مصطفى وهبه الذي يجب أن تعرفوه

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 12 / 29

اسمه مصطفى وهبه.. وكنا نختلف هل تكتب بالهاء أم بالياء أم بالتاء المربوطة.. هو صديق فورة الشباب والطلبنة ضمن جيل السبعينيات الفذ بجامعة المنصورة أوائل السبعينيات.. كان منزله بالمنصورة يبعد عن منزلنا مائة متر، فمنزلنا في سكة سندوب بالقرب من ميدان مشعل ومنزله في منشية المصطفى.. وسيم جدًا ومريح الوجه وكان يمشط شعره إلى الخلف كم لو كان مكسيم جوركي.. نقي السريرة إلى أبعد الحدود والابتسامة لا تغادر وجهه إلا نادرًا..

أول مرة رأيته كان ليلة بدء الدراسة بالجامعة كطلاب مستجدين بكلية التجارة.. كان هو حاصلاً على الثانوية العامة وأنا مفصول من الكلية الحربية لأسباب أمنية.. فاجأتني زيارته مع محمد منصور (المستجد في كلية الهندسة ورسام الكاريكاتير الموهوب فيما بعد) ومحمد المخزنجي (الأديب الكبير وطالب كلية الطب وقتذاك) وعمر الخطاب (المستجد في كلية الحقوق والمحامي الناصري الآن).. كلنا كنا جيران.. وعرفت أن هذه المجموعة كانت مرتبطة بزعيم طلابي منصوري في جامعة القاهرة اسمه محمد توفيق (في باريس الآن)..

أثناء اللقاء سألني محمد منصور سؤالاً لا أذكره، فما كان مني إلا أن رددت عليه بهدوء: ”أنت بتشك في والا إيه؟“.. فرد بمنتهى الصراحة: ”تصدق!! فعلاً باشك فيك“.. كان من الممكن أن أغضب للشك في شرفي وأنني مباحثي، خصوصًا أنهم في منزلي.. فقلت له بهدوء: ”الأيام هي اللي هتثبت كل حاجة“.. المهم أنني تفاءلت خيرًا من وجه زميل المستقبل المبتسم مصطفى وهبه..

توطدت علاقتنا الشخصية وأصبحنا صديقين حميمين جدًا.. جيرة وكلية واهتمامات واحدة.. وحتى الاسم واحد (مصطفى وهبه ومصطفى مجدي).. وفي السنة الأولى وجدنا إعلانًا عن تكوين ”أسرة الفكر التقدمي“ ورائدها أستاذ القانون البرجوازي عماد الشربيني.. فقررنا خوض المغامرة.. بالفعل انضممنا للأسرة، ومن أول اجتماع اكتشفنا أن جميع الحاضرين لا يعرفون شيئًا عن هذا الفكر "التقدمي".. اقترح مصطفى على رائد الأسرة إصدار سلسلة مجلات حائط نعرض فيها الفكر التقدمي.. فوافق..

صمم مصطفى وهبه بأن نبدأ العدد الأول من المجلة بعنوان ”ما هي الماركسية؟“.. فقلت له ”بلاش كده.. خلينا نبدأ بالفابية“.. فصمم وبالفعل بدأنا التنفيذ.. كان مصطفى جميل الخط ويجيد استخدام الألوان من أقلام الفلوماستر.. وكتبنا بأسلوب مبسط ورقات منفصلة لتوضع على فرخ من الورق الأسود.. ورقة عن حياة كارل ماركس، وورقة عن الفلسفة وورقة عن الاقتصاد وأخرى عن الصراع الطبقي...وهكذا. وذهب مصطفى إلى الدكتور عماد ليوقع بالموافقة على الورقات، ويبدو أن الأخير أصابه القلق فقال إننا لم نذكر مساوئ الماركسية.. فجاءني مصطفى بالمشكلة وعلى الفور كتبت ورقة بأهم الانتقادات الدارجة للماركسية مثل دموية الصراع الطبقي والتناقض مع الديمقراطية والقومية والدين..الخ.. فوافق الدكتور على النشر.. وزيّن مصطفى المجلة بصورة لكارل ماركس، ولم يجد مساحة لنشر ورقة الانتقادات بالذات!!

قلبت المجلة الأوضاع في الكلية وقرأها عدد مهول من الطلاب، وكان الطلاب من كليات خرى يأتون لمشاهدة "الأعجوبة".. فأخذ ”الإسلاميون“ يصدرون مجلات يهاجمون الكفر والإلحاد و"أصحاب شهوات البطون والنساء" (وهو الاتهام الذي أذهلنا).. وعلى الفور تفتحت أعين الأمن علينا، من داخل الكلية وخارجها، وبدأت في الوقت نفسه تتوطد علاقتنا بالطلاب اليساريين في كلية الطب (وكانت تعرف وقتها بمعقل الشيوعيين)..

وأذكر أثناء مشاركتنا في اعتصام الجامعة بكلية الطب في يناير 1973 أنني قد دُعيت أثناء الليل لأتحدث للاعتصام عن حرب الشعب، أما مصطفى وهبه فقد ألقى قصيدة "كلب الست" الطويلة لأحمد فؤاد نجم، ونال إعجابًا يفوق التصور بأدائه البريء الذكي المعبر تمامًا عن شخصيته المحببة..

تكونت علاقة قوية بين مصطفى وطالب الطب محمد الكامل (طبيب السنبلاوين المناضل) مثلما تكونت علاقة قوية بيني وطالب الطب المرحوم سالم سلام (عضو اتحاد طلاب الجمهورية ووكيل كلية طب المنيا فيما بعد).. ومن الواجب البوح الآن بأنني ومصطفى انتمينا لتنظيمين سريين مختلفين، ولم يؤثر هذا على رفاقيتنا ومحبتنا المتبادلة قيد أنملة..

وقد سبقتُ مصطفى وهبه في إدراك أن صديقي/ التوءم ينتمي إلى تنظيم آخر.. لكنه لم يدرك انتمائي لتنظيم آخر إلا فيما بعد.. وكان من أصعب المواقف عليَّ محاولته تجنيدي في تنظيمه، بعدما أخذ يطلعني على تقاريره السياسية ونشراته حتى الداخلية.. وقد اعتذرت عن الانضمام بحجج واهية، متمسكًا في ذلك بألا أكشف هويتي التنظيمية أبدًا.. بعد هذا بدأنا نختلف فكريًا حول ثورة واحدة أم ثورة من مرحلتين، إلى جانب خلافات سياسية أخرى، لكن دائمًا كانت أرضيتنا في النشاط واحدة ومحبتنا المتبادلة لا يمكن اختراقها بأي حال..

أطلقت علينا إدارة الكلية (وربما الأمن) لقبًا خاصًا هو "المصطفيان".. فكان أي فعل يحدث تتم نسبته للاثنين.. وأحيانًا كانت تتم التفرقة بين مصطفى الأبيض والآخر الأسمر.. ولكن للحقيقة كنت أشعر بالذنب لأن بعض ما كنت أفعله كان ينسب لرفيقي (وربما يُحاسب عليه) لأن اسمي فيما يبدو لم يكن سهل الحفظ ("مصطفى مجدي".. فلم أكن أستخدم وقتها لقب العائلة "الجمال")..

أذكر أن مصطفى أعد مجلة حائط وضع فيها قصيدة لنجم يقول فيها "مادامت مصر ولّادة.. وفيها الطلق والعادة.. هتفضل شمسنا طالعة".. وتعلل رائد الشباب (أمين الجامعة فيما بعد والذي فُصِل من الوظيفة بتهمة الاختلاس) بأن القصيدة معيبة "أخلاقيًا" ولا يليق أن تُنشر بالكلية.. كما حدث أن تم تحويلنا نحن الاثنين لمجلس تأديب بتهمة "إثارة الطلبة في الكافيتريا".. وللمفارقة أنه قد تم تحويلي بعد ساعتين لمجلس تأديب آخر بتهمة الاعتداء بالضرب على مدرس مساعد كان عائدًا للتو من الدراسة بالولايات المتحدة (حصل بالفعل فقد كان شخصًا طاووسيًا وهو من بدأ الاعتداء بدعوي دخولي سكشن لا يخصني لمحادثة زميل دون ملاحظة وجوده لأنه كان يجلس بجوار طالبة)..

في هذا اليوم أقنع الطالب عوني غيث (وكان شخصية اتحادية محترمة وفهمت أنه كان عضوًا سابقًا في التنظيم الطليعي الذي حله السادات).. أقنع عوني المدرس المساعد صاحب الشكوي بسحبها بعد أن قال له: "إذا كان الطالب ده كل يوم والثاني عنده تحقيق أو مجلس تأديب عشان كلمتين في دماغه، وتيجي أنت تؤذيه في مستقبله الدراسي.. تفتكر هاتقدر تمشي في شوارع المنصورة!!".. وبالفعل تمت المصالحة بيننا بعدما اشترطت أن يعتذر كل منا للآخر..

في هذا اليوم ثار السخط وسط طلاب الكلية بسبب اضطهادنا.. ولا أنسى أن طالبًا صديقًا اسمه "أنور" فيما أذكر، وكان من أبطال الجمهورية في الملاكمة (وزن الثقيل).. هدد رائد الشباب صراحة أمام الطلبة قائلاً: "إذا ماشيلتوش إيديكم عن العيلين دول هانطلع نحرق لكم الإدارة"!! وعلى الفور ألغيت الإجراءات بحقنا..

مرت السنوات.. وتركت أنا المنصورة، وبقي هو فيها.. حتى صادفتني ذات يوم كتب عليها اسمه.. أخذ مصطفى وهبه يكتب قصصًا تاريخية للأطفال.. وهي بالفعل أقرب ما يكون إلى روحه البشوشة المعطاءة.. فهو من نوع نادر صادفت القليل منه في حياتي المتشعبة.. وأدعو الله من كل قلبي أن يمنّ عليه بالشفاء من مرضه فما أحوجنا إلى روحه الشفافة في زمن ضنين..