أدباء ورهبان

دلور ميقري
2017 / 12 / 31

1
الكاتب المغربي محمد شكري ( 1935 ـ 2003 )، الذي مرّت هذا العام ذكراه الرابعة عشر، آثر أن يعيش حياته بلا زوجة وأطفال. بحسب حواراته الصحفية، فإن الكاتب لم يشأ أن يتزوج وينجب كي لا يكرر تجربة أبيه، الذي ظلمه كثيراً وخصوصاً خلال فترة الطفولة.
محمد شكري، كان قد فصّل قصة حياته البائسة في سيرة من ثلاثة أجزاء، أشتهر منها الأول بعنوان " الخبز الحافي " وقد ترجم إلى حوالي أربعين لغة. في سيرته هذه، يُصدَم القاريء منذ الصفحة الأولى بطفل جائع ينحني على حاوية قمامة ليلتقط دجاجة ميتة ويبدأ بالتهامها. لم يكتفِ شكري بتصوير معاناته وأخوته في المنزل، بل كان سرده يحيط بالمجتمع المغربيّ خلال فترة الخمسينيات. في الجزء الثاني من السيرة، " الشطّار "، يكون الراوي قد وصل لسنّ البلوغ وبدأت حياته بالانحراف إلى مهاوي الإدمان والسرقة والدعارة. شخصيات السيرة، النسائية، كان أكثرها من المومسات عاثرات الحظ ممن كنّ يعاشرن الرجال مقابل دريهمات تكاد تسد الرمق.
من ناحية أخرى، يعتقد بعض دارسي أدب محمد شكري بأنه بالغ كثيراً في تصوير معاناته وأمه وأخوته. هؤلاء الأخيرين بدَورهم، كانوا على ذلك الرأي وأعلنوا قطيعتهم مع شقيقهم بسبب ما أدعوا أنه " تجنٍّ على الوالد وأساءة لسمعة العائلة ". الصوَر الفوتوغرافية، التي أرفقها محمد شكري في بعض الكتب المحتوية على حواراته، كانت لا توحي بالفاقة والعوز في منزل أسرته. يمكن القول ( وهذا أيضاً رأيي الشخصي )، أن شكري كان متأثراً بثلاثية الأديب الجزائري الكبير محمد ديب؛ وكانت هيَ نفسها أقرب للسيرة الذاتية. إلا أن شكري، ربما عكس في سيرته صورة الأب بدلاً عن الأم كي يموّه أمرَ تأثّره بثلاثية ديب!

2
توفيق الحكيم ( 1898 ـ 1987 )، مرت هذا العام ذكراه الثلاثون. لطالما عُدّ الحكيم من أعداء المرأة، بالرغم من أن كتاباته لا توحي بذلك. ولو عرفنا أن مؤلفاته ناهزت المائة، لأدركنا سر عزوفه عن الزواج إلى أن أضحى على أبواب الخمسين من عُمره. ولكي يحافظ على عزلته الحميمة، بعيداً عن العلاقات الإجتماعية، فإن الحكيم أبقى خبرَ زواجه سراً حتى عن أقرب أصدقائه.
من ناحية أخرى، نجدُ عزوفاً عند القراء في السنوات الأخيرة فيما يتعلق بمؤلفات توفيق الحكيم. وعلى رأيي، أن الأمرَ يشمل أنداده من كتاب المسرح بعدما فقد هذا الفن ألقه منذ تصدر الرواية للمشهد الأدبي بعد الحرب العالمية الثانية. أساساً، كُتبت مسرحيات الحكيم كي تُقرأ لا لتمثل على الخشبة. ولقد أعترف الكاتبُ بنفسه بتلك الحقيقة، حيث دعا أسلوبه ب " المسرح الذهني ". ذلك أيضاً أسهم بانحسار الإهتمام بهذه المسرحيات على المستوى العام، بما أنها لم تُعرض إلا بأعداد قليلة على خشبة المسرح.
توفيق الحكيم، كان كاتباً إشكالياً سواء بأسلوبه الأدبي أو مواقفه السياسية والفكرية والاجتماعية. لإضاءة جانبٍ من إشكاليته الموصوفة، علينا أن نعود بشكل سريع إلى نشأته الأولى. فإنه ولد في الاسكندرية لأب ريفي وأم من أصول تركية أرستقراطية، مما جعله متأرجحاً طوال حياته بين هذين الإنتمائين. إذ مع تشكل وعيه، تأثر بالأفكار التحررية كما ظهر ذلك جلياً باشتراكه في ثورة عام 1919. على الأثر ظهر كتابه الأول، وهي رواية " عودة الروح ". إلا أن هذه الرواية، في المقابل، كانت تحمل بذور إيمانه بفرعونية مصر. ثم كان لسفره إلى باريس، بهدف دراسة الحقوق، تأثيرٌ لا يقل أهمية على بلورة أفكاره الليبرالية. هذا لم يمنعه لاحقاً من تأييد الإنقلاب العسكري لجماعة الضباط الأحرار عام 1952. ويقال، أن روايته تلك أعتبرت أيقونة لأولئك الضباط. هذا يفسر ربما عدم تعرض الحكيم لأي مضايقة من لدن النظام الناصري، بل وأيضاً حصوله على مراكز وظيفية بارزة في ظله. بعد استلام السادات للسلطة، ظهر توفيق الحكيم ناقداً شرساً للناصرية من خلال كتابه " عودة الوعي "؛ حيث أدان تلك المرحلة بوصفها مستبدة ومسببة لكوارث الفقر والتخلف والهزيمة.