الخنزير والسمكة الذهبية

سعود سالم
2017 / 12 / 30

هناك العديد من القوانين المضحكة في العالم والتي من الصعب معرفة مبرراتها، مثل القانون الذي يمنع الفلاح الفرنسي أو أي مواطن آخر يعيش في فرنسا يمتلك خنزيرا بتسميتة بإسم "نابليون"، وذلك بطبيعة الحال ليس لحماية الخنزير من سوء سمعة نابليون، وإنما لأن المشرع كان يعتقد أن هذه التسمية ستجعل من نابليون خنزيرا أو ستجعله يتصف بصفة الخنزير المرتبطة بالقذارة مما يشكل إهانة عظيمة للإمبراطور الصغير. وكذلك القانون الذي يمنع المركبات الفضائية القادمة من خارج الأرض - ما يسمى بالأجسام الطائرة الغريبة أو الغامضة واللامحددة UNFO - بالنزول في بعض المدن الفرنسية أو منع سحب سيفون المرحاض بعد الساعة العاشرة ليلا في سويسرا، أو منع سياقة السيارات الغير نظيفة في موسكو .. إلخ. ولكن هناك قوانين أخرى غبية ولكنها لا تبعث على الضحك مثل منع النساء من سياقة السيارات أو منعهن من السفر بدون مرافق - محرم - غير أن هذا موضوع آخر لا نعالجه هنا. الذي يهمنا هو هذه القوانين الغريبة والتي تعبر عن رغبة الدولة والسلطة التدخل في كل شيء صغيرا كان أم كبيرا. ففي 24 يوليو من سنة 2004 أصدر عميد بلدية مونزا Monza في إيطاليا قانونا يمنع فيه وضع الأسمال الذهبية - الأسماك الصغيرة الحمراء - في أحواض زجاجية كروية الشكل. وفي 25 أكتوبر قامت بلدية روما هذه المرة بإصدار قانون مشابه. ويوجد هذا القانون أيضا في سويسرا وبعض الدول الأروبية الأخرى. وهناك عدة أسباب ذكرها القانون لتفسير هذا المنع، منها أن هذه الأحواض صغيرة الحجم وبذلك تمنع نمو السمكة نموا طبيعيا، فالسمكة الذهبية تحتاج في أقل تقدير إلى 70 لترا من الماء، بالإضافة إلى ضرورة وجود سمكة أخرى معها حتى تعيش حياة إجتماعية وألا تشعر بالوحدة وهذا يتطلب في أقل تقدير 150 لترا من الماء لسمكتين. بالإضافة إلى أن هذه الأحواض الصغيرة المدورة لا يوجد بها مكان للإختباء، حيث يمكن مراقبتها من الخارج من جميع الزوايا مما يجعل السمكة تعيش في حالة هلع ورعب مستمر مما ينتج حالة من التوتر تقود السمكة إلى الموت بعد عدة أيام أو عدة أسابيع. غير أن الحجة الرئيسية التي استندت عليها بلدية مونزا الإيطالية، هي أن هذه الأحواض الزجاجية، نظرا لشكلها الكروي تغير وتشوه المحيط الذي تعيشه السمكة، وتجعل "الواقع"غير ما هو عليه في الحقيقة نظرا للماء والزجاج المقعر بالنسبة للسمكة السجينة حيث أنه "من القسوة وضع السمكة في حوض ذو جوانب مقوسة لأن السمكة سيكون لديها فكرة مشوهة عن الواقع".. وهذا المبرر الأخير هو الذي يهمنا في هذا المقام لأنه يمس مباشرة القضية التي نريد معالجتها في الحلقات القادمة وهي قضية ما يسمى بالـ "واقع" وماهيته وخصائصه وإمكانية. ‪وهذا القانون هو ما دفع الفيزيائى الإنجليزي المعروف ستيفين هاوكن‬ على ما يبدو لتحرير أحد فصول كتابه الصادر سنة 2010 " التصميم العظيم " - stephen Hawking‪,‬ the grand Design والذي يطرح فيه أسئلة أساسية في تاريخ الفكر عموما والأوروبي الفلسفي خصوصا مثل : متى وكيف بدأ العالم؟ لماذا نحن هنا؟ وما هي طبيعة الواقع؟ وهل هذا التصميم العظيم الذي يعبر عنه عالمنا يتطلب مهندسا عظيما بدوره لتصميمه وإخراجه للوجود وتحريكه؟ وهي أسئلة فلسفية عالجها اليونانيون منذ زمن طويل وحاول العديد من الفلاسفة إيجاد الفرضيات والحلول لمثل هده الإشكاليات دون جدوى. فهذه الأسئلة تعاود الظهور في كل عصر، رغم إختلاف الإهتمامات والدوافع والأغراض التي تؤدي إلى معاودة الظهور. فالواقع هو كل ما هو كائن، أي مجموع الكائنات التي يتألف منها ما يسمى بالعالم، ولكن كيف يرى كل إنسان هذه الكائنات؟ وهل هذا العالم حقيقي ومطلق أم أنه نسبي ويعتمد على حساسية كل فرد؟ وهل هذا الواقع يكون كما هو لو لم يكن لي به وعي؟ للوهلة الأولى يبدو ببساطة أن الإنسان يمتلك عدة قنوات تمكنه من الإتصال بالكائنات المحيطة به وإدراك حقيقة وجودها المادي، ونعني بذلك حواسه الأولية البسيطة مثله مثل أي حيوان آخر. ويبدو أن حاسة البصر هي من أهم هذه القنوات التي تسمح للإنسان لإدراك ما يحيط به من كائنات. فهو يرى الأشياء والطبيعة والشارع والمدينة والسماء والشمس والقمر، ولكنه لا يرى فقط هذه الكائنات كصور، أو كمتفرج وإنما يرى نفسه وسط هده الكائنات وجزء منها. وهذا العالم يظل حاضرا على الدوام حتى لو أغمض الإنسان عينيه أو حتى في حالة النوم ، فالعالم يظل صاخبا من حوله، ويسمع هدير أمواج البحر وضجيج السيارات ويحس بنسمة الهواء الباردة ورذاذ المطر ويشم رائحة البحر. ولكن رغم ذلك فإن حواسنا ليست مضمونة ضمانا كاملا، فنحن لا نسمع الأصوات الخافتة ولا نرى جيدا في الضباب أو في الظلمة وفي أحيان كثيرة نكون ضحية للأوهام والخداع البصري. وربما هذا ما دفع عميد بلدية مونزا إلى إصدار قراره بخصوص أحواض الأسماك الكروية مستندا على تجربته الخاصة. حيث أنه من خلال الزجاج المحدب والماء كان يرى السمكة بصورة مغايرة لصورتها الحقيقية، فهي تغير حجمها وشكلها حسب زاوية النظر، فاستنتج بذلك أن السمكة ترى العالم المحيط بها متغيرا ومشوها. وهنا يتسائل الفيزيائي هاوكن " لكن كيف نعرف - نحن - أنه لدينا الصورة الحقيقية والغير مشوهة عن الواقع؟ فإذا كان الحوض المقوّس، قد يشوّه صورة الواقع بالنسبة للسمكة الذهبية، فمن يضمن لنا نحن أيضا، أننا نملك تصورا حقيقيا ويقينيا عن الواقع، مادمنا أيضا نسكن كوكبا هو بمثابة حبّة رمل في مجرّتنا، وهذه الأخيرة بمثابة فقاعة صابون صغيرة، ضمن مليارات الفقاعات التي يتشكّل منها الكون، كونٌ، لا ينفكّ يتمدّد و يتّسع باستمرار. أليس من الممكن أن نكون نحن أيضًا في حوض أسماك كبير، ورؤيتنا مشوهة بواسطة عدسة هائلة؟ صورة السمكة الذهبية عن الواقع مختلفة عن صورتنا، لكن هل نستطيع أن نتأكد أنها أقل واقعية ؟ " أما واقع الخنزير الفرنسي فهو أن القانون قد أنقذه من الذل والإهانة وذلك بمعاقبة كل من ينعته بنابليون.