أميرة .. A message in a bottle .. ١٤ .. أنا , أنتِ , ماما و .. الجنس .. 2 ..

هيام محمود
2017 / 12 / 30

كانتْ كلّ سنوات دراستي الجامعية صعبةً عليَّ .. كنتُ أكره الطبّ وتَرجّيتُ تامارا ألا تدرسه لكنها رفضتْ , كان ذلك أول مرة ترفضُ لي طلبًا وأنا أيضا فقد ترجّتني أن أدرس معها لكنّي رفضتُ واخترتُ مدرسة "المهندسين" كما تُسمّى بالرغم من أنّ أغلب طلبتها والأكثر تفوّقا فيها بنات . إلى اليوم تامارا تكره مدرستي وأنا أكره كُليّتها : المكانان رمزا دائما إلى ابتعادنا عن بعض , وكان ذلك أوّل مرة نفترق منذ الميتم .. أين تربينا معا وكبرنا معا .. قالوا لي وقتها أن "ماما" تركتني أمام منزل العمدة وقالوا لتامارا أنّهم وجدوها في الغابة القريبة من القرية .. زوجة العمدة حملتني إلى الملجأ أمّا تامارا فحملها صعلوك بعدي ببضعة أشهر .. المسكين شكّتْ فيه المُمرّضة واتّهمته بأشياء نفاها عن نفسه وصرخ في وجهها وقال أنّه ندم لإنقاذه "الصغيرة" , وعندما اعتذرتْ منه رفض اعتذارها وقال غاضبا أنّه يسرق ويُعنِّف ويسكر ويفعل كلّ الجرائم وربّما حتى القتل لكنّه لا يفعل أفعالا "لا أخلاقية" "مشينة" لا تفعلها حتى الحيوانات !

مرّتْ سنوات الجامعة بسرعة رغم طولها , وفيها حدث الكثير و .. الكثير . "أهم" إنجاز قمتُ به كان إبعادَ تامارا عن التخصص في طب الأطفال وطب النساء , كانتْ تحبُّ الأطفال كثيرا وكنتُ "أكرههم" . كنّا نغيبُ عن بعض فقط ساعات الدراسة وكانت كليتها قريبة من مدرستي ومع ذلك كنتُ دائما إمّا "أزورها" أو "تزورني" وفي المساء نعود معا إلى المنزل ككل يوم . كنتُ أرغبُ في إمضاء "كل" وقت فراغ معها , إلا أنها كانت كثيرا ما تُجبرني على الذهاب معها إلى الميتم .. "ميتمنا" الذي عشنا فيه حتّى الخامسة . كانتْ تشتري هدايا للأطفال وكنتُ أكره ذلك لأنّي كنتُ "أُضيّع" وقتًا طويلًا في شرائها و "تحضيرها" معها , كانتْ تغضبُ منّي وتُذكِّرني أنّنا كنّا في ذلك المكان يومًا ما وكان سيسعدنا لو اعتنى بنا أحد , وكنتُ أجيبها أني لستُ ضدّ الأطفال أو ضدّ إسعادهم لكنّي ضدّ كل ذلك الوقت الذي نُمضيه معهم وكنت أريد إمضاءه "حصرا" معها ..

الإنجاز الثاني "المهمّ" كان طرد ليلى من المنزل , كنتُ "أكره" كلّ الحيوانات وخصوصا الكلاب والقطط , وتلك الكلبة بالذات ! لأنها أيضا كانتْ تأخذ وقتا لم أقبل ضياعه , كنتُ أراه وقتا ضائعا واستهتارا عكس تامارا التي كانتْ تعطي لكلبتها الكثير .. إصراري على إخراج تلك الكلبة من "حياتنا" جعل لارا تسألني : "أَلَمْ تلاحظي أنّ تعلّقكِ بأختكِ مَرَضِيٌّ ؟" , فهربتُ من الإجابة بالقول أنّي لا أحبّ الكلاب .. لكنّها أَصرّتْ وذكّرتني بأمور كثيرة أخرى حدثتْ منذ صغري ولازالت .. أشياء كثيرة لم تنقطع منذ أن كنا صغارا لا .. نفهم شيئا ..

لارا كانتْ "ضربة الحظ" الثانية في حياتي بعد تامارا , عندما قَدِمتْ إلى الميتم كانتْ ترغبُ في تَبنّي طفلة لكنّي "فرضتُ" عليها "اثنتين" .. قالتْ أنّها أحبّتني مذ رأتْني , ولم تستطع "تحطيم" قلبي بالتفريق بيني وبين "أختي" فتبنّتنا معًا .. لم تندمْ على قرارها لحظة بل صار ذلك القرار فَخْرَ حياتها كلها .. حبُّ لارا لتامارا عظيم لكنّنا ثلاثتنا كنّا نعرفُ جيدا أنّها تُحبّني أكثر وقدْ "ناصرتني" عند إصراري على طرد ليلى من منزلنا بالرغم من حبها للكلاب .. كانتْ دائما ما تقف إلى جانبي ضد تامارا ثم عندما نكون وحدنا تلومني وتغضب منّي , أظن أن ذلك كله كان سببه حبها لي "من أول نظرة" في ذلك الميتم , وربما يكون ذاك حالي مع تامارا منذ أن حملها ذلك السكير الطيب .. لي .. إلى الميتم , لولاه ما كانت تامارا وما كنت , لولاه ما كان لنا وجود , لولاه ما كانت حياة ما كان وعي ما كان أمل ما كان .. حبّ .

كنت دائمة الشعور أني "يتيمة" , ذلك الشعور لم يفارقني إلا مع تامارا , رغم كل الحبّ الذي غمرتني به لارا .. شعرتُ دائما أني "يتيمة" , وكنت كلما بكيتُ أرتمي في حضن تامارا وأقول أنتِ كل شيء بالنسبة لي وستبقين .. إلى الأبد . شعور اليتم ذاك كان غريبا لأنه لم يخصّ يوما تلك النكرة التي حملتني ثم رمتني , لم أفهم كنهه ولم أجهد نفسي كثيرا في الفهم .. كنتُ أظن أني حاملة لعقدة "كل" اللقيطات , لكني اكتشفتُ مع تامارا أني كنت مخطئة .. هي أيضا كان عندها ذلك الشعور لكنه لم يخص لحظة نكرتها التي ألقتها في غابة ثم .. رحلتْ , وحسنا فعلتْ فلولا "فعلتها" تلك ما وجدها ذلك الصعلوك السكير الطيب , وما حملها للميتم .. للحياة .. لي .. أنا اِيلان .

..