الطبيعة في مجموعة -روت لي الأيام- -املي نصر الله-

رائد الحواري
2018 / 1 / 1

الطبيعة في مجموعة
"روت لي الأيام"
"املي نصر الله"
الطبعة تؤثر علينا بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فالجمال الذي تعكسه فينا يؤثر علينا ايجابيا، فيجعلنا نحافظ عليها ونتعاطف معها ونميل إليها، وهنا جانب آخر تحدثه الطبيعة فينا ويتمثل في ميلنا وانحيازنا للوطن الذي وجدنا فيه تلك الطبيعة، وهذا الأثر يمكن أن نكون نعيه أو لا نعيه، نفكر فيه أو لا نفكر فيه، ولهذا تجدنا نميل إلى مسق الرأس، إلى الوطن، فما شاهدنا في الصغرة ولم نعد نتذكر منه شيء يبقى حاضر في العقل الباطن، وهو من يحدد في المستقبل ميولها العاطفية والنفسية ومشاعرنا تجاه الأشياء، حتى أن يصبح العنصر الأهم في تحيد خياراتنا الجمالية والأدبية والفكرية.
هذا ما وجدناه عند اكثر من كاتب لبناني، فهناك "جبران خليل جبران" الذي اعطاه لبنان الروح الإنسانية بحيث جعلت لبنانيته تتجاوزه إلى العالمية، فأثر المكان والطبيعة لبان ساهمت بشكل كبير في صقل شخصيته ككتاب وكفنان وكشاعر، بهذا توحد إنسانيته مع الطبيعة فشكلا معا هذا التوهج الإنساني الطبيعي.
ونجد الأمر عند "مخائيل نعيمة" الذي كان اشبه بناسك أديب، فقد لنا أعملا أدبية كانت الطبيعة فيها هي العنصر الأكثر حضورا في اعماله، ويستحضرني الآن حديثة عن شجرة الكرز التي هرمت ومات وجاء الحطاب ليحتطبها، وكيف قدم لنا مشاعره تجاهها، فكان كالإنسان الميت، كالجثة الإنسانية وليست كشجرة بالنسبة له.
وإذا ما توقفنا عند آخرين من الادباء اللبنانيين سنجد ما يؤكد هذا الأثر للطبيعة على اعمالهم، "املي نصر الله" تؤكد هذا الأثر الايجابي عليها فترسم لنا العديد من المشاهد التي تحدثت عن الطبيعة عليها وعلى طريقة تفكيرها. فنجد في قصة "حسون الغربة" ميلها إلى الوطن، إلى مسقط الرأس الذي ترك فيها حضورا لا يمحى بالمطلق، فبعد أن مات "حسون" لبنان في "البلاد الرابضة عند أقدام القطب الشمالي" ص8، وجدت القاصة أن تضعه في الثلاثة إلى حين العودة به ليدفن في موطنه لبنان، وفعلا بقى لمدة "عشر سنوات" فيها، فتصف لنال مشاعرها تجاه "الحسون" حتى أنها تجعله يكلمها بهذه العبارات: " ـ إرو ظمأي. أطفئي حرقتني، وانتزع نقطة النار من أحشائي..
أني إلى أرضي
أعدني إلى أرض" ص14، فنداء الحسون كان نداءً إنسانية، أكثر منه نداءً لطائر، فهو نداء إنساني متوحد مع نداء الطبيعة/الوطن، لهذا جاء أثره متداخلا فيهنا بين الإنساني والوطني/الطبيعي.
وفي قصة "الجبار" تحكي لنا عن أثر طبيعة لبنان على "العم جبران" الذي سافر على سفينة "التيتانيك" الذي قام بإنقاذ النساء والأطفال من الغرق، لكته أهمل نفسه ولم يعتم بحاله فمات بعد أن اصابه الانهاك، فهذه القصة تحكي الأثر الذي تركته الطبيعة على شخصية "حبران" بحيث لم لكن له إلا أن منسجم مع حالة التوحد الذي تكون فيها وبها، فكان يعطي كما تعطي الطبيعة ودون أن يهتم للأخذ، أو رد الجميل.
في قصة "المدينة والحلم" تحكي عن "منى" البنت ريفية تزور "بيروت" وعندما تجد الأنوار والشوارع والمحلات تندهش لهذا الأمر، فهي معتادة على البيت والعادية والطرقات الترابية، لكن "بيروت" أثناء الحرب الأهلية فقدت بريقها وأصبحت مكان للخراب وللموت، هنا تأتي المفارقة عند "منى" فهي البنت التي عاشت في الريف وتعرف تعاقب الفصول، من الربيع إلى الصيف إلى الخريف إلى الشتاء، جعلتها توقن أن هذا الخراب وهذا الموت هو طارئ، ولا بد أن تعقب هذا الخراب حياة جديدة وبهية: "فهي واثقة أن كل بناء جديد لا بد من أن يبدأ في منابع الحلم والأمل" ص39.
في قصة "بكاء في غابة شمالية" يقصها "محدثي مهاجر يقطن منذ ربع قرن في غابات "كندا" ص43، الذي يحدثنا عن قصة صيد حدثت معه، تدخلنا القاصة إلى التفاصيل الدقيقة لهذا الصياد وكيف تعامل مع "الغزال" فبعد أن يصيبه في ساقه، والأثر لذي تركه هذه الصيد فيه: "لم يكن صراخا عاديا لحيوان جريح، بل صراخ طفل يتألم، ويتألم بشدة" ص45، وبعد أن يذهب به إلى الطبيب البيطري، ويعالج "الغزال" نجد هذا الصياد يصف لنا مشاعره فيقول: "كان علي أن أسمع بكاء غزال بري، لأنتبه إلى وحشيتي، وأبصر الدم الملطخ يدي؟.." ص47، فهنا الحديث ليس عن "غزال" بل شيء أهم وأكبر من "غزال" انه حديث عما يحمله الصياد في داخله من أثر للطبيعة، طبيعة لبنان التي أثرت عليه، لهذه نجده يحسم مسألة الصيد بهذا اقرار: "أقسمت ألا أعود إلى القنص أبدا" ص47 أما بخصوص الغزال وبعد أن ويشفى تماما من الإصابة، يطلقه إلى موطنه في الغابة.
في قصة " طبيب مغربي" تحكي لنا عن حياة الريف البسيطة وكيف تعامل أهل الريف مع هذا القادم الذي عمل على تقديم خدماته الطبيعة بواسطة اعشابه والكلمات التي يتمتم بها، فتصور لنا كما هي الطبيعة، بسيطة وناعمة وهادئة.
في قصة "المغترب الرائد" تحكي لنا قصة طفل يعيش في قرية كأجير ويعامل بطريقة غير إنسانية، ومع هذا تبقى كلمات الأم تعطيه دافعا ليعارك الحياة بقولها "الشغل للرجال. لا تخجل في العمل" ص64، لكن ظروف العمل كانت اقوى منه، فقرر أن يهاجر إلى بلاد الغربة، وهناك يفتتح مخزن للبيع الأغذية، وبما أنه لا يعرف من لغة أهل البلاد إلا القليل، ولا يحسن الرد على استفسارات الزبائن، فقد أن يقوم بهذا الأمر: "أشترى مجموعة من السلال، رصفها عند مدخل المخزن.
فإذا دخل الزبون لشراء الحاجات، زوده بالسلة، ثم طلب إليه أن يتجول في المخزن، ليختار منه حاجاته، وبعدها يعود إليه للتحاسب" ص69، إذاً طريقة التسوق في المحلات الكبير جاءت من هذا اللبناني الريفي، الذي قدم نقلة نوعية للمحلات التجارية وانعش الشراء والبيع، وكأن الطبيعة اللبنانية التي أثرت على ابن "أل حماد" في لبنان جعلته يبتكر هذا الأسلوب في المعاملات مع الزبائن.
في قصة "شوف تفرج يا سلام" تحكي لنا عن شخص جامع لتماثيل القديمة والتي تؤكد تفوق الغرب المعرفي والثقافي والفكري، ختم القصة بهذا القول: "الرحمة، هي كل ما نحتاجه يا صديقي، لأن الحب بات شحيحا، ولم تعد بذاره وارا في الكون" ص84، كان رد على أثر الحضارة الغربية على المجتمعات الإنساني، التي أصولتها تلك الحضارة إلى أقصى درجات المعرفة والعلم، لكنها افقدتها أهم ركائز الحياة والتعامل الإنساني.
في قصة "بطاقة معايدة" تحكي قصة الفنانة التي ترسم بأسنانها بعد أن "حرمة قدرة التحرك" ص88، والتي تتجاوز حالتها لتكون مبدعة متألقة بفنها وعطائها.
في قصة "الكراز.. العبقري" الذي يحكي عن قصة "تمثال الماعز" في "تشيكوسلوفاكيا" وجاء ت في القصة أن راعي يفقد قطيعه فيبدأ البحث عنه، فيجد "مغارة، حفرتها عناصر الطبيعة، وسط غابة من الصخور" ص96، فيقرر الدخول فيها، وهناك يجد "ينبوع مياه معدنية، تغلي في جوف الأرض" ص97، بعدها يأخذ الاهتمام بهذا الموقع من قبل المسؤولين، ويصبح موقع سياحي، إذا ما توقفنا عند هذه وعند الأفكار التي تحملها وكما جاء في الاقتباس الذي يتحدث عن الطبيعة، يمكننا القول أن القاصة تكرز على الطبيعة وعلى أثرها في الحياة الإنسانية، من هنا تم إحداث نقل نوعية في قرية نائية لتكون احدى المركز السياحية.
في قصة "يد القانون" تتحدث عن القانون الذي يلتزم به كافة أفراد المجتمع في الغرب، بحيث يكون الحال أفضل ما يكون، إلى أن تقوم امرأة بتجاوز "الإشارة الضوئية" وبعد أن يتم البحث في الموضوع يجدونها امرأة تعاني من امراض نفسية، لكن هذا "التجاوز للقانون" هو قانون عندهم، بسبب: "نزلاء هذا المصح، وحدهم، يتجاوزون القانون" ص112، ويعاملوا بهذا الشكل: ط كما أن اصحاب الحوانيت والمطاعم يرحبون بهم، ولا يدعون واحدا منهم يشعر بغربته عن المجتمع" ص113، صورة المجتمع الذي يتماثل مع الطبيعة، فهناك أشجار ضعيفة وأخرى قوية، ومع هذا الاختلاف والتباين تبقى الطبيعة محافظة ومنسجمة مع التعدد والتنوع فيها، وهكذا حال المجتمعات الإنسانية.
في قصة "بداية الثمانين" تجمع القاصة بين الطبيعة الإنسان، وهذا الجمع لا يكون بالفكرة التي تطرحها فحسب، بل مجده في الصورة والألفاظ التي تستخدمها: "لفتني فيها بياض اللمة، وسخاء التجاعيد فوق الوجنتين، وحول الفم والعينين... وأسألها عما إذا كانت مستمتعة بالنزهة في هذا الجو الرائع، حيث الخضر والزهر، والأشجار، وزقزقة العصافير" ص117، نلاحظ الارتباط من حالة المرأة المسنة والطبيعة، فهي تستمد عافيتها ووجودها في الحياة من هذه الطبيعة، لكن لنرى كيف تنعكس الطبيعة على تفكيرها،: "وما دامت هناك ينابيع تتدفق بالمعرفة، وتغنينا، كل يوم بالجديد، فسوف أظل من روادها، لأروي ظمأي إلى الحقيقة، ولأبقى سائرة مع الموكب المتحرك أبدا إلى الأمام" ص125، فهذه المرأة لم تكن امرأة عادية، بل كانت معلمة، لهذا وجدناها تحسن التعبير عن ارتباطها بالطبيعة، بالحياة، فهي لا تعرف اليأس، ولهذا لم تختم نهاية قولها "إلى أن أموت" بل قالت " أبدا إلى أمام" وهذا يعكس التوحد بينها وبين الطبيعة التي لا تموت بل تتجدد في كل ساعة وكل يوم وكل فصل وكل سنة.
في قصة "طبق محشي ملفوف" تتحدث عن العائلة اللبنانية التي تجتمع في "هنتنتون" لحضور جنازة الخال "تي.آي" فما كان من الخالة "بهية" التي تجاوزت التسعين، إلا ان قلبت حالة الحزن إلى حالة فرح، فهي رغم أنها (عجوز) إلا أنها تتمتع بهذه القدرة: "وتعدد أسماهم فردا فردا، دون أن تنسى ذكر المشقات التي تكبدوها خلال انتقالهم من مطارحهم البعيدة" ص132، فهي بهذا المشهد تريدنا أن نحترم الآخرين، المختلفين عنا، الذين نعتبرهم خارج الخدمة، لكن حضورهم ووجودهم هم وحيوي لنا كما نحن الشباب، فتقرر "الخالة بهية" أن تفاجئ الحضور بتحضيرها طبق "محشي ملفوف" وهو الطبق ما يفتقده الحضور في المغترب، فهم متعودين على الأكل الغربي، لكن "الخالة بهية" جمعتهم لتعيد لهم ذكريات لبنان والوطن بهذا الطبق.
اعتقد أن هذه المجموعة من أهم الأعمال القصصية التي تربط ما هو إنساني بالطبيعة، بالوطن، وشكل وطريقة تقديمها جاءت سهلة وممتعة، ونجد في نهاية المجموعة أسئلة وضعتها "ميرنا داغر" الهدف منها تعميق فهمنا لما جاء فيها، فهي تناسب الراشدين وأيضا تناسب الفتيان، إن كان من خلال الأفكار التي تحملها، أو من خلال الشكل والطريقة واللغة المستخدمة فيها.
المجموعة من منشورات دار الابداع، الحرف الذهبي، طبعة ثامنة 2013