الخروج من المتاهة - 3

أيمن عبد الخالق
2017 / 12 / 29

الخروج من المتاهة – 3
" نحن اليوم لا نفتقد الإيمان وقوة الإيمان، بل نفتقر الى المعرفة الصحيحة والمنطقية والعلمية بالقضايا التى نؤمن بها" – على شريعتى
o كنا قد تكلمنا عن معنى المبادئ الفكرية الصحيحة التي ينبغي أن ننطلق منها في تفكيرنا، وقلتم أنها المبادئ التي تكون واضحة بنفسها أمام العقل، وضربتم لنا بعض الأمثلة الرياضية والفيزيائية، وهي في الواقع مبادئ واضحة كما تقولون، ليست محلا للنزاع.
• نعم صحيح ...لأنها مبادئ محسوسة وملموسة.
o ولكن وكما تعرف أنّ هكذا مبادئ حسية لاتنفعنا في بناء رؤية فلسفية عن الحياة، أو تشكيل منظومة أخلاقية إنسانية، لأنها تتعلق فقط بالموضوعات المادية، لا المعنوية.
• أعلم ذلك جيدا... ولكني أردت فقط أن أضرب لك أمثل سهلة ومأنوسة عند الجميع، لكن المبادئ الصحيح الواضحة عند العقل أعم وأهم من ذلك بكثير.
o هذا ما اشتاق بالفعل إلى معرفته، وهو ماتوقفنا عنده في حوارنا الأخير، فما هي هذه المبادئ غير المحسوسة، والواضحة عند العقل؟
• ما أسرع ماتنسى الماضي، حيث تكلمنا عن قوانين التفكير الصحيح.
o نعم اتذكر ولكن اعذرني لمرور فترة زمانية طويلة، وكما يقولون آفة العلم النسيان
• دعني أبينها لك في هذه المرة بنحو اخر... هذه المبادئ الرياضية والفيزيائية التي حكمت بوضوحها وصحتها، هل تقبل أيضا بكذبها؟
o لابالطبع...كيف أصدقها وأكذبها في نفس الوقت.
• إذن فقد حكمت باستحالة اجتماع الصدق والكذب بقضية معينة.
o هذا أمر بديهي وواضح عند كل انسان.
• وهل هذا المبدأ البديهي والواضح ، هو مبدأ محسوس له شكل ولون وزمان ومكان كموضوعات الفيزياء والرياضيات؟
o لا طبعا.
• وهل هو برأيك مختص فقط بالأحكام الرياضية والفيزيائية؟
o اكيد لأ...لايمكن لأي انسان أن يصدق بأي شيء ويكذبه في نفس الوقت، سواء كان هذا الشيء رياضيا أو طبيعيا أو حتى وراء الطبيعة، هذا مبدأ عام.
• نعم، فلايمكن للانسان مثلا أن يصدق بوجود الله ويكذب بوجوده، أو يصدق حتى بوجود الملائكة الشياطين ويكذب بها في نفس الوقت.
o هذا محال بالفعل.
• إذن فقد تبين لنا وجود مبدأ صحيح وبديهي وواضح عند كل العقول، مع كونه غير محسوس ولا ملموس، ولامجرب، وهو استحالة اجتماع الصدق والكذب، وهو مايسميه الحكماء مبدأ امتناع التناقض.
o نعم هذا أمر في غاية الوضوح، بل لايمكن لنا أن نعتقد بصحة أي قضية رياضية أو فيزيائية، أو حتى دينية أو تاريخية، إلا بعد التسليم بصحة هذا المبدأ.
• وهذا معنى أصالة العقل البرهاني الإنساني، وتقدمه على العقل التجريبي أو الديني أو التاريخي
o وهل هناك مبادئ أخرى عقلية صرفة غير هذا المبدأ؟
• بالطبع هناك مبادئ كثيرة، مثل مبدأ الهوية، وهو أن كل شيء هو نفسه، ويستحيل أن يكون غيره، فالانسان إنسان بذاته، ويستحيل أن يكون غيرذلك، وأيضا قاعدة أن كل شيء لايكون له الوصف من ذاته، فيكون له من غيره بالضرورة، أو مايعبر عنه بأنّ ((فاقد الشيء لايعطيه))، وأيضا، مبدأ إذا كان (ب) وصف لازم ل (أ)، و(أ) وصف لازم ل(ج)، فحتما (ب) وصف لازم ل(ج)، وتسمى بقاعدة التلازم، وكذلك مبدأ أن المتوقف في وجوده على شيء، ينتفي بانتفاء هذا الشيء، ويسمى ب((بأصل السببية)، وأن الشيء الذي لادليل على وجوده، لاينبغي أن نصدق بوجوده، وكذلك أيضا الكثير من المبادئ العقلية العملية، التي تبتني عليها القيم والاداب الأخلاقية والاجتماعية، مثل حسن العدل، وقبح الظلم، وحسن الأمانة ، وقبح الخيانة، ، حسن الحرية، وقبح الاستبداد، وحسن النظم، وقبح الفوضى، وحسن الوفاء بالعهد، وقبح الغدر..وغير ذلك من المبادئ العقلية المحضة، والتي بدونها لايمكن أن نستدل أو ننقد، أو نصدق، أو نكذب بأي شيء.، بل بدونها لايمكن أن نمدح أو نذم أي فعل اخلاقي او اجتماعي.
o سبحان الله! ...كيف يغفل الناس عن هذه المبادئ العقلية العامة والضرورية لأي اعتقاد أو أي استدلال علمي، أو سلوك اجتماعي، والتي يستعملونها بتلقائية في كل حياتهم، ومع ذلك يزعمون أنه لاتوجد مبادئ يعتمد عليها إلا المبادئ الحسية والتجريبية؟!، ويحصرون أحكام العقل فقط في المسائل الرياضية والفيزيائية.
• نعم...وهذه هي المشكلة الكبرى للإنسانية، عندما جهلوا أو تجاهلوا هذه المبادئ العقلية الإنسانية، واهتموا فقط بالمبادئ والقيم الحسية والمادية، مما أوقعنا في هذه الازدواجية المأساوية، حيث نرى المجتمعات البشرية قد تطورت ماديا، وتخلفت معنويا وأخلاقيا، فعمّ الظلم والاستبداد والفساد، والتطرف الديني، والصراعات المذهبية، والسياسية، جميع مناحي الحياة الاجتماعية.
o ولكن في النهاية، كيف يمكن لهذه المبادئ العقلية أن تخرجنا من هذه المتاهات؟
• لقد سبق وأن قلت لك، أنه لاسبيل للخروج من هذه المتاهات إلا إذا تذكرنا كيف وقعنا فيها، وماالذي أوقعنا فيها، وهذا التذكر إنما يكون عن طريق فحص المبادئ الفكرية ألأولى التي زرعها أصحاب المتاهات في عقولنا، وبنينا عليها رؤيتنا في الحياة، وكل قيمنا ومبادئنا السلوكية، ثم نقوم بفرزها وتصفيتها، بحيث لانقبل منها إلا المبادئ الواضحة عند عقولنا، لنجعلها معيارا لأفكارنا بنحو مستقل عما يريده صناع المتاهة، لأن الانحراف عن هذه المبادئ العقلية هو الذي أوقعنا في هذه المتاهات.
o إذن نحن نحتاج في الواقع إلى إعادة صياغة وتقنين لكل أفكارنا ومبادئنا الفكرية من جديد، حتى نتمكن من التحرر من هذه المتاهات، وهذا يحتاج في الحقيقة إلى ثورة فكرية
• أكيد...نحن نحن نحتاج إلى ثورة فكرية حقيقية، قبل التفكير في ثورة سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، وأي محاولة للإصلاح أو التغييرمن داخل المتاهة، فلن تجدي شيئا، وستبؤ بالفشل، لأنها ستكون من خلال نفس قوانين المتاهة التي وضعها أصحابها ومؤسسوها، ولن تؤدي إلا لبعض التغيير في مواضعنا داخل المتاهة، لا إلى الخروج والتحرر منها، ولك أن تعتبر بتاريخ الحركات، والنهضات، والثورات الشعبية على مر االتاريخ، فهم ينقلوننا من متاهة إلى أخرى.
o ولكن كيف يمكننا تحقيق ذلك على أرض الواقع؟
• هذا طريق طويل وشائك، وليس مفروشا بالورود، ولكن علينا أن نسلكه بالصبر وبقوة الارادة، بالتفكير الصحيح أولا، وبالتخطيط الحكيم والواقعي ثانيا، وربما يحتاج بيان ذلك إلى جلسات أخرى تفصيلية، لعلنا نوفق إليها في المستقبل، وليس يمكننا أن نصلح في يومين ماأفسده الدهر في قرون، ولكن معرفة كيف نبدأ، ومن أين نبدأ مسيرتنا الطويلة،هو أمر في غاية الأهمية والخطورة، لأنه بمثابة الأساس والمنطلق االأول لنا، نحو تحقيق غايتنا العليا في تحقيق الحرية الحقيقية، والعدالة الاجتماعية، والحضارة الإنسانية.