فوضى الدولة النهارية

سامي عبد العال
2017 / 12 / 31

في السياق العربي يتنفس الناسُ الصباحَ تطلعاً إلى الحياة (والصبح إذا تنفس)، غير أنَّه بالسياسة يتمطَّع الصباحُ لمزيد من التسلط على مقدرات المجتمعات. وليست سوى " الشعوب المقهورة " هي من تمارس تمارين باكرة على خدمة السلطة. اللحظات الفارقة بين الليل والنهار قائمة على العمل، من ثمَّ قفزت مفاهيم الدولة الحديثة لملئ هذا الفراغ الشقي.

لكن الدولة العربية كانت تبيت( كعاهرةٍ ) لدى السلاطين والقوادين والشطار والعيارين وقاطعي الطرق، ثم تستعمل مواطنيها ( ككاهنة شريفةٍ مرةً تالية ) للإنفاق عليهم. ظهر ذلك قديماً وحديثاً بآليات أشد قسوة على نطاق واسع. وإلى الآن لم تتخلص بعد من حركتها البندولية وقد أرغمت الأنظمة الاجتماعية والسياسية على ترتيب أحوالها وفق هذا المنوال. لنلاحظ مع كل صباح يهرع مواطني الدول العربية إلى اللااتجاه، ينفرطون كحبات العقد الذي تناثر فجأة ولا يجمعها مساءً سوى الليل الحالك...!!

وإذا كانت أسطورة الدولة الليلية تشغل فضاء الوقت المتأخر، فالوجه النهاري لها يرتبط بالمكان المبكر. فمن يراقب أوضاع الدول العربية يجدها فوضى نهارية، كأنَّها تدير قطيعاً لا تدري أين حدوده ولا مشكلاته. النهار علامة بارزة لبدء الحياة العامة وتناقضاتها. وهو يفترض بحث الناس عن موارد الرزق كما يُقال، بيد أن الوظائف التي تتاح لمواطني الدولة تخدم أهدافها وتحقق أغراض حراس السلطة. فمن بلد عربي إلى آخر تجد صنفاً من المسؤولين يحتكرون وافر الكد النهاري دون الآخرين. ويتركز لديهم فائض القوة خارج القانون ولا تستقر عند أي معدلٍّ إلا بقهر المواطنين.

لقد مثلت هذه الخطوة دعوة غير مباشرة تحددها الدولة بنفسها لفوضى عارمة. وكأنَّ مظاهر العبودية قد حلت في ثوب حداثي عنوانه العمل. فتقسيم العمل - بالنسبة لإميل دوركايم مثلاً - يعكس جوانب اجتماعية ونفسية واقتصادية ترتبط بأهداف عامة تقوي المجتمع، لكنه (أي تقسيم العمل) في مجتمعات العرب جاء مجرد توزيع لطاقات الآخرين وسرقتها بمنطق الدولة. إنَّ مواقع الأفراد من السلطة هي التي تتحكم في ذلك الأمر. بكلمات أخرى انعكس الحال: بتنا نرى المستوى العام المراوغ من السلطة يحدد أنماط الفعل السياسي والاقتصادي. والأنكى أنَّه يوجه طاقتها لخدمة ممثلي إرادته الخاصة. وبتنا نرى كل شيء يمس النشاط النهاري يخدِّم على تلك الفكرة المقلوبة.

لعلَّ هذا يفسر التكالب علي المناصب كأنَّها مواقع أبدية تطيل العمر وتمنح السطوة وتدر الغنى الفاحش والمكانة الاجتماعية. ويفسر تخزين اللانظام والضبابية وشحنها في لا وعي المواطنين. إذ بمجرد اختفاء الرقيب الخارجي أثناء العمل يفعل الموظف ما يشاء وبحسب ما يراه. هناك العمل واللاعمل، هناك الدقة واللا دقة، هناك الالتزام واللاالتزام... جميع تلك الحالات متداخلة إلى درجة مذهلة. ونتيجة ترهل نظام الدولة يشعر الموظف أنه أُعطي الضوء الأخضر لاستمراء ذلك إلى نهايته.

وقد نتساءل: ما السبب إذا كانت الدولة دولةً لكل الناس؟ ومن أعطى هؤلاء الحق في الصعود فوق الجميع؟ وهل من فرص متاحة أمامنا كما أتيحت لهؤلاء المتسلقين؟... بالتأكيد لن تجد إجابةً، ليس لأن هناك تكويناً لكل دولة عربية على حدةٍ، بل لأن أسس الدولة تعبر سلفاً عن فوضى نهارية لصالح السلطة القائمة. ولاسيما أنَّ رجالها يستفيدون منها قدر ما يستطيعون. رجالها هم هؤلاء الذين يتشممون أية ثغرات نافذين إلى كراسي الحكم والنهب والسطو وإضاعة ثراء العقول والاستئثار بفرص العيش الرغد.

ورغم أنَّ الوظائف معروفة إلاَّ أنَّها لا تحقق سعادة الحياة والإقبال عليها. إنما كل مواطن عادي يخرج إلى عمله في منتهى القلق والنكد. لكونه لا يريد ما يعمل، لأنه لم يعمل ما يريد ابتداءً. هو عندئذ مجرد ترس لا يملك شيئاً فعلياً بل هو عامل مستأجر(لنرجع إلى مصطلح : قلم المستخدَّمين الذي يشير إلى العاملين بالجهات الرسمية في فترات سابقة). فالدولة ليست حقيقية بل هي حدٌّ من حدود الخجل العام (سيف الحياء المخيف) أمام أصحاب السلطان. وهذا هو السبب في كون المواطن يشعر بالاغتراب في عمله الخاص. فالوظائف نوع من السخرة لمستويات عليا تأكل جهوده ولا تعطيه إلاَّ أقل القليل. وصحيح قد يؤدي ذلك إلى تراكم الفعل العام لكنه يبدو بنياناً هشاً... كانت بعض المظاهرات الربيعية العربية كفيلة بخلخلته ووضع دولته داخل أتون الحرب الضروس إلى الآن.

الأخطر على المدى البعيد أنَّ هناك تراكماً لانعدام معاني السلوكيات داخل سيادة الدولة، سواء أكان في مؤسساتها الخاصة أم بالمجال الذي تديره في المجتمعات. والإطار السياسي طالما لم يترابط بشكل متنوع بافتراض إمكانياته سينتج فقدان المعايير ( الأنومي anomy ) خارج الأفراد. بل يجتذبهم إلى اختلاط الأعمال وصراعها من أجل الصراع الوجودي المبدئي دون الخلق والبناء. ويكون الوضع حالة متجلطة عصية على التفسير والاتساق.

خُذْ أي شارع عام في أحدى الدول العربية ستجده شواشاً من الأرجل والأجساد والأدمغة الملتفة حول بعضها البعض. كأنَّ المواطنين هم أمعاء دقيقة لمعدة مرتبكة ومعقدة ومتلبكة اسمها الدولة. الناس يسيرون بلا هدف واضح، لا يذهب أحدُهم إلى العمل نشيطاً، لأنه يعرف الخديعة الكبرى. يترنح متقطع الخطوات وممزق الأفكار. قد يسير بالخلف أحياناً ودائراً حول نفسه في كل الأحوال. ومع الحوار يمثل ماكينة كلامية لا تُخرج إلاَّ الضوضاء والثرثرة في اللاشيء. وفي قلب النهار وقت العمل تجد المقاهي ممتلئة وعلى النواصي الجميع ينتظر الجميع بلا غاية. وهذا ينادي على ذاك وهذه تصطدم بهذه في حركات مجنونة تعكس انعدام سياسات الأماكن والميادين.

علينا إدراك أنَّ الأماكن والميادين العامة ليست فضاء اعتباطياً, هي السياسات المكملة لقوة النظام الحاكم وفاعليته. والسلوك الشعبي تجاهها ينطوي على مساحات من التحرر أو التقليد لما يُمارس على الناس في دولاب العمل. ولأن الوضع هكذا فإن سلة المهملات (الزبالة مثلاً) نموذج للدولة النهارية. نادراً ما تصيبها الأوراق والفوارغ الملقاة. مثلما لا تصيب الآمال والطموحات أهدافاً مرجوة من الدولة.

صندوق الزبالة يقع مباشرة في متن الدولة إنْ لم يكن عنواناً لها. لا يريد المواطنون إلقاء أوراقهم ومهملاتهم داخله. وقد فضلوا قصداً إسقاطها بجواره تاركين الوضع الطبيعي والنظيف للتعامل معها. ولكن إذا كانت هناك صناديق زبالة مهندمة وجميلة فإنها تعبر عن تنظيم الدولة وحسن إدارتها. إن طيش المهملات نوع من رفض ممارسات الدولة بنفس المنطق. فالاثنان يتبولان على المواطن الضعيف سواء أكانت الدولة أم الزبالة. هما يحيطان بكيانه ابتزازاً له في وضح النهار. الدولة تستوقفه للمساءلة وضرورة الخضوع والامتثال لأوامرها العليا والزبالة تستوقفه لإعلان الولاء للنظام. فالأوراق التي قد تقع فيها بمثابة تصويت من وقت لآخر على صلاحيته واستمراره.

إنَّ مجتمعا لا يقيم وزناً لسياسات الشارع وتصريف مهملاته إنما هو مجتمع محاط بدولة فاشلة. ومن ثم فالزبالة الناجحة لهي نبوءة زمنية بإقامة دولة عتيدة تستطيع تقديم كافة الخدمات العليا للمجتمع. بينما الفوضى التي تسبب دواراً تصبح فوضى غير خلاقة كسلوك يومي له. تلتهم كل شيء منتج داخل الفكر والممارسة. ولذلك إذا تساؤل الإنسان عن الإنتاج والعمل والتقدم والازدهار الاقتصادي، فإنها أشياء بعيدة ليست ذات أهمية. حتى يخرج أولاً من التيه العام بفعل فاعل يختفي قدر ما يشاء.