ثنائية الحب والجنون (رزاق المخبل دين ودينار ودنبك) ح7

عباس علي العلي
2017 / 12 / 31

((6))
بعد الأستفتاء على الدستور الذي عمل جاهدا على ترويج التصويت له بنعم، تأكد الشيخ عناد أن طريقه مفتوح للوصول للبرلمان من خلال دعم الجماعة التي ينتمي لها وما يمتلك من ثقة عند السيد تؤهله للترشيخ، خاصة وأنه بذل في الشهرين الأخرين الكثير من الجهد والنشاط لترتيب الأوضاع الحزبيه وفتح مقرات جديدة للجماعة في أكثر من مدينة، كان نجم الشيخ يتصاعد يوميا مع كل خطوة ينجح فيها في أداء وأدارة المهمات التي توكل له من مكتب السيد أو مكتب النجف، كما أن حصوله على الشهادة الأعدادية وتصديقها من وزارة التربية أهله أيضا لبدء الدراسة الجامعية في أحدى الجامعات التي أفتتحت أخيرا في أختصاص مقارب لدراسته الحوزوية.
لا شيء يبدو عائقا أمام طموحه للوصول للبرلمان خاصة وأن ترتيب الأوضاع الداخلية في البيت أو في المكتب مناسبة للأنطلاق نحو المشروع الحلم، ما كان ينغص عليه ما تنقله زوجته تقيه من أن البعض يسأل عليه في مدينته وقد أخبروا أهلها أن لهم (حسبة طويلة) مع الشيخ، كان يعتقد أن الأمور يمكن السيطرة عليها وعليه الآن الركيز فقط على الهدف لا سيما وأن الأحزاب والمجموعات السياسية بدأت تتهيأ لمرحلة ما بعد الدستور وأنتخابات مجلس النواب، يبقى أيضا مشكلة لم يجد لها حلا هو أين سيمكنه الترشيح وله ثلاث خيارات محددةأ أنا هنا في النجف حيث يمكنه أن يحصل الدعم المباشر من السيد والمكتب، أو في البصرة معتمدا على أنصاره وأنسبائه هناك، والخيار الأخير في محافظة (ال....) حيث تتبع مدينته (ال...... ) لها.
كلما طرح موضوع الترشيح عن النجف لم يجد ذلك التشجيع والمؤازرة خاصة مع وجود الحرس القديم في مجموعته والذين لهم التأثير والحضور والحظ الأقوى، فهم أما من المدينة أو من العاملين القدامى الذين لا يمكنهم أن يفسحوا المجال له للتنافس، وأكثرهم على علاقة غير وديه معه، ما زال هناك من يعتقد أو يتشكك في وجود شيخ عناد ووصله لثقة السيد ورائها ما ورائها من أسرار ويتحينون الفرص للأنقضاض عليه في أي لحظة، كان قراره الأخير أن فرصته في النجف لا تتم إلا من خلال فرض السيد أسمه جبرا على الجميع أو عليه البحث عن مكان أخر.
صباح كانت المشجع الأكبر له أن يكون ترشيحه عن البصرة أظمن وفرصته شبه متكاملة، فهي تملك علاقات واسعة ولديها عائلة بتاريخ واضح ومعروف في عداء النظام السابق ويمكنها الأعتماد على شبكة العلاقات التي أسستها حينما كانت تدير الكثير من المنظمات والجمعيات الخيرية أيام ما كانت ترافق الشيخ حين توليه مكتب البصرة، المشكلة أن تمثيله للبصرة قد يصطدم أيضا بوجود شخصيات دينية ومهنية لها الحظوظ في مدينتها وقد لا يكون ما تقوله صباح إلا مجرد تخمينات لا يمكن الوثوق بها.
لقطع الشك باليقين قرر أن يصطحب صباح للذهاب إلى البصرة وأستشارة من يعرفهم أو يثق بهم في مسألة الترشيح، كان القرار تصرفا صائبا جدا فأن أي خطأ في التقدير أو تقييم الأوضاع سيفقده الفرصة ولربما لأربع سنوات قادمة، أذا عليه أن يقرأ الواقع كما هو لا بالأماني فكل خطأ سيكون مكلفا هكذا أبتدأ الحوار مع مقربيه من أعضاء المكتب في البصرة أو حتى مع أنسبائه وأصهاره الذين لهم القدرة على أعطاء الجواب الحاسم، الحماسة التي كان يبديها البعض له والتأييد أثناء توليه مهمته السابقة لم تعد هي كما كانت وحتى البعض من أنسبائه كان لهم مرشح حاضر ويتمتع بشعبية كبيرة في المدينة.
أقفل راجعا بعد أربعة أيام بصرية لم يجد فيها مكانا لذلك الحلم الذي يسكن تفكيره ليل نهار، وحتى صباح شعرت أن جهدها لم يكن كافيا وألقت باللائمة على الشيخ لأنه فرط مستعجلا بموقع البصرة لأجل مصالح مؤقتة، أحتدم النقاش بينهما كل منهم يحمل الأخر مسؤولية الفشل والخيبة، المؤكد النهائي أن الترشيح عن البصرة فرصة ضائعة لا يمكن المجازفة بها ولا حتى طرحها الآن، كلما مرت الأيام ضاقت مساحة الخيارات أمام الشيخ عناد في المناورة ولم يبقى أمامه غير الترشح عن محافظته لا سيما وأنه يعرف أن اللقب العشائري والوظيفة الدينية في مجتمع أغلبه يدين بالولاء للعشيرة وللرمز الديني حتى لو كان ذلك خلاف قناعاته.
الأن الوجهة الحقيقية التي يمكنه الذهاب إليها زوجته تقيه فهي مفتاحه للدخول للمدينة التي لم يصلها أبدا منذ أن عاد إلى البلد، يعرف أن تقية ليست بالهينة التي يمكن أن تفهم أن ترشح زوجها عن المدينة والمحافظة يعد لها نصرا شخصيا، فهي في قرارة نفسها لا تثق به وتعتبر كل تصرفاته وزواجه لأكثر من مرة دون أن يعلمها وهجرها لسنين طويلة، لا يمكن أن تكون إلا عوامل تهز مكانته لديها وأكثر تتمنى أن يعود عناد ذلك الشخص الذي أحبته وعرفته سابقا، حينما كان يمطرها بالغزل المغنى والتعرض لها كلما مرت أو رأها في مكان، لقد مات ذاك الحب ولم تعد تشعر به إلا رجلا يكمل فقط لها وجودها كأم لشاب معوق يحتاج رعاية وأهتمام.
الشيخ عناد يعرف تماما ما تفكر به زوجته الأولى وما تكن من مشاعر ولا بد أن يرضيها ويتقرب منها، فهو اليوم بحاجة لجناحين يطير فيهما ومن يملك الأجنحة تقية وأهلها فقط، حتى أهله وأعمامه لم يسأل عنه أحد إلا أفراد قلائل كان يترددون عليه لأغراض شخصية أو لطلي مساعدة أو التوسط لهم، عاد مساء في يوم نوبتها وبيده أغراض وحاجيات معبأ بأكياس خاصة لم يدع أحد يعرف عنها شيئا وقضى أمسيته دون أن يجلس كعادته بين الجميع، أختص بتقية وشرح لها الفكرة والأغراض بين يديه، كلما سألته عنها يجيبها ستعرفين لاحقا.
قدمت جوابها بكل وضوح له أنها على أستعداد كامل أن تذهب وتعمل المستحيل بشرط واحد، هي لا تريد أمولا ولا ذهبا ولا أملاك فقط عليه إن فاز في الأنتخابات أن يطلق زوجتيه ويعود لها لوحدها، فكر الشيخ كثيرا في الأمر وحاول أن يعرض أكثر من تسويه، لكنه جوبه بنفس الموقف حتى بعد أن دفع لها كل الأغراض التي جلبها لها وفتحتها لتعرف أنها قطع ذهب ومجموعة أقمشة ومستلزمات نسائية، لكنها مع كونها ثمينة وتفرح أي زوجة لم تبدي أي أهتمام ولم يثيرها المنظر حتى، طال الجدال والحوار والمناقشة حتى أنتصف الليل وشعر عناد أن لا مجال للمساومة، قرر عندها الموافقة على شرطها لعله يجد حلا لاحقا، تفاجأ أنها لم تقبل بذلك حتى يقسم لها بالعباس وفي شباكه.
في صباح اليوم التالي ذهب الأثنان عند ضريح العباس وأقسم لها كما أرادت وطلبت، شعرت تقية لأول مرة أن هناك أملا في أن تعود لحياتها الطبيعية وعليها أن تأخذ الأمر بجدية وأهتمام، عادا معا إلى النجف ونزل الشيخ في المكتب فيما ذهبت السيارة بها وبأبنها إلى مدينتها في مهمة الأمل، وأمر السائق أن لا يترك أي طلب أو يتأخر في تنفيذ أي مهمة توكلها له، حتى لو أستلزم الأمر أن يبقى أياما وليالي.
تقية التي يعرف أهلها عنادتها وصلابتها حضرت مع سائق وسيارة حديثة لا بد من وراء ذلك أمر مهم، فقد حضر كل أفراد عائلتها ليستفهموا سبب مجيئها وحدها ولم يحضر الشيخ الذي وعدهم كثيرا أن يأت، قالت لهم في رد واحد بسيط وواضح، أنا اليوم أمام خيار أما حياتي مع الشيخ ولوحدي ويطلق زوجتيه، أو أبقى واحدة من ثلاث والأمر موكل لي ولكم، لم يفهم أغلب الحاضرين ما تعني حتى شرحت لهم الأمر ونية الشيخ في الترشح للبرلمان وشرطها عليه، كان أخيها الأكبر أكثر تفهما من البقية خاصة وأنه نال نصيبا من بركات الشيخ وفضله عليه.
بعد جدال ونقاش تشرق وتغرب أجمع الحاضرونعلى خطة واحدة مفادها أن يكون بيتهم القاعدة التي ينطلق منها الشيخ لحلمه، وأنهم لأجل ذلك سيحتاجون للكثير من المال للصرف على الولائم والدعوات وجمع الناس وخاصة العشائر القريبة للترويج للمشروع، لم يكن الأمر مهما عند الشيخ في قضية المال وأمرها أن توافق على كل شيء وأن يبدأ العمل من يوم غد، أنهتت الأتصال به تلفونيا وتوزع الجميع كفريق عمل منهم من يعد المستلزمات ومنهم من سيقوم بمهة أعداد المكان وتأثيثه مجددا وأخرون تولوا قضية الأتصال بالشخصيات والوجهاء ودعوتهم للقاء.
في أول دعوة ان الحضور لا يشجع لا سيما وأن الموضوع كان غريبا على أهل المدينة أن يدعو جبار شقيق تقية إلى هذه الوليمة والتي يفعل مثلها سابقا وبدون مناسبة، أغلب الحاضرين كانوا من الجيران والأصدقاء والأقارب، حين طرح جبار مسألة الترشح وأن فضيلة الشيخ عناد سيترشح عن قائمة مدعومة من المرجعية وسيكون ممثلا للسيد في الأنتخابات، لم تلقى الدعوة ذلك الأهتمام المشجع الذي كأن مأمولا منها، حتى أن أحد الحاضرين عقب على الكلام بأن عناد ليس أكثر من (شيخ دنبك) وليس شيخ دين والناس تعرفه وتعرف ماضيه، كثر الجدل وأنتهت الوليمة على صحون فارغة وبطون متخومة.
في اليوم التالي أنتشر خبر ترشح الشيخ عناد وبدأ البعض يتردد على دار جبار بعد أن عزمت تقية العودة إلى النجف وقد تبين لها أن حظوظ الشيخ شبه معدومة، كان الحضور أفرادا وحتى مجموعات شجع الجميع على أن الصدمة قد تكون هي من سببت هذا الخذلان وعليهم أعادة الكرة مرة أخرى لبيان الحقيقة دون أستعجال، غدا سيكون موعد وفاة أحد الأئمة ولا بد من أستغلال الموقف جيدا من خلال أقامة مأتم ودعوة الناس له بهذا العنوان، تم الأتفاق مع أحد الخطباء والرواديد وتهيئة المكان جيدا والمناداة من الجامع على الناس لحضور المأتم، تم كل شيء حسب رغبة الشيخ وتوجيهه وحضر الناس هذه المرة بشكل لافت للنظر حتى لم البعض مكانا للجلوس وأفترشوا الشارع بعشرات الكراسي المستأجرة وجرى المأتم بصورة لم تشهدها المدينة إلا قليلا.
كان الشيخ الواعظ ومن على المنبر قد تطرق إلى مأساة أهل البيت ومأساة شيعتهم وخاصة شيعة العراق، وأن الله من أخيرا عليهم بالنصر والتمكين، ولا بد أن يحتفظ هذا الشعب بالنصر من خلال أنتخاب ما ترشحه المرجعية وتزكيه وترضى عنه، تطرق أيضا لمعاناة الكثير من الرموز من أجل هذا الشعب وأشار إلى سماحة حجة الأسلام والمسلمين الشيخ عناد أيده الله التي تولى أقامة هذا المأتم والأستمرار به دوما، وتمنى أن تقف المدينة مع أبنها نصرة للدين والمذهب، وأنتهى المأتم كما تنتهي المأتم الأخرى بقصيدة ولطمية شكر بعدها دعاءا المنشد الرادود سماحة الشيخ عناد على هذا الفعل تكريما وأحياء لذكرى أهل البيت.
كانت الأخبار تنقل له أول بأول ومن خلال الهاتف وتم تصوير المأتم كاملا، لقد بلغ الحضور المشارك من العدد ما يشجع تماما على المواصلة خاصة وحديث الشيخ الواعظ والرادود ودعائه كان لهما الأثر الكبير في زرع بذور الأمل والتفاؤل بفرصة متاحة لو تم العمل وفق هذا المنهج.
أكثر السعداء في كل الموضوع كانت تقية فرحلتها تبشر بخير وأسابيع معدودة ستجعل منها سيدة البيت بلا منازع وتتخلص من صباح ورقية ليفضى البيت كما قال المثل (لمطيرة)، من جانبها في اليوم الثاني أقامت تقية مأتما نسائيا كبيرا وأعدت له جيدا من المأكولات والمشروبات ودعت العديد من الملالي لأحياءه، كان مجلس النساء لا يقل كثافة عن مجلس الرجال والبذل كان بلا حدود، حتى ضاق بيت جبار على وسعه بالنساء الأتيات من ل حدب وصوب، أنها الخطوة الثانية التي رسخت أعتقادا تاما أن ترشح الشيخ عناد سيكون مضمونا له النجاح تماما مع كل هذا التأييد والدعم.