤال عن حكاية كل قطعة منها13)
(3)أمالي سرد التنظيف فهي مصابة بفوبيا المعقمات البيتية و لا تجيد تنفيذ هذا السرد بل تمليه على الخادمات التي ورطتهن ظروفهن المعيشية للعمل لديها ..(لا أحد يتفوق عليّ بشراء المعقمات وابتكار خلطاتها، حتى إنيّ أمتلك دفترا صغيرا بأسمائها وأنواعها ..لكنّي في محكّ التجربة صُدمت ُ بنفسي، أجيد الشراء الشره للمنظّفات ولا أجيد استعمالها ..) ومن جانب آخر فهي امرأة غير قابلة للكسر، درست في مصر رغم أنف البعض،وهي ريادية في هذا السياق ضمن بعثة دراسية كاملة من الحكومة وبشهادتها (من أوائل الدارسات في الخارج من قريتي في الباطنة 18)..ولديها حلم يقظة على سعة بيتها فقط ، بعدأن تحررت منها دارشين ..(أتخيّل إمكانية أن تكون الأشياء تحت إمرتي، أطقطق إصبع الإبهام بالوسطى وتستجيب لي الدنيا، يصبح ُ بيتي لائقا بي،نظيفا مرتبا كما أحلم،أتخيل فماً كبيرا ينفخ ُ الهواء ليزيح كلّ الغبار عن بيتي، ممسحة كبيرة تمرق ُ فوق الشبابيك لتغسلها في زمن قياسي، إنساناً آليّا يعمل ُ على الموسيقى، ينجز ُ عمله في ثوان عبر قراءة أفكاري.. 13) كل هذه اليقظة البيتية الحالمة من أجل شيء واحد تريدها زهيّة (لا أضطر لأن فمي بالصراخ ولا لإسداء النصائح وتكرارها..) !! لا تريد هذه المرأة أن تبذل جهدا عضليا في بيتها من أجل بيتها ، بل يغيظها أن يعمل سواه من أجل بيته ؟!! يالها من امرأة سامة!! وبعظمة لسانها تخبرنا( تُغيظني جوخة زوجة والد عامر. المرأة التي تفعل كلّ شيء بدقة متناهية. بيتها نظيف .لم تدخله إليه،، شغالة،، طوال الأربعين عاما... تطبخ وتكنس وتنظّف، تُحضّر أطباقا لاأشهى منها ولا ألذّ، لا أقاوم ترتيب بيتها كأن لاأحد يسكنه 19)
(4) مخطوطة رواية عامر : زوج زهيّة .
(5)السرد المحظور: تبوحه فانيش للأوراق ، وبسطو زهيّة عليه سيكون سردا منتهكا .وهناك سرد الرسومات التوضيحية في سرد فانيش.
(6) مشافهات العم حمدان المنبجسة من زمنه النفسي بشحنة ساخنة الحنين ونذالة التخلي عن زوجته (بي سورا) تنفيذا لبشاعة والده !!
(تنمو الحكايات وتكبر، وكل حكاية تذهب إلى حبيبته الأولى،، بي سورا 20) وهذه المشافهات موجبة المؤثرية لدى زهيّة ..لكنها نارية التأثير على جوخة التي تعتبر ضرتها، رغم مجهولية مصير (بي سورا) بعد انتزاع بكرها عامر منها بالتحايل ..(بي سورا هي المغناطيس الجاذب لدخول جوخة وبقائها بيننا ..) تستأنف زهيّة سردها/ رصدها لحركيات جوخة المبصومة بالعطل المعلن عن غيرتها الطافحة ومن هنا يبدأ سرد العين ..(تدخل جوخة وتختفي: تُبقي أذنيها معنا. أشعر أنّ الفضول يُربكها كلّما حكى عمّي حمدان عن ماضيه مع(بي سورا) تتحجج جوخة بوضع أطباق الفاكهة . تفتح الحلوى وتُعيد تغطيتها من دون سبب واضح )
وثمة مؤثرية استقواء بالنسبة لعامر(ماذا لوأختفى أبي حمدان وحكاياته من حياتي 63)
)*)
التعاين المرآوي ..
(1- 7) صدمة التراسل المرآوي للعين بين الخادمة والمخدومة
دارشين الخادمة لها براعة الاسفنجة تمتص كل فوبيات مخدومتها بسعة تسع سنوات من الامتهان الاجتماعي، لكنها حين تشتمها زهيّة وهي تقطع البصل بكفين حافيتين بلا قفازات ، تنفجر كبركان مهذّب، وبشهادة زهيّة (رفعت رأسها وأنا أشتمها. وضعت عينيها في عينيّ لأول مرة منذ تسع سنوات ) وكانت صدمة التعاين قوية على المخدومة (لدرجة أنّي خفضت ُ رأسي، ارتبكت نبرة صوتي وهي تقول بعربيّتها المكسرة : مدام ..خلاص / 31) ثم تقوم المخدومة بمقايسة صوت خادمها (خرج صوتها بعد السنة التاسعة عميقاً جارفاً كتيّار واد ٍ أو دوامة إعصار..) وفي يوم مغادرتها تكشف دارشين عن صفة مخبوءة فيها ..تجاوزتني كأنها لاتراني .كما كنت ُ اتجاوزها. وقفت أمام عامر رافعة الرأس، لدرجة أنّي ظننت ُ أن قامتها طالت عما كانت عليه 32) ..خطاب عين دارشين أعمق بلاغة وأمض من زفرة لسان المخدومة ..(فقط لو لم تُصوّب ناحيتي نظرتها ..فقط لو أنها حنت رأسها ولم ترفعه في وجهي في لحظة غضبي / 38).. ثم سينتقل السرد من عين الوجه إلى عين المكان ، حيث يخبرعامر زوجته زوجته زهيّة (خلاص أنا قررت. بنسيّر مكتب وبنجيب شغّالة / 39) ..هنا ستتداعى ذاكرتي كقارىء ..إلى منطقة (العين) في دولة الأمارات العربية المتحدة ..
(2-7)
الميزة الأولى للخادمة الجديدة فانيش تستفز المخدومة زهيّة (رأسها مرتفع وما إن أتحدث إليها حتى تضع عينيها في عيني مباشرة45) ..(نظرتها تصوبها إلى مرآتي الجانبية فينة والمرآة الأمامية فينة أخرى / 46)..(تصمت فانيش،أتلصص عليها من وراء نظارتي الشمسية 50).. وحين ترفض مجالسة فانيش في المطعم، ويكلمها بهذا الخصوص زوجها على إنفراد ستركز زهيّة عينيها على الآخرين في المطعم وتخبرني كقارىء(انتبهت ُ لنظرات الناس من حولنا. تركوا طعامهم يبرد ليتفرجوا علينا53) ..ستظهر فانيش في اليوم الأول للعمل جماليات خبرتها المنزلية وتتوارى عن الزوجين وهي معهما في البيت (لم أشعر بعينيها تتلصصان علينا ..توقف دبيب جسدها ياااه! تبدو لي مدرّبة وجاهزة 59)
(3-7)
تخشى من عين الحسد لدى الخادمات هذه المخدومة الممروضة لذا تعلن (لا أسمح لهن ّ بالنظر إلى حاجياتي ولابلمسها 86)
(4-7)
تسألها فانيش (مادام .هل سكن قبلكم أحد في هذا البيت ؟/ 98) وحين تعترض زهيّة ، تساررها فانيش (أظنّ بوجود امرأة انتحرت في هذا البيت ؟) وبعد أن تزجرها زهيّة ..تصمت وتنشغل بغسل الأطباق وحين تعاود سؤالها، تجيبها فانيش (الحلم. مدام حلم أراه وأنت ِ لاترغبين بسماع صوتي، لم أعد أحتمل هذا السّر لوحدي) وكأن الكلام لايكفي فانيش ..ثم تخبرنا زهيّة (تلتفت إليّ، تضع عينيها في عينيّ مباشرة. تتعالى دقات قلبي، فيما يحتفظ وجهي بنظرته الصارمة 98).
(5-7)
ينتقل حلم فانيش إليها..( يا إلهي رأيت حلم فانيش . لايعقل . الحلم كما وصفته فانيش بالضبط . أبقي عينيّ مفتوحتين 119) ..هل أستعملت فانيش لسانها في سرد حلمها ثم عززت سردها وهي تبثه من عينيها إلى عينيّ زهيّة ليمكث في وعي زهيّة وفي عقلها الباطن ..؟!
(6- 7)
تحاول فانيش التودد إلى مخدومتها ، بأن تتنازل وتتذوق من طعام فانيش وتتذوق فانيش من طعام المدام ..فأذا بالمخدومة زهيّة تهتز على مقياس رختر (دارت بي الدنيا. وقاحة هذه المرأة وجرأتها تزيد يوماً بعد آخر. والسبب هو أنا. لم أجبها على اقتراحها السخيف ..) هنا ستحل في زهيّة نظرات راديش التي لم ترد على شتيمتها بل أوصلت خطابها الحاد عبر العينين وهاهي زهيّة تعلن ..(كانت نظرتي الحادة كفيلة بكل شيء 130) ..
(7-7)
ينقذها ربما صراخها من الكابوس حيث المرأة المحلومة بها كانت تقودها على السلم وهي تحكم قبضتها عليها ..تضمّد صرختها بسماع صوت زوجها عامر وبشائره السردية ..وهي تنزل من الطابق العلوي نحو المطبخ يتزامن ذلك مع عودة فانيش من رمي الزبالة خارج البيت، تتعاينان فيما بينهما . تعلن زهيّة (دخلت فانيش، ارتبكت ْ قليلا عندما وضعتُ عينيّ في عينيها /151)..لكن وهي تختلس مذكرات فانيش وتقرأها وتصل إلى قسوة الحاجة موضي في تعاملها مع فانيش والقيام بطردها من العمل ..في هذه الفقرة ستركز فانيش على قسوة عينيّ موضي في سرديتها..(لن أنسى النظرة الأخيرة التي سددتها لي الحاجّة موضي عندما قالت : لا مكان لك ِ في بيتي 179) هذا المشهد البشع الباطل ، يترك مؤثريته في عينيّ زهية وهي تقرأ ..( لا أدري إن كان ثمة ما دخل في عيني في تلك اللحظة، أم أن دمعة حقيقية أو شكت أن تهجر عيني لتغزو خدي . لكن ما أنا متأكدة منه أن قلبي ارتجف بين ضلوعي 179) ..نلاحظ ان عين زهيّة تدفقت بمشاعر إنسانية ناصعة مناصرة لفانيش في محنتها... وسيكون تعليقها كالتالي (ياللقصة الغريبة. كم تملك هذه المرأة من حكايات صالحة لأن تكون فيلّما أو مسلسلا 180) وستكافئها في نهاية الرواية برسمها في لوحة زيتية خاصة ..
3-3
مَن التي تعد السلالم ؟ تلقي سيرورة السرد في مسار قراءتي المنتجة : مفتاحا بصيغة فعل أستباقي، ستمر به قراءتي، بلا توجس ..لكن حراثة قراءتي الثانية ستلتقط من مكمنه وتعرضه كما هو زائدا شحنته المضيئة ..
(كلّما ضربني أبي عددت ُ أصابع يديّ وقدميّ خوفا ً من أن تنقص إحداها 74) ولاتكتفي الطفلة زهيّة بهذا التعداد، تبحث عن تعداد أكبر .فتصعد السلّم المؤدي إلى السطح وتنزل، وهذا الصعود/ النزول : يتضمن (إساءة تأويل) حسب سوزان سونتاج .. وبشهادة الطفلة زهيّة وهي تقوم بتفريغ المكبوت فيها (أعد ُّ الدوائر الصُفر في سجادة غرفة الجلوس. أدوس ُ عليها بنظام واحد، أعيد عدّها لأكثر من مرّة، أضع يديّ على فمي، أشعر برغبة جادّة في شتم أمّي وأبي . أكبتها في صدري ولاأسمح لها بتجاوز حدود أفكاري./ 75) ..وإنشطار الذات من نتاج المعاقبة والمراقبة المبالغ بها من قبل الوالدين، فحين تتغلب زهيّة على شطرها السالب في الصفحات الأخيرة من الرواية يقترح زوجها عليها أن تتذكر الاشياء الحلوة في والديها.. فتعاودتها الحالة المرضية (صعدتُ الدرج وما إن وصلت إلى الأعلى، حتى رجعتُ ونزلت. صعدتُ وعدتُ ونزلت . كررت ذلك مرة ومرتين وعشر مرّات . ها أنا أكرر أفعالي، أكرر عد السلالم كأني أخشى أن تنقص واحدة، كأني أخشى أن أخطىء العدّ، كأنيّ أركض مع السيدة المنتحرة، لكنّي أنا السيدة المنتحرة 251)
هذا المكبوت / المقموع سيتربى في تلك البئر السرية في نفس المراهقة زهيّة وسيثأر منتهكا المحرّم الاجتماعي : عائليا ------- خارج العائلة ..وبشهادتها (في مراهقتي، بدأت ُ أرى جسد والدي عاريّا.أتخيّل أمّي عارية. أنفض رأسي،أستحي أن أقول أفكاري لأحد،... في الشارع لايكف رأسي عن وضع تصوّرات لأشكال أجساد المارة من دون ملابس. أغمض ُ عينيّ، وأركض لأتجاوز أفكاري الغبية ..)..هذه العين الخارقة لا تخلو من محمول قوة خفية لامرئية لكنها محسوسة في البعد الجواني الذي ينتهك الحجب ..وهذه العين كأنها رد فعل مناصر للفعل الملجوم في شخصية زهيّة ..هذه العين الغيبية ستكون لها مشروطيتها ، على شخصية زهيّة المشطورة إلى شطرين ، وستمتد شخصية فانيش جسرا بين شطريّ زهيّة ، وستبدأ شخصية فانيش على تدريب زهيّة بطريقة لاتعيها زهيّة إلاّ بعد إنتهاء العلاج السريري الملّون بالفرشاة ،
فانيش الخادمة – بسبب الفقر، هي فانيش المثقفة الحالمة بإكمال دراستها الجامعية باللغة الانكليزية، لكن زهيّة لاترى إلاّ الجانب المظلم من القمر/ القهر، فحين تهبها فانيش درساً بلجم الاحلام ووأدها داخل النفس وهي تهامس مخدومتها
(الأحلام التي نحكيها تتحقق سيدتي، أكتميها في صدرك، تحملي أذاها لوحدك، لاتقوليها لأحد / 226) سيكون رد فعل زهيّة ..(يا ااه لماذا أنا هنا الآن؟ أجلس لأتلقّى النصائح من خادمتي؟ أنصت ُ إلى حكمتها العظيمة ؟ ألا يبدو ذلك سببا كافياً للأنتحار؟..) هنا تتساءل قراءتي ضمن : الممكن / المحتمل : ألا يمكن كابوس المرأة المنتحرة : تلفيقا سرديا من إنتاج فانيش بطاقاتها الباراسيكلوجية، سردته إلى مخدومها زهيّة ليتساكن فيها
ويخلصها من زهيّة بنسختها المتعالية والمصابة بفوبيا التعقيم وبكل ما أفرغته عصا والدها على جسدها في طفولتها ..؟! زهيّة الزوجة والأم في شبه قطيعة من أهلها والتراسل بين الطرفين يتجسد غيابا متبادلا (لم ينتبهوا لغيابي عنه، ولم انتبه لغيابهم عني .أمي على بعد كيلومترات قليلة منّي ولكنّي لا أشعر بحنين إليها233) وهي تريد تصنيع ابنتها كنسخة طبق الأصل منها وبالقوة(أمّي أرادت دوماً أن أسرّح شعري مثلها وأن ألبس مثلها وأتكلم مثلها)..وهنا أنقلبت خريطة البيت وبشهادة زهيّة عن خادمتها فانيش (أدخلتني إلى مربعها وأغلقت علي الأبواب والأسوار وتركت الكابوس حارسّا جاثما على صدري 226) ..

من هنا ستتغير زهيّة ستكسر روزنامتها الثابتة ، هاهي تتصل بصديقتها طرفة وتسبقها إلى مكان لقاؤها (خرجت ُ من دون أن أضع مكياجا أو حمرة.) لكنها ستتقنع..(أشعرتني النظّارة السوداء التي غطت جزءا كبيرا من وجهي ببعض الراحة والأمان 235) وقبل الدخول إلى جوهرة الشاطىء تنتبه إلى الهامش الاجتماعي المسحوق من أجل السيد الخبز(لطالما كنت ُولا أنتبه إلى وجودهم ولا إلى كلماتهم. أعبر كأنهم ليس هنا، كأن لاصوت لهم ولا كلمات ولا رائحة..).. وستعترف لعامر وهي في نسختها البشرية المصححة (248- 249) على سعة هاتين الصفحتين : كيف كانت تستمتع بتوبيخ نفسها (بتذكّر كل أخطائي وتكرارها على شاشة الذاكرة)(كرهت ُ كل قريباتي اللواتي قبّلنني وتمنيتُ قتلهن )
بعد فترة قصيرة من لقائهما تعتذر زهيّة لصديقتها طرفة وتسرع إلى بيتها ..تسرع بإعداد وجبة غداء يحبها زوجها عامر ...وفي صعودها السلّم تنتبه إلى لوحة المرأة المشنوقة
هنا نتلمس المتغيرات الايجابية الجديدة في شخصية زهيّة وستدرجها قراءتي المنتجة بالتنجيم :
*ألقيت نظرة على المرأة المشنوقة السابحة في ذكريات لانهائية
*حاولت أن أجد شبها بيني وبينها لكنها لاتشبهني
*أعطيتها ظهري ومضيت .
*لكن شيئا دفعني للنظرا إليها مجددا
في النقلة التالية سيتم تحريك الساكن الفني، عبر مخيال زهيّة ، ويتحول التوصيف من المرأة المنتحرة
إلى المرأة المشنوقة، وإذاكان التوصيف الأول فعل أرادي ذاتي . فأن الفعل الثاني يحمل الذاتي واللاذاتي ..
*خفق قلبي رأيتها ترفع يدها
*وتزيح شعرها الطويل عن وجهها
*رمقتني بتلك النظرة التي أعرفها جيدا
*الظرة الجادة القاسية الممتلئة بالآوامر والتنبيهات والخوف مني وعليّ
*تركتها خلفي
*وركضت ُ إلى غرفتي
*كيف خرج وجه أمي من تحت الشعر الكثيف
*كيف اصطادني بشباك نظرتها التي تعبتُ وأنا أركض بعيدا عنها
*لو مكثتُ أمامها أكثر
*لأمطرتني بغضبها الأبدي من شيء لا أعرفه ولم أكتشفه بعد ./ 244
فانيش المرأة الثانية ساعدت زهيّة بإنتاج نسخة منقّحة ومزيدة لشخصية، أما المرأة فكانت الأبلة صفاء التي شجعتها على الرسم وعلى السفر إلى مصر لدراسة الفن التشكيلي وجعلتها تدرك الأهمية النفسية للفرشاة وبشهادة زهيّة نفسها ..(قالت لي جملة واحدة ظلت تنمو في قلبي وعقلي إلى اليوم (مفيش حاجة يازهيّة أدّ الرسم بتخلي الواحد مننا مرتاح 73).. حيث سيتحول الرسم سريرا للتشافي من الآبار المهجورة في أغوار نفس زهيّة . وسينوب عن أبلة صفاء ..وبمساعدة الغربة ستشعرب زهيّة (الغربة كالرسم تماما تخفف من ايقاع حياتي الصاخب بالقوانين 78)..فالرسم سيحوّل الجواني إلى براني في الهواء الطلق، وهكذا يتعرض الجواني للهواء الطلق والشمس التي تساعد على تجفيفه / تفتيته ..(رسمتُ أمي عارية وأبي عاريا والناس عراة وتخلصت من التفكير بأجسادهم ..رسمت السلالم ودوائر السجّاد، فتوقفت عن عدها ./ 78)..حين ينتقل حلم امرأة السلّم من منام فانيش إلى منام زهيّة ، ستحاول الأخيرة تطويقه بسرد الفرشاة مستعينة بفانيش بخصوص التوصيفات وستكون امرأة الحلم ضمن جدارية غرفة آية ويوسف ..(أتناول الفرشاة ...122-123) فهي أعني زهيّة تريد علاجا تشكيليا للتخلص منها ( لاأعرف كيف أتخلّص منها سوى برسمها / 145) وحين يعود زوجها عامر من السفر، ويشاهد رسمتها للمرأة العملاقة المخيفة . تبرر ذلك قائلة( عشان أمنع جيتها بيتنا197) ..فالرسم يطوق امرأة ويعرضها في الهواء ويمتح أثرها من العقل الباطن ..فثمة تراسل مرآوي بين امرأة الحلم وبين زهيّة وبشهادتها (ربماكانت تحمل مايشبه غضبي وتعبي وأسئلتي 148) ..وهاهي امرأة الحلم في حلم جديد تقودها(تحكم قبضتها يدها اليمنى على يدي اليسرى وتجبرني على التقدم .... /149)..هاهي امرأة المحلوم بها نجرت من تكرارات الحلم سلّما وجعلت زهيّة تشاركها الصعود عليه : درجة ً ..درجة ً = حلماً.. حلماً ..وعلى الدرجة الأخيرة وبتوقيت أكتمال الترآسل المرآوي وبشهادة زهيّة نفسها (وقفت المرأة المنتحرة مجدداً أمام اللوحة التي رسمتها. قامتها أقصر من قامة المرأة المرسومة وأنا خلفهما أقصر منها معا ..) لنتأمل هذا الأصطفاف التشكيلي : الفن هو الأطول قامة في الحياة ، يلي ذلك الحلم ..يليهما : الإنسان ..لكن لولا الإنسان ..لولا هذا الوعاء البشري العظيم المتجاوز نفسه بالفعل (الإنسان هو التجاوز/ كارل ماركس) وليس بالقوة (الإنسان يجب أن يتجاوز/ نيتشة)..لولاه لما انبجست مياه الاحلام وقوى الإبداع ..بعد هذه اللحظة سينفرد الفن بتعاليه النصي ويؤطر الفراغ : الحلم/ القرين والواقع .. وبشهادة زهيّة : (أنا وهي معلقتّان في فراغ عظيم . لاأرض تحتنا ولا سماء فوقنا . لاشيء أتشبث فيه للنجاة منها ).. وحين تقرر امرأة الكابوس المكاشفة وجها وجها .. ستكون زهيّة في منزلة بين منزلتين وستعمل قراءتي على تجزئة التردد وتأطيره في مرقمة :
1- سرت الكهرباء في جسدي ..
2- فأرتجفت ُ
3- تعوذت من الشيطان .
4- أريد أن أراها ولا أريد.
5- أريد أن أعرفها ولا أريد
6- أريد أن أفتح عينيّ عليها ولا أريد
7- أريد أن أصحو من كابوسي هذا ولا أريد .
ثم تحدث النقلة / الصدمة الكبرى
1- تجمدت الدماء في عروقي .
2- كان لها عيناي الغاضبتان
3- شفتاي المزمومتان
4- حاجباي العابسان
5- كان لها وجهي المتجهم .
6- كنت ُ أنا في قمة قبحي .
7- أستفقتُ على صوت صراخي يخرج من بئر عميق في الروح.
8- أضأت ُ الغرفة
9- نظرت ُ إلى وجهي في المرآة
10- ياااه أنا أبشع مما توقّعت
11- لطمت ُ وجهي إلى أن توّجعت
12- ذرفت ُ الدمع
13- ثم علا نحيبي كمن مات له عزيز له
(*)
(التي تعد السلالم) رواية زاخرة بجهويات صالحة للكتابات النقدية، فهي تمتلك تراتبيات نصية وشحنات تشويق لاتخف حرارتها ..
* المقالة منشورة في صحيفة الوطن العمانية / 5- 11- 2017
*هدى حمد/ التي تعد السلالم/ دار الآداب/ بيروت/ ط1/ 2014