المألوف الآسن في المجتمع منبع الضغينة والأحقاد

ناظم الديراوي
2017 / 12 / 31

لم تحظ أراء أيِّ من علماء العراق ومفكريه، على امتداد القرن العشرين، بذاك المستوى من الاهتمام الكبير الذي بلغته كتابات عالم الاجتماع العربي الأبرز علي الوردي. وما أثارته من زوبعة عنيفة في عقول أولئك المتشدقين بتكريس قيم المألوفات الفكرية الراكدة التي اعتاد عليها المجتمع من غير استقصاء وتجديد. وفيها الكثير من أدغال العزلة والأباطيل والأخاديع المتراكمة، بل والغريب المنبوذ مما اعتقده المتحذلقون بعلوم "الدين والدنيا"، وبلا قرائن عقلية ونقلية، أنَّها من صميم العقيدة الإسلامية وشرائعها المقدسة ومكارم المجتمع غير المسموح المساس بها إطلاقاً! وما دروا أنَّ الاِنغلاق العقلي والتزمت الديني سيولد حتماً (التعصب وضيق الذهن.. واثارة الأحقاد). ولم يتوان هؤلاء القادحون الذين "يحبون الحق بأقوالهم ويكرهونه بأعمالهم!" من رشق العلامة الوردي بوابل التهم والنعوت النابية والشتائم البذيئة التي يندى لها جبين الحر. والحمد لله لا يخطر ببال الناس منها اليوم شيئاً لبذائتها وعقم مفعولها العقلي والاجتماعي، ولعظمة منافع ما كتبه "ابن خلدون القرن العشرين"، والذي أصبح بعد أكثر من ستة عقود مضت جزء من ذهنية الفكر النهضوى المعاصر ومسالكه الاجتماعية المدنية التي تحث على التجديد والإبداع. وينبغي عليَّ أن أُذكر القارئ بما قاله المؤرخ الشهير توينبي في ما أشرت: إن الصفة الرئيسية التي تميز المدنية عن الحياة البدائية هي الابداع. فالحياة البدائية يسودها التقليد بينما الابداع يسود حياة المدينة).
ويذكر العلامة الوردي، بعد نشر كتابه المثير للجدل "وعاظ السلاطين" وما ورد فيه من أفكار وأراء جديدة لا تتفق مع طروحات الفكر الديني والسياسي الشائع في المجتمع والدولة. الأمر الذي أثار حفائظ علماء دين ومتطفلين على مهنة الكتابة والخطابة وأثار حنقهم و"حميتهم" لأكثر من نصف قرن. حتى أنَّ وفداً من "رجال الدين"، يرأسه مدون قانوني، ذهب حينها إلى وزارة العدلية العراقية طالباً منها، يذكر العلامة الوردي، "اقامة الدعوى على الكافر الزنديق". ولم يكتفوا بذلك (بل حرَّضوا وعاظ المساجد على القيام بواجبهم الديني في هذا السبيل).
ورغم تلك الهجمة الشعواء التي تعرض لها العلامة الوردي واتهامه بالكفر والزندقة، غير أنّه ظل يثني على من ألَّفوا خمسة كتب وعشرات المقالات والخطب في الرد على ما ضمه كتابه المذكور "وعاظ السلاطين" من علم ومعارف، وخصهم بالشكر عن طيب خاطر (على ما تجشموا من عناء البحث والتأليف)، وكل من جادل أفكاره وتصوراته بالتي هي أحسن حسب اِعتقادهم، وأثروا معارفه "بالآراء الصائبة": (وأخص بالشكر السيد محمد صالح القزويني والأستاذ عبد المنعم الكاظمي والسيد مرتضى العسكري. فقد وجدت في كتبهم كثيراً من الالتفاتات القيمة والأراء الصائبة). وإن قذفه جمع من مريديهم بتهمة فساد البلاد وآخر بالكفر والزندقة! ونعيد هنا ذكر ما نقله الوردي في كتابه " بؤس العقل البشري" عن أحد الوعاظ في خطبة الجمعة ذم فيها العلامة الوردي وبالغ في قدرته على إفساد المجتمع العراقي، الذي رام في معظم كتاباته ومحاضراته ومجالسه اصلاح وتجديد ما هَرِيءَ من نمط تفكيره وقناعاته وما تقادم عليه الزمان وبليَ من أعراف اجتماعية وقيم خُلقية، وفق مقاييس ذهنية جديدة ونظريات علمية حديثة. يقول صاحبنا الخطيب: (هناك ثلاثة أمور تؤدي إلى فساد البلاد، هي القمار والبغاء وعلي الوردي!).
هذه الأراء غير الحكيمة توحي وكأن عراق القرن العشرين ظل قابعاً هناك في ظلام تلك العصور الغابرة التي قتلت الأئمة والفقهاء ولاحقت كُلِّ ذي عقلٍ سليم، وأتلفت كتب الفلاسفة والأدباء وحرَّمت اِقتناء ما سلم منها، فقط لأنها لا تنسجم من فكر العقيدة الرسمية لخلفاء بني أمية والعباس ووعاظهم المتحذلقين، الذين رموا كلَّ مُجَدِدٍ في الفكر الإسلامي بالضلالة والزندقة إنْ لم يكن بالكفر! وبقوا يُلقنون عامة الناس ما يرضي غرور السلطان الغاشم ويديم عرش ملكه ويعزز الاستبداد والطغيان، غير أبهين بمصالح المجتمع الإسلامي وفرائض الدين الحنيف وشعريعته. وحينها أشهر وعاظ وخطباء ذاك الزمان المترفون بمكارم خلفاء بني أمية، بغضهم المقيت على أمير المؤمنين وآل بيته (عليهم السلام) وأتباعه، وتفننوا في إختلاق الأخبار والافتراءات التي "تنبش الدفائن وإثارة الأحقاد". وعن هؤلاء الناعقون بأمر السلطان يقول الشعبي؛ (لقد كنت أسمع خطباء بني أمية يسبون أمير المؤمنين علي بن أبي طالب على منابرهم وكأنما يشال بضبعه إلى السماء. وكنت أسمعهم يمدحون أسلافهم على منابرهم وكأنهم يكشفون عن جيفة).
وأرى من الأهمية ذكر رأي المفكر الإسلامي عباس العقاد في قيم بني أمية وفلسفة حكمهم وأعرافهم الخلقية والاجتماعية، وإلى أي حدٍ تنسجم هذه المكونات مع شروط الخليفة العادل قولاً وفعلاً. يقول العلامة العقاد: تميزت لبني أمية في الجاهلية وصدر الاسلام خلائق عامة يوشك أن تسمى- لعمومها بينهم- خلائق أموية، وهي تقابل ما نسميها في عصرنا بالخلائق الدنيوية والنفعية ويراد بها أن المرء يؤثر لنفسه ولذويه ولا يؤثر عليها وعليهم في مواطن الايثار.. وهذه الخلائق الأموية... تميل بالمتخلقين بها إلى مناعم الحياة وتحبب إليهم العيش الرغيد والمنزل الوثير وتغريهم بالنعم والملذات يغدقونها على أنفسهم وعلى الأقربين، فهي عندهم قسطاس البر بمن يحبون لما يحبون). والآن لنطلع القارئ على تقييم أحد خلفاء بني أمية بحق خصمهم الأعظم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) ومميزات ولايته في حكم المسلمين: (ما علمنا أن أحداً من هذه الأمة بعد رسول الله أزهد من علي بن أبي طالب. ما وضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة). ويقول علي الوردي في ولاية الإمام علي (عليه السلام)، وكأني به يحسم موضوع شرعية وأحقية من حكم أمور المسلمين وساسها، بعد أمير المؤمنين، وعلى مر العصور: (وهو، علي، في الواقع آخر حاكم في تاريخ الإسلام اِنثالت العامة على بيعته طوعاً واختياراً). وقد أشار إلى بيعته عليه السلام: (إنَّ العامة لم تبايعني لسلطان غالب ولا لعرض حاضر). أما الخاصة يذكر العلامة الوردي فقد بايعه معظمهم. وحين رفض بعضهم بيعته تركهم أحراراً. ولم يستعمل معهم سياسة "السيف والنطع" التي يعاقب بها اليوم أمراءُ المؤمنين وخدامُ بيوتِ الله الأحرارَ والمُعارضينَ لبيعتهم. وايضاً أُضيف هُنا ما سجله العلامة الوردي في كتابه "مهزلة العقل البشري" من حدث يُعظم عدل وسماحة الخليفة علي بن أبي طالب (عليه السلام) عندما قال عنه أحد الخوارج وكان أمير المؤمنين جالساً بين أصحابه ذات يوم من غير علم الخوارجي بوجوده. قال يصف علياً (عليه السلام): (قاتله الله كافراً ما أفقهه)! فوهب القوم ليقتلوه فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) وما أجّلهُ من قولٍ:( رويداَ. إنَّما هو سب بسب أو عفو عن ذنب). وأُختم هذه الفكرة بما جرى من محاورة قصيرة بين الإمام علي (عليه السلام) خلال مسيره إلى صفين وبعض دهاقين الأنبار وقد رأوه فترجلوا وأخذوا ينحنون بين يديه. فقال لهم: (ما هذا الذي صنعتموه؟). قالوا:(خلق منا نُعظم به أمراءَنا). فقال عليه السلام (والله ما ينتفع بهذا أمراؤكم، وأنَّكم لتشقون على أنفسكم في دنياكم وتشقون به في آخرتكم...). هذا طرف مما أشار إليه في كتبه العلامة علي الوردي، الذي إتهمه بعض "أتبعاع" أمير المؤمنين بالكفر والزندقة وطالبوا القضاء العراقي بمعاقبته!
أعود إلى موضوع المألوفات الفكرية التي تدور حولها أفكار هذا المقال، الذي كتبته اليوم مستنداً في ما عَظِمَ من مادته إلى كتاب الدكتور علي الوردي "بؤس العقل البشري"، صدر عام 1955، الذي ختمت قراءته للمرة الثانية يوم أمس بعد إنقطاعٍ طويل..، ولعل العالم انشتاين على كان حق حين اعتقد أنَّ مشكلة العقل البشري هي أنَّهُ يريد إخضاع الكون كله للمقاييس التي اِعتاد عليها في دنياه. ولهذا نجد الانسان يصف الظواهر المخالفة لعاداته الفكرية المألوفة بغير المعقولة! وعند عالم الاجتماع الوردي أنَّ غير المعقول سيصبح معقولاّ عندما تتبدل المقاييس الفكرية التي اعتاد الناس عليها في تفكيرهم. وإذ أَنَّ الحقيقة، ينقل العلامة الوردي عن وليم جيمس، ليست إلا فرضية يفترضها الانسان لكي يستعين بها لحل مشكلات الحياة. فمن الممكن الافتراض أن الحقائق النسبية الوضعية تتغير مع ظهور تحديات جديدة في حياة البشر. ولا يكفي في رأي الوردي، وهذا ما يميزه كعالم اجتماع تجريبي لا كفيلسوف تجريدي طوبائي، في الفكرة أن تكون صحيحة بحد ذاتها. الأحرى بها أن تكون عملية ممكنة التطبيق. ويرى في وجود المشكلات دافعاً من دوافع التطور. أما العقل البشري فلا ينمو إلا في زحمة الاتصال الاجتماعي.
ولعل المفكر علي الوردي على حق تماماّ عندما وجد تفسيراً لمعضلة "غير المعقول" التي نرمي بها كل فكر أو رأي ما لا يتفق مع فهمنا المحدود لهذه الظاهرة الاجتماعية أو أخلاقية أوسواها من الظواهر الجديدة: (نقول عن شيء ما غير معقول لمجرد أنَّهُ مخالف لمألوفاتنا السابقة). ولكن غير المعقول هذا سيصبح معقولاً، حسب فلسفة العلامة الوردي الاجتماعية، عندما تتبدل المقاييس الفكرية التي اعتاد الناس عليها في تفكيرهم.
بالله عليكم قولوا لي هل هذا المفكر العلامة الجليل كافر وزنديق؟! لم يبق عندي الآن غير حكمتين بليغتين لأمير المؤمنين (عليه السلام) أختم بهما مقالتي المتواضعة هذه وفيهما ما يثري ما سبقهما من كلام: (لا تُعَلموا أبناءكم على عاداتكم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم). أما أولئك الذين رموا العلامة الوردي ففيهما قال عليه السلام: (إنَّ الجاهلين لأهلي العلم أعداء).
وما يجب عليَّ فعله الآن هو التضرع إلى رَّبِّ العالمين ليشمل برحمته وغفرانه العلامة علي الوردي وكل من ظلموه في دنياه.