أسطورة الدولة الليلية

سامي عبد العال
2017 / 12 / 29

ليس صحيحاً أنَّ الأساطير قد غادرت الذهنية الراهنة بلا عودة. فهي تتحين وجود سرديات كبرى - باصطلاح فرانسوا ليوتار - لتعيد تنشيط reactivating ذاتها. والدولة العربية في تاريخها الاجتماعي والسياسي هي أكبر سردية تحاكي دورات الزمان والمكان. فالفصول السنوية: " صيف وشتاء وخريف وربيع " كانت تنعكس كبنية ثقافية في حياة الشعوب. وليست مجرد دورات وقتية تتغير فيها الطبيعة وتتحور الكائنات من أشكال وأنماط عيش إلى سواها. فالبيئات الرعوية لدى العرب أنتجت دولاً رعوية، والبيئات الصحراوية أفرزت دولاً صحراوية، والبيئات النهرية أفرزت دولاً نهرية، والبيئات السواحلية أخرجت دولاً سواحلية في الحياة وتقلُّب الأحوال واقتناص القوى.

على غرار ما سبق فإنَّ الدولة المشار إليها تتشقلب في اليوم والليلة كذلك. فهي ليلاً تطاول حجمها الطبيعي وتتسلق الأدمغة ولا يغمض لها جفن دون بث الرعب في قلوب مواطنيها الضعفاء. فالعسس والبصاصين كما في عصر الممالك المصري لا يتركون شاردة ولا واردة إلاَّ أحصوها. فتفقُد الرعية يأتي ليلاً مثلما تطوف ربة البيت على دجاجها، لترى أيها قد ترك بيضاً تحته وأيها ضل طريقة نحو المجهول... الدولة العربية تزور مواطنيها فجراً فيما يعرف بزوار الفجر لتأكيد الأمان والقبض على المارقين في الهزيع الأخير من الظلام. وإذا كانت بعض النباتات تتهيَّأ للنمو مساءً، فدولنا تتشابه بهذا الإطار كأسطورة تُفشل إمكانية الخروج عليها وتحُول دون تداول أسرارها. حتى ظلت هي سر الأسرار تحل وقتما تشاء وتختفي وقتما تشاء!!

وعلى صعيد السلطة لا يفوتنا أنَّها دولة تتغير بحسب " الأهواء والملل والنحل " كما يشير طرف كتاب ابن حزم الأندلسي. وهو ما يجعلها متشحة بالسواد الدامس في وجه معارضيها تحت مبررات محاربة الإرهاب ودرء المخاطر الخارجية. كما أنها تختط لنفسها طريقاً خرافياً في التعامل مع المواطنين. حين تعتبرهم فرائس لأوهام ينبغي صناعتها يومياً بشكل طازج. وفي هذا تستعمل أنياب العنف الناعم – في الاقتصاد والتعليم والصحة والتجارة - لتذليل وتعبيد الفكر والممارسة لأهداف الحكم القائم. ففي تراث العرب لم تخلو حقبة - قصرت أم طالت - من الدسائس والمؤامرات. وينطبق ذلك على فترات الخلفاء الراشدين والتابعين وتابع التابعين. جميعهم قُتلوا الواحد تلو الآخر مغدوراً بهم عبر الصراع السياسي الديني على السلطة.

لقد كانت تلك الدولة وريثة لجذر طائفي أو عرقي أو ديني أو مذهبي أو قبلي إلى أخر ظواهرها. وبالتالي لا يمكن أنْ تعيش واضحةً أمام جميع الناس وجهاً لوجه. فتلك التنويعات تحتاج إلى ليلٍّ متواصل حتى تحرق دوراتها على طريقة ابن خلدون... من النشأة والغلبة إلى الازدهار والقوة ثم الموت (الأفول). ولنلاحظ أنَّ بنية الدول العربية لا تتفكك نتيجة عوامل موضوعية لكونها لم تقم عليها ابتداءً، إنما تتفكك بفضل عوامل غير موضوعية. أي أنَّها كانت تحتاج قوة غاشمة موازية تمرح في ثغراتها للإجهاز عليها. وكانت الجماعات السلامية قد تكونت بنفس هذا القد والنحت الغاشمين بحسب الثغرات الموجودة في جدار الدول.

وهاتان القوتان - سواء أكانت الدولة أو مضادها السياسي- تؤديان الدور نفسه. أي لا بد من وجود الدسائس كمعادل موضوعي للسلطة. لأن الأخيرة بنيت عليها وكانت جزءاً من عجلتها التي تدهس الإنسان. فالجماعات الدينية هم حفار(سوس) الخشب الذي يستغل أية نقاط ضعف للنخر فيه من الداخل. والاستبداد السياسي يتيح مجال لذلك بتقويض نضج فكرة الدولة ومفاهيمها.

وإذا تتبعنا الأمر ارتدادياً من الحديث إلى القديم... فإنَّ الحاكم الذي يعدل مواداً في دستور البلاد دون الرجوع إلى أصحاب السيادة فذلك جزء من الدسائس. لأنَّه يتم بليلٍّ ورغم أنف الدستور والمواطنين. وليس صحيحاً أنَّ شعباً ما هو من يريد هكذا تعديل. فالدساتير والقوانين ليست آلة غبية أو طائشة، لكنها إعمال لمنطق كلي يحكم الدولة بناءً على ذكاء المبادئ والإجراءات. وإذا تمَّ التلاعب بها، فإنه(أي المنطق) ينكشف في مجمله بوصفه دسيسة على ذاته قبل موضوعاته. إنَّ المنطق الدستوري هو منطق غير قابل للتجزيء، ولا للإضافة ولا للتبديل ولا للتلفيق دون تحريك العجلة المنطقية التي تشكل نسيجه ككل.

ذلك الوضع كمن يريد أن يسرق الله، فأين يذهب به؟ هل يغافل موضوعه(الله) بعيداً عن الآخرين أم يغافل الآخرين بمنأى عن موضوعه؟! إنَّها المكانة التي تضع السارق في إحراج وجودي كما تضع الله فيه باستمرار. لكن الله يحتمل التناقضات والصفات السالبة والموجبة معاً. لأن كل تناقض لمواقعه - كما هو معروف في الديانات - سيرمي إلى داخله لا إلى خارجه. بينما الدساتير ليست كذلك، فكل تناقض فيها يقذف تناقضات أخرى خارجها في شكل الممارسة السياسية المختلة. إذن هي مكانة الدستور كاشفة وليست ميتافيزيقا قابلة للتداول. ولذلك كل من يعتقد أنه ما في الجبة إلا لله على طريقة الحلاج يحرق كيانه مباشرة، يحكم على نفسه بالمصير الذي لاقاه صاحب العبارة.

فصلب الحلاج ليس واقعة دينية نتيجة أقواله التي تضاد الفقهاء، لكنها مقولة في عمل اللاهوت السياسي: ماذا يكون وما هي تجلياته؟ وكأنه يقول إن من يخرج عن الإطار التقليدي الشائع سيصلب عليه كما صُلب المسيح. فكيف بمن يحشر أنفه في تغيير الدستور بتلك الطريقة؟ وكيف بمن يحاول مراقبة المجال العام؟! بهذه الطريقة جاء صلب المواطن العادي فوق قوائم الأسعار وتحت خط الفقر وضمن قوائم الأمراض والتهميش والهروب عبر البحار والمحيطات!!

الدساتير فيما لا تعلمه الدولة العربية هي شطب ميتافيزيقا السلطة بمبادئ يقبلها الشعب واقعياً. لأنَّ التلاعب بها يهدد الهيكل العام كله بالانهيار. وهي من ثم ميتافيزيقا أرضية كانت العلمانية دقيقة في وضعها لتستبدل، لتحلل، لتأخذ ذات المكانة التي للمقدس في سياق السياسة. أي بدلاً من أن تُحكم المجتمعات باسم المقدس من قبل طبقة السادة والدهاقنة والكهان واللاهوتيين، فإن الدولة لم تترك منفذا حتى تملأ كل ثغراته الباقية. بحيث لم يعد مبررا التحكم في البشر عن طريق القفز فوق نظام الدولة الذي يضع آلياته وبدائله الذكية.

وإذا كان البعض يرى ضرورة استحضار المقدس عن طريق إرادة الشعب، فالإرادة هنا عامة بما لا يجعلها تنحو نحو العلُّو الذاتي. وهي أفقية باستمرار كما في التنوع البشري والاختلاف الثقافي والاعتقادي والاتجاهات الفكرية والاجتماعية. من ثمَّ تنقلب كل مؤامرة على الدولة إلى مؤامرة على الشعب. ليس تلقائياً- لأن الشعوب هي مصدر السيادة وهذا كلام نظري لدى العرب- بل لأنَّ الدولة لها جوانب تتعطل وتُعاق لو تم التلاعب في أحد أركانها.

إنَّ ممارسة السياسة لدينا بمعاني الدسائس كما في قديم العرب ُفرِّغ الدولة من محتواها العملي. وجعلها مجرد عطالة سلطوية تتبدل عليها الأحوال لاختلاطها بما ليس فيها. وهذا مغاير تماماً للبرجماتية السياسية والمصلحة العامة بلغة يورجين هابرماس. فالمصالح تقوم على المعرفة المكافئة لطريقة عمل الدولة حين تكتفي بنظامها القادر على إدارتها دون تدخلات ولا مؤامرات. وكل مصلحة عامة لا تنفصل عن بنية الوظائف التي تقرها الدولة لأجل الكل لا الأفراد. والوظائف نظام معرفي يتشبع به – أو هكذا يفترض- فاعلوها الشرعيون باسم القانون.

إذن لا يوجد هناك سقف أعلى عصي على التغيير في مفاهيم الدولة المعاصرة حتى نلجأ إلى الدسائس. وبذات الوقت لا توجد دولة ممكن خطفها بطريقة مقلوبة. لأن العلمانية تقول أين ستدير الدولة بعيداً عن أعين الناس. وهو ما يعرف بالمراقبة والمتابعة والنقاش العمومي لمشكلات السلطة وقراراتها.

إنّها ورطة الثقافة العربية تاريخياً: أن الدسائس هي طرائق عمل وجذور وأبنية داخل الدول. وعندما جاءت عليها مفاهيم الحداثة، لم تكن لتجدي نظراً لأن أساسها الثقافي والمعرفي والعقلاني غير موجود. ولئن وجد فإنها أسس خرافية تعيد دورات الأساطير إلى العمل في بيئات هي أصلاً تحيى بها. لكونها – أي الأساطير- تعشعش في الذهنيات الدينية والشعبوية والسياسية والاجتماعية.

ويصبح على الحاكم أنْ يصنع أسطورته الخاصة، يخلق خرافته النوعية التي تكون مهولة ومدمرة وباتة وقاطعة حتى يقنع العقل الجمعي كإطار قطيعي ضبابي. لقد جرت آلية العمل في الدولة العربية كالتالي: أنَّ الدسائس تركت فيها فجوة بحجم تكوينها ذاته. وكان ينبغي تاريخياً نقد هذا الحال وتجديد الأسس التي تقام عليها من عدالة ومساواة وحرية وحقوق إنسانية وتداول السلطة. ولكن لأن الدسائس مرتبطة بتحولات سياسية واجتماعية لم يستطيع العقل العربي أنْ يتخلص منها، فكان يستعيض عن فاعلية الدسائس بالاستحواذ على السلطة حتى يدير الدولة. وهذا ما ضخَّم الجانب الأمني البوليسي على التنمية والتطور والتنوع. إذن هذا التشويه المتواصل ظل مبثوثاً في التربية والتعليم والمناسبات والثقافة الجارية وتكوين الأحزاب وممارسة الديمقراطية. واستطاع أن يتكيَّف مع أنماط الاعتقاد الديني. الاعتقاد الذي دفع الحكام لمحاربة دولهم بالتسلح بترسانة من الفقهاء وأصحاب الفتاوى والكهان الجدد في كل عصر.

وإذا كانت الدولة – كمفهوم – يجب أن يعيش في الوضوح والشفافية، فتلك الممارسات عادة ما تمر بسلام في السياق العربي. لكنها تعيد لي الدولة على ذاتها كأنَّها " تنين توماس هوبز"، فهي حقيقةً تدمر منطقها. وتتيح فرصاً متتالية للنيل من آليات عملها في العقول والواقع. وليس غريباً على الإطلاق أنْ يتآمر بعض العرب على بعض العرب وأنْ تدار دولهم بالدسائس والفتك بالآخرين.. هذه هي القاعدة، هذه هي الدولة الليلية التي تطلق العسس مع انطفاء نور الشمس واستئثار القمر على أبواب الكباريهات والحانات وعلب الليل.

الدولة الليلية هي الوجه السياسي الأسطوري للاستبداد. دولة تدعونا للسهر على إيقاع المراقبة والقبضة الحديدية. ولذلك نجد السياسيون يتراقصون فوق أحبال الخيال العام ويقدمون النخب والوصلات الراقصة استعباداً للشعوب المنكوبة ونهب ثرواتها. وما لم تكن السيادة لهذه الشعوب ستظل حبيسة داخل القفص لا تجد ما تأكله ولا ما تنتجه ولا ما تتعلمه سوى بضع حركات تخص قطعان القرود.