الصناعة والزراعة هما قاعدتا التنمية والتقدم الاجتماعي في ظل نظام ديمقراطي علماني بالعراق

كاظم حبيب
2017 / 12 / 29

منذ بدء تأسيس "معهد التقدم للسياسات الإنمائية" في العام 2005 عمد رئيس المعهد الفقيد الدكتور مهدي الحافظ على مناقشة جملة من المسائل الجوهرية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالعراق، وبشكل خاص موضوعات مثل التنمية الاقتصادية والسياسات المالية والنقدية ودور ونشاط المصارف الخاصة وقضايا النفط، إضافة إلى موضوعات مثل الفساد المالي والإداري. كما وجد ذلك تعبيره في مجلة المعهد "الحوار. وكان غالباً ما يستدعي خبراء ومختصين بتلك الشؤون الاقتصادية وجمع من الحضور المهتمين بهذا الشؤون أيضا. وكانت تلك الندوات مهمة وحيوة وتثير النقاش، وغالباً ما كنت أرسل تعليقاً قصيراً للصديق أبا خيام حول تلك الندوات. وكنت أرى بأن من الضروري دعوة الشباب من أساتذة وطلبة الجامعات والكليات ببغداد، إضافة لمن كان يحضر ممن يقتربون من عمري وعمره، لأهمية دور الشاب وقدرتهم على التجديد واقترابهم من أحدث ما حصل في المجالات العلمية الاقتصادية والاجتماعية.
كان الهم الأساسي الذي يحمله الإنسان العراق المختص في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية وبخلفية سياسية ديمقراطية هو مدى قدرة حكام الدولة العراقية الإجابة عن الأسئلة التالية: كيف يمكن للعراق أن يتخلص من الطابع الريعي الاستهلاكي غير الإنتاجي للاقتصاد العراقي؟ وكيف يمكنه أن يسرع عملية التطور الاقتصادي والتقدم الاجتماعي وتحقيق الرفاه والازدهار للاقتصاد والمجتمع والحياة الثقافية والبيئية بالاستفادة الفعلية والضرورية من ثروته النفطية، وهي ثروة ناضبة وللأجيال القادمة حق فيها، وهو القطاع الرأسمالي الأكثر تقدماً وحداثة، وما يملكه العراق من طاقات علمية وفنية في الداخل والخارج، إضافة إلى شعب مستعد للعمل حين تتوفر له الحياة الحرة والديمقراطية ومؤسسات دستورية وينعم بالطمأنينة والاستقرار والسلام والعيش بكرامة؟ وما هو النظام السياسي القادر على معالجة هذه المشكلات، ومن هي القوى الاجتماعية التي يهمها تحقيق ذلك؟ والكثير من الندوات السابقة للمعهد ناقشت هذه الأسئلة وسعت للإجابة عنها بتصورات عديدة متقاربة ومتباينة.
خلال السنوات المنصرمة حاولت، كما حاول اقتصاديون كثيرون، الدلو بدلوهم في هذا المجال من باب الاختصاص والاهتمام، ولاسيما فيما يخص النموذج الاقتصادي والنهج الفعلي المنشود والسياسات العملية الملموسة وطبيعة الحكم التي يمكنها معالجة المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد العراقي على المديين المتوسط والبعيد، ومنذ الان.
آخر تقرير وصلني من السادة الأفاضل المشرفين على إدارة معهد التقدم للسياسات التنموية مشكورين يدور عن الندوة الاستذكارية لاثني عشر عاما من عمر المعهد وبعد وفاة مؤسسه الصديق الدكتور مهدي الحافظ والتي ساهم فيها السادة الدكتور مظهر محمد صالح، المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، والشخصية السياسية الديمقراطية الدكتور محمد الحاج حمود، الوكيل الاسبق لوزارة الخارجية، والمتحدث الرسمي لوزارة التخطيط، عبد الزهرة الهنداوي، ورئيس تحرير مجلة الحوار، وأدارها الشاعر شوقي عبد الأمير. ومع إن الندوة خصصت ا لقراءة اثار المرحلة الماضية من عمر معهد التقدم للسياسات الانمائية خلال اثني عشر عاما منذ تأسيسه عام 2005، إلا إن الأخوة الباحثين والمناقشين طرحوا السياسة الاقتصادية المنشودة بالعراق والأوضاع التي يمكن أن تتحقق فيها الأهداف من خلال رؤية الدكتور مهدي الحافظ.
طرح الدكتور مظهر محمد صالح رؤية الدكتور مهدي الحافظ "مؤكدا ان الراحل وضع مرتسما لمستقبل الاقتصاد العراقي من خلال مذهب خاص وهذا المرتسم بدأت الحكومة تستفيد منه الان في تحديد مسار الاقتصاد الوطني ، مبينا ان هذا الاقتصاد غادر وصف المركزية الشديدة إلى دولة السوق ، وخلال العشرة سنوات الماضية كانت عبارة عن محطات اختبار في معهد التقدم ، فقد اعتمدت الدولة الثروة النفطية اساسا لتأسيس شيئا من العدالة من خلال التوظيف الهائل الذي تحول إلى سوق عمل ، وكان هم الدولة هو التوزيع وليس الانتاج ، فبلغ منتسبي الحكومة بجميع اصنافهم نحو 8 ملايين انسان وان متوسط دخل الموظف الحكومي هو ضعف متوسط دخل الفرد في الناتج المحلي الاجمالي ، وهذا ادى فقدان جدول اعمال التنمية وغياب الرؤية التنموية ، ومعنى هذا ان السوق لموجود هو سوق هش لأنه ينشد الربح السريع الذي يندمج بالعولمة .. مشيرا إلى ان ذلك إلى هروب رؤوس الاموال ومنها البشرية فضلا عن الأموال ، ما ادى إلى استقرار دالة الانتاج خارج البلاد." ثم أكد الدكتور مظهر محمد صالح إن شروط تحقيق السوق الاجتماعي بقوله "إن اعادة دالة الانتاج إلى البلد يتطلب توافر ثلاثة شروط ، تحقيق السوق الاجتماعي وخلق دولة تشاركية ولا تنظر إلى السوق بانه ملحق لها فهناك 6 ملايين عامل في القطاع الخاص يمكن ان يرتفع العدد إلى 10 ملايين انسان وهذا يتطلب وجود رؤية واضحة في هذا الجانب .. مشيرا إلى ان هدف تحقيق العدالة من قبل الدولة المتمثل بالتوظيف كان يزداد كلما زادت ايرادات النفط فتضاعفت الرواتب عدة مرات ولم يعد بالإمكان اعادتها إلى سابق عهدها بعد تراجع اسعار النفط ، .. والخطر يكمن في ان على القطاع الخاص مسايرة القطاع العام في زيادة الاجور وهذا غير ممكن ما ادى إلى العزوف عن العمل فيه والتوجه نحو القطاع العام .. مؤكدا ان البطالة لم تنخفض دون العشرة بالمئة بسبب المتلازمة الخطرة بين القطاعين العام والخاص .. مضيفا ان توجه الدولة اليوم هو نحو خلق السوق الاجتماعي ، والجانب الثاني هو تمويل السوق وهذا مصدر مهم للاقتصاد العراقي من خلال التنويع الاقتصادي بعيدا عن النفط ، بالإضافة إلى حماية السوق .. مبينا ان الدولة تحتاج إلى عدد فاعل من الموظفين والقضاء على الفساد وادامة التنافسية داخل المجتمع الاقتصادي .. ".
أما الدكتور محمد الحاج حمود فقد أكد إن "المرحوم الدكتور مهدي الحافظ كان يؤكد على ثلاثة مسارات أساسية، المسار الاول هو الاقتصاد بجميع فروعه، والثاني هو محور الوضع السياسي الداخلي القائم على الطائفية والمحاصصة فكان هاجسه ان يثير هذا الموضوع والمناقشات حول خطره على المجتمع العراقي، اما المسار الثالث فيتعلق بمحور العلاقات الدولية.".
أرى بأن الأفكار التي طرحت في هذه الندوة مهمة وتستوجب المناقشة والحوار، إذا ما ارتبط ما طرحه الدكتور محمد الحاج حمود بما طرحه الدكتور مظهر محمد صالح، أي أن يكون المجتمع العراقي قد تخلص من مسائل جوهرية كثيرة، أشير إلى بعضها بالتسلسل الآتي، إذ بدون ذلك لا يمكن تحقيق التغيير المنشود في الاقتصاد والمجتمع:
أولاً: الخلاص الفعلي والجاد من النظام السياسي الطائفي الحاكم، إذ بدون ذلك تبقى الرثاثة الفكرية والسياسية والاجتماعية وكذلك الاقتصادية هي السائدة، وهي التي تميز الواقع الراهن، بالبلاد. إنه المحك الأساسي لأي تغيير جذري وعقلاني الذي يسمح بممارسة سياسية اقتصادية جديدة وحديثة والأخذ بالسوق الاجتماعي. وهذا التغيير يتطلب تغييراً في ميزان القوى السياسية والاجتماعية في المجتمع العراقي، والذي يطرح بدوره العمل على تشكيل تحالف ديمقراطي واسع يضم اليساريين واللبراليين والمستقلين المناهضين للطائفية السياسية ومحاصصاتها في الحكم. والشخصيات المتدينة المؤمنة بفصل الدين عن السياسة والدولة. فلا بد من إبعاد المؤسسات والمرجعيات الدينية عن المشاركة في الحياة السياسية، سواء أكان إيجاباً أم سلباً.
ثانياً: الفساد المالي والإداري، وهما نتاج منطقي وطبيعي للنظام الدكتاتوري الشوفيني البعثي السابق واستمرارهما وتفاقهما في النظام السياسي الطائفي بحيث أصبحا يشكلان نظاماً سائداً بالبلاد لا يمكن قلعهما بالشعارات والادعاءات بمحاربة الفساد والإصلاح، ما لم يجرِ تغيير النظام السياسي الذي عمق الظاهرتين ووسع دائرة ممارستهما وحافظ عليهما ورعاهما باستمرار. فالوعود بمحاربة الفساد لا تشمل رؤوس الفساد في الدولة العراقية بل ذيولهم لا غير.
ثالثاً: هذين الشرطين يسمحان بالتوجه نحو تنقية العامل الثالث الذي أشار إليه الدكتور محمد الحاج حمود، وأعني به العلاقات الإقليمية والدولية مع إيران والولايات المتحدة الأمريكية. فالعلاقة القائمة بين إيران والعراق هي تبعية الثاني للأول وخضوعه للهيمنة العسكرية والاقتصادية السياسية والثقافة المجتمعة التي يحاول تكريسها بالعراق. إن القوى الحاكمة الراهنة غير مستعدة وغير قادرة وغير راغبة على تحقيق ذلك، أي إقامة علاقات سوية ومتكافئة وعقلانية بين العراق والجارة إيران، وبين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يحتاجه العراق لتأمين أفضل العلاقات مع بلدان العالم كافة. ومن يرغب برؤية دور إيران بالعراق يطالع الصحف الإسلامية ليجد صور قاسم سليماني الإيراني تتصدر واجهات الصحف العراقية ودوره في حضور اجتماعات تلك القوى الإسلامية السياسية الحاكمة الخاضعة لإيران!
رابعاً: إن هذه التوجهات هي التي تفسح في المجال للعراق أن يضع توجهات وتنبؤات آفاقية وخطط استراتيجية للتنمية المستدامة، للتنمية الاقتصادية والبشرية وحماية البيئة وإيجاد معادلة عقلانية سليمة بين التنمية الاقتصادية والبشرية من جهة وتنظيف البيئة وحمايتها من التلوث على المستوى الوطني. أي الأخذ بنموذج اقتصادي يتناغم مع واقع العراق الاقتصادي والإمكانيات والطاقات المتاحة ومتطلبات أو حاجات التنمية المستدامة، ولاسما تنمية القطاعين الصناعي والزراعي واعتماد ثلاثة قطاعات من حيث الملكية، قطاع الدولة والقطاع الخاص والقطاع المختلط، إذ إنهما حاجة ملحة وليس ترفاً تطوير وتنمية واستخدام هذه القطاعات الاقتصادية لعقود لاحقة. والحديث عن التنمية موجود على الورق وليس في الممارسة.
إن العراق دولة نامية هشة، متخلفة، ريعية، استهلاكية وفاسدة ومكشوفة على الخارج تصديراً واستيراداً، أي تابعة، في آن واحد، وهي بعيدة كل البعد عن القدرة والكفاءة في استخدام السوق الاجتماعي في إطار العلاقات الإنتاجية الرأسمالية الوطنية من جانب الحكم الحالي أولاً، رغم الشروط التي طرحها الدكتور مظهر لممارسة السوق الاجتماعي، كما إنها بعيدة كل البعد عن فكر وتفكير الأحزاب السياسية الإسلامية الحاكمة وممارساتها الفعلية والتي عرفها وعاش تحت وطأتها الشعب العراقي بكل مرارات وكوارث ومصائب السنوات الـ 14 المنصرمة. إن ممارسة السوق الاجتماعي لا يخضع لإرادة ذاتية أو رغبات، بل هي عملية تستوجب مستلزمات كثيرة لا نجد واحداً منها بالعراق، لهذا لا أرى ما يسمح بقبول الفكرة الآتية التي طرحها الدكتور مظهر محمد صالح، "... مضيفا ان توجه الدولة اليوم هو نحو خلق السوق الاجتماعي، .." الوارد في كلمة الدكتور مظهر محمد صالح، علماً بأن المقدمات التي طرحها الزميل في مداخلته لا تسمح بالخروج بمثل هذا الاستنتاج، مع كل الود والاعتزاز بالزميل الفاضل الأستاذ الدكتور مظهر محمد صالح. (ملاحظة مهمة: لا أدري مدى دقة نقل هذه الفكرة من جانب كاتب التقرير، ك. حبيب) فالدولة العراقية بسلطاتها الثلاث بعيدة كل البعد عن هذا التفكير الذي يفكر به الدكتور مظهر محمد صالح أو فكر به الدكتور مهدي الحافظ. إنها خزين رثاثة تراكمية عبر سياسات صدام حسين ونظامه الفاشي الاستبدادي وسياسات نوري المالكي المستبد بأمره ونظامه الفاسد واستمرار المحاصصة الطائفة في الحكم!
لقد حاورت في حينها وناقشت الدكتور برهم صالح، وكان نائباً لرئيس الوزراء ومسؤولاً عن الملف الاقتصادي بصدد السياسة التي كان يحاول دفعها للتنفيذ في ظل نظام سياسي طائفي، والتي لم تكن تتناغم مع حاجات العراق ومتطلبات التنمية المستدامة. وبهذه المناسبة أعيد نشر بعض حلقات تلك المناقشة التي نشرتها في سلسلة حلقات بين 09/05/-31/05/2009، حيث أشرت فيها إلى موضوع السوق الاجتماعية، كما نشرت مقالات أخرى أشرح فيها مستلزمات ممارسة نهج أز سياسة السوق الاجتماعي في ظل النظام الرأسمالي بالعراق.
نقاش اقتصادي مفتوح وصريح مع السيد الدكتور برهم صالح نائب رئيس الوزراء العراقي
المدخل
تابعت بعناية مستمرة خطب وتصريحات ومقابلات السيد الدكتور برهم صالح، نائب رئيس الوزراء العراقي، وبشكل خاص تلك المتعلقة بالشأن الاقتصادي العراقي، وكان آخرها مقابلته الصحفية مع "فضائية الشرقية" التي نشرت في نشرة "الإنصات المركزي" التابعة لهيئة الإعلام المركزي في الاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 5/5/2009، وقبل ذاك خطابه في مؤتمر الاستثمار الذي عقد أخيراً في لندن. وما عرضه الدكتور صالح من أفكار واتجاهات في السياسة الاقتصادية التي يسعى إلى تحقيقها في العراق تستحق المناقشة وإبداء الرأي بشأنها، إذ لم تطرح مثل هذه الأفكار من أي مسئول عراقي حتى الآن بمثل هذا الوضوح لما يريده للعراق خلال السنوات القادمة. ولا شك في أن القضايا السياسية التي يطرحها هي الأخرى تستحق النقاش ايضاً لأهميتها في العملية السياسية الجارية في العراق، إلا أني سأوجل النقاش حول الأفكار السياسية المهمة التي طرحها لوقت آخر وأركز على السياسة الاقتصادية التي يريد للعراق أن يتبناها ويسير عليها.
إن مناقشتي لأفكاره، سواء بالتأييد أو الاختلاف، ستنصب على عشر نقاط جوهرية، يمكن صياغتها على شكل أسئلة فيما يلي:
1. هل كان اقتصاد الدولة في العراق اقتصاداً اشتراكياً حقاً، كما يشير الدكتور برهم صالح أم شيئاً آخر، وما هو الموقف من قطاع الدولة الاقتصادي؟
2. وهل يمتلك العراق استراتيجية اقتصادية، أم لا يزال يراوح في مكانه رغم مرور ست سنوات على سقوط الفاشية السياسية في العراقي؟
3. وما هو الموقف من البنية التحتية المخربة، ومن يفترض أن ينهض بها؟
4. وما هو الموقف من القطاع الصناعي العراقي، وهل يجوز إهماله، كما عليه الآن؟
5. وكيف يفترض معالجة المسألة الزراعية؟
6. وكيف يفترض أن يعمل القطاع التجاري العراقي، وهل الهدف قطع الطريق على تصنيع البلاد؟
7. وما هو الموقف من الاستثمارات الأجنبية، وكيف يمكن تحريكها صوب الاقتصاد العراقي؟
8. وهل يعبر معدل حصة الفرد الواحد من الناتج المحلي الإجمالي عن تحسن فعلي في حياة الشعب، وما هي أهمية هذا المعيار في العملية الاقتصادية في العراق وفي حياة الناس؟
9. وكيف يفترض معالجة المشكلات الاقتصادية بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كُردستان العراق؟
10. وكيف يفترض معالجة قطاع التأمين وإعادة التأمين في العراق ليلعب دوره الاقتصادي وكاحتياط ضروري لثروات العراق؟
لا شك في وجود أكثر من مسألة أخرى في مطالعات وتصريحات وخطب ومواقف السيد الدكتور برهم صالح التي يفترض وضعها على طاولة النقاش، سواء أكان الإنسان متفقاً معه أو مختلفاً معه بشأنها، ولكني سأكتفي بمناقشة هذه النقاط العشر في حلقات عدة لكي تصبح موضع نقاش مفتوح بين جمهرة الاقتصادين من النساء والرجال في داخل العراق وخارجه.

الحلقة الأولى: طبيعة الاقتصاد وقطاع الدولة في فترة حكم البعث الدكتاتوري
هل كان اقتصاد الدولة في العراق اقتصاداً اشتراكياً حقاً أم شيئاً آخر، وما هو الموقف من قطاع الدولة الاقتصادي؟
جاء بشأن هذه النقطة في تصريحات السيد الدكتور برهم صالح ما يلي:
"هناك إجراءات مهمة لنتذكر ايضاً السياق العراقي له إرث إداري وقانوني كبير متعلق باقتصاد الدولة واقتصاد الاشتراكية نحن نتحول من ذلك الإرث إلى ما نريده من اقتصاد مفتوح، ..." ص 3 من حواره مع فضائية الشرقية.
فهل هذا التقدير صائب؟ كل الدلائل التي تحت تصرفنا تؤكد بأن السيد الدكتور برهم على خطأ فادح حين يعتقد بأن الاقتصاد العراقي في فترة حكم حزب البعث وصدام حسين كان اشتراكياً. فمن عاش في العراق ومن عرف الاقتصاد العراقي حينذاك عن كثب ومن عمل في المجال الاقتصادي يدرك دون أدنى ريب عدداً من القضايا الجوهرية، وهي:
1. إن الدولة العراقية في عهد حزب البعث وقيادة صدام حسين كانت دولة شمولية مطلقة، دولة من حيث السياسة والممارسة فاشية، وكانت دولة تقوم في أحسن الأحوال على أساس "اشتراكية الحزب النازي" الرأسمالية الصرفة، ولكن وفق أوضاع اقتصاد متخلف وتابع، ولم يكن لهذا الاقتصاد أية صلة بقوانين الاقتصاد الاشتراكي بأي حال.
2. وأن ملكية الدولة لرأس المال لم يحولها إلى دولة اشتراكية، بل كان الاستبداد والقرارات الفردية هما المهيمنان على هذا الاقتصاد ويعمل لمصلحة النخبة الحاكمة والقوى البيروقراطية المهيمنة على أجهزة الدولة والمتحكمة بحركة ونشاط وموارد قطاع الدولة.
4. وأن الإدارة الاقتصادية في هذا القطاع لم تنهض على أسس اقتصادية، سواء أكانت رأسمالية أم اشتراكية، ولم تخضع للقوانين الاقتصادية الموضوعية، ومنها قوانين السوق، كما لم تلتزم بالمحاسبة الاقتصادية والحساب الاقتصادي، بل كانت تنشأ على وفق رغبات وقرارات فوضوية ولا تمت إلى الجدوى الاقتصادية والاجتماعية باي صلة.
5. كما أن الأداة الرئيسية لوجهة التنمية في العراق تمثلت بما أطلق عليه بـ "التنمية الانفجارية"، التي فجرت الحياة الاقتصادية والاجتماعية حقاً، وقبل ذاك السياسية في المجتمع بأسره ولم يحصد المجتمع من هذا النظام وسياساته غير الركام والرثاثة.
6. وقد اقيمت هذه المشاريع على أسس غير اقتصادية وبذخية في فترة الفورة النفطية وما بعدها وحين كان وزير الصناعة العراقي السابق طه الجزراوي يقول "نريد الأفضل ونمتلك النقود". ومن خلال هذه المقولة وغيرها تم التفريط الفاحش بأموال الشعب بصورة غبية وفاسدة.
ومن هنا نقول أن الاقتصاد العراقي وقرارات السلطة العراقية حينذاك لم تكن اشتراكية ولا تمت للاشتراكية بصلة، كما لم تكن رأسمالية، بل كانت تخبطاً من جماعات لا ذمة لديها ولا ضمير.
إن هذا الواقع وما تسبب به النظام السابق يفترض أن لا يعني بأي حال بأن على العراق أن يبتعد كلية عن أن يكون له قطاعاً اقتصادياً حكومياً بمستوى معين ومجالات اقتصادية معينة، سواء أكان ذلك في مجال اقتصاد النفط الاستخراجي أم في القطاع الصناعي التحويلي، أم في قطاعات البنية التحتية (الهياكل الارتكازية)، بل لا بد من ذلك في اقتصاد متخلف ومدمر مثل الاقتصاد العراقي الذي يستوجب ويحتاج كل الطاقات والإمكانيات والكفاءات لإعادة بناء الاقتصاد العراقي ووضعه على السكة السليمة التي تساهم في تغيير بنيته الراهنة لصالح بنية اكثر توازناً وتكاملاً.
إن مشاركة الدولة في التنمية الاقتصادية من خلال قطاعها الاقتصادي لا يعني الاشتراكية، بل الرأسمالية بعينها في مرحلتنا الراهنة أولاً، وهذا لا يعني عدم فسح المجال بأوسع نطاق ممكن أمام حركة القطاع الخاص واستثماراته، سواء أكان محلياً أم أجنبياً، إذ أن العراق بحاجة إلى كل تلك القطاعات بما فيها القطاع المختلط الذي يربط بين المحلي والأجنبي والحكومي.
من يدرك عمق الأزمة الجارية في الاقتصاد الرأسمالي العالمي، ومن يدرك حركة وفعل القوانين الاقتصادية الموضوعية، ومن وعى العوامل الكامنة وراء هذه الأزمة، سيعي ايضاً، وخاصة بالنسبة للدول النامية والنفطية، ومنها العراق، المخاطر الجدية الكبيرة في عدم مشاركة قطاع الدولة في التنمية الاقتصادية وفي الرقابة الفعلية على حركة ونشاط رأس المال، سواء أكان مصرفياً أم عقارياً أم صناعياً ام تجارياً ام مضارباً في سوق الأوراق المالية ...الخ.
إن إهمال قطاع الدولة والتركيز على القطاع الخاص وحده لا يعني باي حال الرأسمالية، بل يعني اللبرالية الجديدة الأكثر تطرفاً وتوحشاً، كما عاشتها الولايات المتحدة وبريطانيا في السنوات العشر الأخيرة على نحو خاص. ولهذا فمن غير الممكن أن نرفض القطاع الحكومي في الاقتصاد بحجة أن النظام السابق سار باشتراكية مزعومة. إن الانفتاح الاقتصادي لا يعني رفض دور وقطاع الدولة في العملية الاقتصادي، بل يستوجبه في ظروف العراق الراهنة وأكثر من أي وقت مضى، وهو المنشط الفعلي للقطاع الخاص والذي سيسهم في توفير الأطر الضرورية للنمو والتوسع والنجاح.
ومن هنا تنشأ أهمية ان يقتنع الدكتور برهم صالح، ومن هم حوله، والحكومة الطائفية الأثنية، بأهمية وضرورة قطاع الدولة في العراق أولاً، وأن ليس مطلوباً من وزارة الصناعة أن تبيع جميع مصانع قطاع الدولة إلى القطاع الخاص، ما دامت هناك إمكانيات مناسبة لتطوير هذا القطاع وجعله اللبنة المناسبة للتنمية الصناعية في الاقتصاد العراقي ثانياً، مع توفير مستلزمات النهوض به إدارياً وفق أسس اقتصادية ومحاسبية سليمة ورقابة فعلية.
رغم ان النظام الاستبدادي العراقي كان سيئاً في سياساته الاقتصادية، إلا ان السنوات الأولى من العقد الثامن من القرن العشرين شهدت نمواً في القطاع الصناعي الحكومي ونجاحاً في أدائه وفي منتجاته، إلا أن الفورة النفطية وسياسة التنمية الانفجارية والرغبة في الهيمنة على الاقتصاد والحياة الاقتصادية للتحكم برقاب الناس وارزاقهم وعملهم وغياب الديمقراطية والحياة الدستورية وحقوق الإنسان، هي التي أدت إلى عواقب سلبية على القطاع الصناعي العام والخاص في آن. وعلينا ان نتذكر بأن عمليات التأميم في العام 1964 في العراق كانت ضد المصلحة الوطنية وضد البرجوازية الوطنية وضد التطور الاقتصادي الصناعي وأعاقت حركة الاستثمارات المحلية صوب التنمية. ونحن اليوم أمام حركة معاكسة تسعى إلى إنهاء وجود قطاع الدولة لا في الصناعة فحسب، بل وفي قطاع النفط الاستخراجي وتكرير النفط والكهرباء والصناعات التحويلية الأخرى.
إن الدعوة إلى إلغاء قطاع الدولة الاقتصادي هو الركض وراء نموذج البنك الدولي وصندوق النقد الدولي الذي أصبح بائراً منذ فترة غير قصيرة من جهة، ولا يعبر عن حس اجتماعي لمصالح الفئات الاجتماعية الكادحة والفقيرة التي يفترض أن تنهض الدولة بأعباء اقتصادية معينة وإنتاج سلع ذات استعمال واسع من جانب جميع فئات الشعب من جهة ثانية، والمشاركة في تأمين الأطر المناسبة لحركة وفعل ونمو القطاع الخاص من جهة ثالثة. كما إن أهمية هذا القطاع تكمن فيما تملكه الدولة من موارد مالية تتيح فرصة أفضل لاستخدامها في قطاعات اساسية تساهم في تراكم الثروة وإغناء الدخل القومي وتحسين مستوى حياة الناس. علينا ألا نفكر بالمنافسة بين القطاعين، بل التكامل بينهما من جهة، ولكن المنافسة تكون على إنتاج السلعة الأفضل نوعية والأقل تكلفة والأكثر فائدة للاقتصاد الوطني والمجتمع.
انتهت الحلقة الأولى وتليها الحلقة الثانية.
الحلقة الثانية: هل من نموذج للتنمية في العراق؟
السؤال المشروع الذي يستوجب الإجابة الصريحة عنه هو: هل تمتلك الحكومة العراقية الراهنة استراتيجية تنموية، أم لا تزال الأمور تراوح في مكانها رغم مرور ست سنوات على سقوط الفاشية السياسية، ورغم وجود وزارة للتخطيط ومسئولين عن الملف الاقتصادي؟ وهل هذا ناشئ عن تضارب في الآراء والمواقف والمصالح للقوى والأحزاب المختلفة المشاركة في الحكم في تشخيص وجهة وحاجات وآليات التنمية المنشودة أم أن شيئاً آخر وراء الأكمة؟
كل الدلائل تؤكد عدم وجود استراتيجية للتنمية على صعيد العراق كله، ومعه طبعاً إقليم كردستان، وهذا ما أكده السيد وزير التخطيط علي بابان أكثر من مرة. ولكن هناك بعض الأفكار والمواقف التي يلتزم بها المشاركون في الحكم وخارجه ويلتزمون بهذا النموذج أو ذلك في التنمية وفي تحديد الاستراتيجية، كما في حالة الأخ الدكتور برهم صالح أو حكومة إقليم كردستان أو بعض الأطراف الأخرى المشاركة في الحكومة المركزية ببغداد. وقبل الإجابة عن رؤيتي لاستراتيجية ووجهة التنمية وآلياتها يفترض الحديث عن النموذج الاقتصادي الذي يراد الأخذ به للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي في العراق. أي، ما هي العوامل التي تفرض على الحكومة العراقية تحديد النموذج الاقتصادي الذي يراد الأخذ به خلال الفترة القادمة؟
حين نمعن النظر في أوضاع الاقتصاد والمجتمع في العراق سنجد أمامنا الواقع الكارثي الموروث والمستحدث التالي:
1. يعتبر العراق من البلدان النامية التي تعاني من تخلف اقتصادي شديد ومن انكشاف كبير على العالم الخارجي. وقد أدت السياسات التي مارسها النظام السابق والحروب العدوانية التي فجرها وخاضها والتفريط الوحشي بموارد البلاد المالية وثرواته الوطنية من جهة، والسياسات غير الرشيدة التي مارستها الإدارة الأمريكية والحاكم بأمره بريمر وتفاقم الطائفية السياسية ومحاصصاتها المذلة للشعب والتمييز الديني والطائفي، وتفاقم الإرهاب الدموي وتكريس سياسية التوزيع الحصصي للسلطة وانتشار الفساد والنهب المالي من جهة أخرى، قد عطلا العملية التنموية طيلة السنوات المنصرمة في أعقاب سقوط النظام الدكتاتوري. والعامل الأخير حاول دفع البلاد في طريق مسدود حقاً لا يتناغم مع حاجات ومتطلبات وقدرات العراق.
2. وبدت سوءات وجسامة وخطورة حالة الانكشاف على الخارج في فترة الأزمات والحروب والحصار الاقتصادي التي مر بها العراق في عهد النظام الاستبدادي ، ولكنه يلاحظ اليوم أيضاً بالارتباط مع الأزمة الاقتصادية العميقة التي لا تزال لم تستكمل أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتي تجلت بالنسبة للعراق في انخفاض إيرادات النفط الخام بسبب تراجع الطلب على النفط وانخفاض سعر البرميل الواحد بنسبة عالية جداً من 146 دوراً إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل الواحد، وبقاء اسعار الاستيراد السلعي عالية جداً بالقياس مع سعر الخامات الأولية.
3. والاقتصاد العراقي ليس مشوهاً من حيث بنيته الداخلية فحسب، بل ومخرباً تماماً بسبب تلك السياسات والحروب وما أعقبها من سياسات، إضافة إلى سيادة الفساد المالي والإداري الذي ضيع بطرق مختلفة ما وصلت للعراق من أموال من مانحين دوليين لأغراض إعادة الإعمار، حيث تعرقلت هذه العملية حتى الوقت الحاضر. والدكتور برهم صالح المسئول عن العهد الدولي والذي أدار الكثير من اجتماعات المانحين، يدرك أكثر من غيره التبذير والتفريط والضياع والفساد الذي ألم بتلك الأموال والنزر اليسير منه هو الذي بقي في العراق ولم يستخدم تماماً لصالح الناس.
4. واقتصاد العراق، كما هو معروف، نفطي استخراجي ريعي وحيد الجانب، وتعتمد ميزانية الدولة الاعتيادية والتنموية فيه على إيرادات النفط الخام بشكل خاص من جهة، كما أنه اقتصاد استهلاكي يعتمد على الاستيراد السلعي في تغطية الحاجة المحلية بنسبة عالية جداً ويعتمد على موارد النفط الخام في دفع مبالغ الاستيراد الاستهلاكي السنوية. أي أن إيرادات العراق المالية يذهب معظمها لأغراض الاستيراد السلعي الاستهلاكي.
5. وهذا يعني أن الاقتصاد العراقي محروم تماماً من عملية تراكم رأس المال ومن تنمية وتعظيم للثروة الوطنية من خلال تنشيط القطاعات الإنتاجية السلعية (الصناعة والزراعة) المحلية. ويتجلى ذلك بوضوح كبير في علاقات الإنتاج المهيمنة والمضيعة لفرص الاستثمار وتحقيق التراكم من جهة، وضعف نمو العلاقات الإنتاجية الرأسمالية المنشطة للتراكم الرأسمالي وتخلف الأطر الضرورية لتعجيل التنمية الوطنية، وتنشيط القطاعين الخاص، المحلي والأجنبي، والقطاع الحكومي. ويمكن للتظاهرة الاحتجاجية التي نظمها اتحاد الصناعات العراقي مع بعض النقابات العراقية حول الموقف السلبي للحكومة من القطاع الصناعي تأكيد لما نقول في هذا الصدد.
6. ورغم الحديث عن الجهود المبذولة في إقامة البنية التحتية والخدمات الأساسية، فأن العراق لا زال يعاني من تخلف شديد وشكوى مرة في هذا المجال أيضاً، وبشكل خاص في مجال الطاقة والماء والمجاري والهاتف والنقل...الخ، رغم توفر الإمكانيات لتنشيط العمل في هذا القطاع والذي يمكن أن يستوعب الكثير من الأيدي العاملة العاطلة حالياً.
7. كما أن هذا الواقع قد تجلى في وجود بطالة واسعة أكثر بكثير مما يصرح به المسؤولون، إضافة إلى سعة قاعدة البطالة المقنعة المتراكمة في أجهزة الدولة المتضخمة والمستنزفة للكثير من موارد العراق المالية. وهي التي ستبقى تثير المزيد من المشكلات الاقتصادية والاجتماعية وتهيئ أرضية تحرث دوماً لصالح قوى الإرهاب والحصول على من ينفذ عملياتهم الإرهابية.
8. ولا شك في أن العراق لا زال يعاني من نقص قاعدة المعلومات والبيانات ومراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي، إضافة إلى الضعف الشديد الذي تعاني منه الجامعات العراقية ومناهجها ونقص الجهاز التعليمي وضعفه ومعاناته من قوى الإرهاب والتدخل البشع لقوى الإسلام السياسي في الشأن الجامعي والتعليمي والتربوي وفي وضع مناهج متخلفة ولا علمية، واضطرار عدد كبير من الكادر العلمي إلى مغادرة العراق، إضافة إلى العدد الكبير الذي استشهد في حروب النظام المريرة وخلال الأعوام المنصرمة.
9. ولا بد من الإشارة الواضحة إلى التدهور الشديد في بنية القوى العاملة في العراق من حيث مستوى التعليم العام والمهني والفني وتراجع مستوى المهنية والحرفية لدى الأيدي العاملة. وهذه الحالة تستوجب التغيير في وجهة التعليم العام والمهني والمناهج وإعادة التأهيل. وهي حالة مرتبطة بتراجع في حجم الطبقة العاملة وجمهرة الفلاحين لصالح الفئات المهمشة اقتصادياً واجتماعياً وفكرياً وتعليمياً وثقافياً وانضباطاً.
10. ولا شك في أن الشرط الأساس لاختيار ووضع وتنفيذ استراتيجية تنموية هو الأمن والاستقرار والتفاهم والتعاون وحل المعضلات بالطرق السلمية والآليات الديمقراطية بين الأحزاب والقوى السياسية المشاركة في تكوين الحكومة، إضافة إلى موقف المجتمع من سياسات الحكومة. وأن ما يعيشه العراق حالياً هو غياب الثقة المتبادلة والتنافس بالمناكب المتبادل لانتزاع "اقصى الحقوق" في العراق الجريح والمخرب والإنسان العليل والمهموم حقاً.
11. وبسبب الفوضى التي سادت العراق خلال عدة أعوام منصرمة وتحول مظاهر الفساد المالي والإداري الكبيرة في العهد الصدامي إلى مستوى النظام الفاعل في الدولة والمجتمع، وانسياب المليارات الكثيرة من الدولارات إلى جيوب الفاسدين والمفسدين، نشأت فجوة متسعة وأكثر من أي وقت مضى بين قلة قليلة مالكة للأموال ومرفهة، وبين أكثرية تعاني من الفقر والعوز وشظف العيش، رغم الحديث عن متوسط حصة الفرد الواحد من الدخل القومي الذي لا يعني شيئاً كما سنتحدث عنه في الحلقات اللاحقة.
12. وقد أوجدت هذه الحالة تراجعاً شديداً وسريعاً صوب الحضيض في مصداقية السياسيين لدى وتدهور لا مثيل له في ثقة الناس بهم، أي بأغلب قوى المعارضة السابقة والحاكمة حالياً على مستوى العراق كله. فالثقة بالدولة وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات ضعيفة جداً، والثقة فيما بين القوى السياسية متردية إلى أقصى، مما يزيد من حالة التأزم الجارية في البلاد. وأصبح شعار السياسيين السعي للسيطرة على الحكم للوصول إلى المال والنفوذ بعيداً عن مصالح الشعب، إنها السمة المميزة للحكم الحالي وللمستبد بأمره.
13. والشيء الوحيد المنتعش في العراق هو الاستيراد وإغراق الأسواق المحلية بالسلع المصنعة السيئة النوعية من دول الجوار، ولاسيما إيران وتركيا، والدول الأخرى ذات الإنتاج الرديء، وهي ظاهرة سلبية بسبب استنزافها لموارد العراق المالية، وإعاقة البناء الصناعي والزراعي في البلاد، إضافة إلى إعاقة تشغيل العاطلين عن العمل.
هذا هو الواقع الذي يواجه العراق حالياً، رغم التحسن الأمني الهش الذي حصل في المحافظات مع تراجعه في كل من بغداد والموصل وديالي وربما كركوك. وهذا الواقع المزري اقتصادياً والموروث والمضاف إليه سلبيات جديدة، يفرض على الحكومة العراقية وحكومة الإقليم ومجالس المحافظات الأخذ بنموذج اقتصادي معين للتنمية في العراق. وتتلخص الأسباب الكامنة وراء الدعوة للأخذ بالنموذج الذي نطرحه لاحقاً بما يلي:
1. العراق ليس بالدولة الفقيرة، بل مالكة للخيرات الأولية التي يمكن تحويلها إلى موارد مالية كبيرة توضع لتحقيق التنمية المعجلة. والنفط يشكل أبرز تلك الموارد المادية، إضافة إلى وجود خامات أخرى قابلة للاستفادة منها في التنمية الصناعية، كما أن أرض العراق متنوعة وقابلة للتنمية الزراعية الحديثة.
2. والعراق مالك لطاقات بشرية متخصصة رغم فقدان نسبة كبيرة منها عبر الحروب والاستبداد والإرهاب، إضافة إلى اضطرار الكثير منهم للعيش في الشتات، ولكن يمكن الاستفادة منهم عند توفير الأطر المناسبة لعودتهم وعملهم في الوطن.
3. والعراق مطلوب على الصعيد الاقتصادي العالمي لا من حيث ثرواته النفطية فحسب، بل ومن حيث قدرته على استيعاب الكثير من التوظيفات لأغراض التنمية التي تحقق أرباحاً طائلة لأصحاب رؤوس الأموال المحليين والأجانب، وكذلك من حيث كونه ثروة صناعية سياحية هائلة. إذ كل بقعة من العراق تعتبر موقعاً لجذب السياح والزائرين، سواء أكانت سياحة دينية لكل الديانات والمذاهب الدينية المعروفة، أم سياحة للآثار القديمة في بابل ونينوى وغيرهما، أم سياحة جبلية ومصايف كردستانية أم صحراوية.
4. ويمكن للعراق أن يمارس عملية التعاون والتنسيق الاقتصادي على الصعيدين العربي والإقليمي وعلى الصعيد الدولي في مجال إعادة الإعمار والتنمية المستدامة والاستفادة من الخبرات والكفاءات والتقنيات الحديثة في عملية التنمية في كوكبنا المعولم.
إن كل ذلك يفرض علينا أن نختار النموذج المناسب للتنمية بحيث يحقق للعراق الربط العضوي بين النشاط المعجل والمتسع والمكثف للقطاع الخاص المحلي والإقليمي والدولي، وبين النشاط الموجه والحركي لقطاع الدولة. ويمكن للقطاع الأخير أن يتوجه صوب القطاع الصناعي الاستخراجي للنفط والغاز الطبيعي ومنتجاتهما وصوب البنية التحتية وجملة من مشاريع الصناعة التحويلية التي يفترض أن ينهض بها القطاع الحكومي لصعوبة مساهمة القطاع الخاص بها حالياً. وبهذا يكون لدينا نموذج اقتصادي لا يعتمد على القطاع الخاص وحده، ولا على القطاع الحكومي وحده، بل يجمع بين القطاعين ليحدد مسار التنمية الوطنية للعشرين سنة القادمة على أقل تقدير، إضافة إلى تنشيط القطاع المختلط.
وفي هذه النقطة بالذات أختلف مع السيد الدكتور برهم صالح الذي يدعو إلى النموذج اللبرالي الجديد الأكثر تشدداً في مقاومة دور الدولة وقطاعها الاقتصادي، والذي اثبت فشله وضرره للعالم كله، ولكن بشكل خاص للدول النامية. وفي قناعتي الشخصية أرى بأن الاقتصاد العراقي لا يمكنه أن يستغني بأي حال وعلى مدى العقود الثلاثة القادمة عن قطاع الدولة أو أن يستغني عن القطاع الخاص المحلي والأجنبي، وبالتالي لا بد من إيجاد صيغة تعاون وتنسيق عملية تنهض بالاقتصاد العراقي من كبوته الشديدة، وهي المهمة الأولى المركزية حالياً في الحقول الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والثقافية التي في مقدورها أن تعالج أزمة البطالة المستفحلة وأزمة الفقر المدقع لفئات واسعة في المجتمع.. الخ. ومنذ مجيء بريمر إلى العراق حتى الآن اشتدت الدعوات إلى:
** توقف الدولة كلية عن النشاط الاقتصادي وجعله بيد القطاع الخاص بشكل كامل، في وقت يعجز القطاع الخاص على النهوض بهذه المهمة، وفي وقت يحتاج الاقتصاد العراقي إلى جهود الدولة.
** تصفية مشاريع القطاع العام من خلال بيعها للقطاع الخاص المحلي أو الأجنبي (الخصخصة) دون النظر إلى أهمية بقاء البعض منها في يد قطاع الدولة لأسباب كثيرة ودون النظر إلى عدم رغبة القطاع الخاص فيها، مع توفر إمكانية تشغيلها حكومياً.
* ابتعاد الدولة عن التصنيع التحويلي كلية والاكتفاء باستيراد السلع المصنعة من الخارج، أي استمرار جعل الاقتصاد العراقي اقتصاداً استخراجياً ريعياً واستهلاكياً لا غير، وهذا يعني عجز الحكومة عن تغيير عدة مسائل سلبية على الأقل:
أ. إبقاء الاقتصاد العراقي اقتصاداً ريعياً من حيث النفط والزراعة، واستهلاكياً في اعتماده على استيراد نسبة عالية جداً من احتياجات السوق المحلية.
ب‌. استنزاف شديد للموارد المالية المتأتية من النفط الخام دون المشاركة في إغناء الثروة الوطنية.
ت‌. عدم تحقيق تراكم رأسمالي ضروري جداً للعملية التنموية ولإغناء الثروة الوطنية والاحتفاظ بالثروة داخل البلاد وإحداث تغيير في بنية الاقتصاد الوحيد الجانب وتخليصه من تبعيته الشديدة الراهنة.
ث‌. العجز عن تأمين العمل لمزيد من الأيدي العاملة في دولة لا تزال نسبة الأطفال والصبية والشباب كبيرة جداً وتضخ سنوياً الكثير من الأيدي العاملة الجديدة إلى سوق العمل.
ج‌. العجز عن ضمان الأمن الغذائي من المنتجات الزراعية والصناعية في البلاد والانكشاف الشديد على الخارج، وخاصة في فترات الأزمات والتعقيدات مع دول الجوار.
وستكون لمثل هذه السياسة عواقب سلبية على المدى البعيد والأجيال العراقية القادمة، رغم أن الجيل الراهن سيعاني من البطالة والفقر بشكل خاص، إضافة إلى استمرار فعل بقية المشكلات الاقتصادية.
نحن أمام صراع ملتبس في غالب الأحيان بشأن العلاقة بين القطاعين العام والخاص من جهة، وبشأن العلاقة بين الصناعة والزراعة والتجارة من جهة أخرى، لسببين هما:
• الخلفية الفكرية والسياسية والمصلحية التي يحملها كل طرف من أطراف الصراع والمبنية على أحكام مسبقة وجاهزة.
• والتباين أو الضعف في وضوح الرؤية لبعض جوانب الواقع الراهن ومهمات المرحلة التي يعيش فيها شعب العراق ومن ثم مهماته الراهنة ومهمات أجياله القادمة.
وهذا النقد يتوجه صوب المغالين المتخندقين في اتجاهين متناقضين وليس باتجاه واحد، سواء من يرفض القطاع الخاص أو يرفض القطاع العام، في حين نحن ولسنوات طويلة قادمة بحاجة إلى الاثنين معاً.
القطاع العام والقطاع الخاص لا يعنيان شيئاً في خضم الصراع من أجل السلطة السياسية. فالدولة الاشتراكية السوفييتية التي كانت تمتلك كل شيء، فرطت بكل شيء لأسباب كثيرة، ولكن بشكل خاص بسبب البيروقراطية وغياب الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان والفساد الحزبي والحكومي والمالي والإداري.. وبسبب التعسف في هيمنة الدولة على كل شيء الذي أدى إلى فقدان السيطرة على كل شيء، إضافة إلى أسباب كثيرة جوهرية أخرى.
إن جوهر القضية في العراق يكمن اليوم في موقفنا من مبادئ وممارسة الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق القوميات ومدى الوعي بمهمات المرحلة ومستوى العدالة الاجتماعية الذي ننشده، وليس بالشعارات التي تطرح وفيها الكثير من المزايدات التي لا تتطابق مع الواقع القائم ولمدى ربع قرن قادم على اقل تقدير. والحكومة الحالية غير مؤهلة لإنجاز مثل هذه المهمات بسبب طبيعتها الطائفية وسياسات التمييز التي تمارسها وفساد نخبها الحاكمة والمحيطة بها.
المرحلة الراهنة تستوجب الصراحة في طرح الأفكار والمواقف. نحن أمام مهمة بناء العلاقات الإنتاجية الرأسمالية في العراق ولسنا أمام أي مهمة أخرى. ولكن الرأسمالية التي يفترض أن تبنى في العراق يستوجب اعتمادها على قطاعين، على القطاع الخاص، أي على دور البرجوازية الوطنية والبرجوازية الصغيرة وعلى نشاطها الاقتصادي الإنتاجي ولاسيما التصنيعي والزراعي والتجاري ...الخ، ومعه القطاع الخاص الأجنبي، وعلى قطاع الدولة الذي يمتلك الموارد المادية والمالية، إذ لا بد من مشاركتهما في عملية التنمية المستدامة بالارتباط مع واقع المجتمع وحاجاته. نحن أمام مهمة إزالة بقايا العلاقات القديمة المتخلفة والبالية المعرقلة لنمو الرأسمالية والتصنيع الحديث وتحديث الزراعة والتغيير الاقتصادي والاجتماعي في البلاد. ولكن، ونحن نبني العلاقات الرأسمالية، نحتاج إلى عتلات مهمة أو إلى آليات يفترض فيها أن تساند وتساعد في تعجيل عملية التنمية والنمو وتحقيق التراكم الرأسمالي وتنظيم هذه العملية في اقتصاد السوق من جهة، ولكن بحن بحاجة أيضاً إلى كوابح يفترض فيها أن تحد في الوقت نفسه من شراسة الاستغلال المحتملة وأن تساهم في تنظيم العملية الاجتماعية بقوانين ملزمة بحيث يتجنب المجتمع احتدام الصراعات الطبقية بسبب نشوء فجوة متسعة في مستويات المعيشة والغني والثروة من جهة أخرى. ومثل هذه الإمكانية متوفرة وضرورية، أي أننا بحاجة إلى اقتصاد السوق ولكن بوجهة اجتماعية منظمة للعلاقات والضمانات في المجتمع. لقد كان بريمر يدفع بالعراق صوب الرأسمالية الأكثر عتواً واستغلالاً ووحشية، وهذا ما يدعو إليه الدكتور برهم صالح بوضوح كبير لا يقبل الالتباس، وتصريحاته وخطبه كفيلة بتأكيد ما توصلت إليه، وهو متناغم مع رئيس حكومته الذي لا يعي من الاقتصاد شيئاً.
كلنا يعرف بأن القوانين الاقتصادية الموضوعية في الرأسمالية هي واحدة، ولكن فعل تلك القوانين متفاوت بالارتباط مع مستوى التطور والمراحل التي قطعها التطور الاقتصادي الرأسمالي في كل بلد من هذه البلدان والسياسات التي تمارسها الدولة. وهذا يعني أن التجارب متباينة من حيث الزمان والمكان ومستوى التطور ومن حيث التعامل مع تلك القوانين الاقتصادية الموضوعية ومع القواعد والآليات التي تنظم العملية الاقتصادية. ومن هنا علينا أن ننتبه وننبه بأن ما نفذ في الولايات المتحدة أو بريطانيا أو ألمانيا أو إسبانيا أو البرتغال أو غيرها من سياسات وإجراءات لا يمكن أن تكون ذاتها في العراق، رغم كون القوانين الاقتصادية الموضوعية الفاعلة للرأسمالية واحدة. إن وعي هذه القضية ضروري لكي نبتعد عن الجمود والنصية والتجريبية والخضوع لهذا النموذج أو ذاك، إذ لا يمكن أن يكون ذاته مناسباً لكل الدول. إن عملية التحول من الاقتصاد الشمولي الذي ساد في العراق صوب اقتصاد السوق ليس سهلاً، ولكن لا يجوز أن يتم على حساب مصالح البشر والفقراء والمعوزين منهم على نحو خاص. ومن هنا يأتي مفهوم اقتصاد السوق الاجتماعي.
نحن بحاجة إلى تطور رأسمالي بالقطع ودون أي لف أو دوران، ولكن نحن بحاجة إلى ضوابط تسمح بنشوء سلم اجتماعي يساعد على مشاركة الجميع في البناء وفي الاستفادة من التقدم الاقتصادي، ونحن بحاجة إلى تسريع العملية الاقتصادية والبناء الرأسمالي والتغيير الاقتصادي والاجتماعي وينقل المجتمع من مرحلة إلى أخرى. نحن في العراق لا نزال في قعر التخلف والفوضى والبؤس والفاقة والرثاثة، رغم غنى الأرض وقدرة الإنسان العراقي على البناء. نحن بحاجة إلى اقتصاد السوق الاجتماعي وليس إلى اقتصاد رأسمالي متوحش. الحوار حول هذه المسألة جار على قدم وساق في سائر ارجاء العالم والأزمة الاقتصادية الشاملة الجارية عمقت هذا النقاش وساعدت على مشاركة الكثير من الناس به، وعلينا خوضه لصالح شعب العراق بكل مكوناته القومية والاجتماعية بهدف الوصول إلى ما يخدم الشعب. ولكن الأخذ باقتصاد السوق يستوجب وجود نظام سياسي ديمقراطية وليس نظاماً سياسياً طائفياً يعتمد المحاصصة الطائفية والثنية المذلة للشعب والوطن.

الحلقة الثالثة: فحوى استراتيجية التنمية وأهميتها للاقتصاد العراقي
حين قدمت وصفاً للحالة الفعلية التي يعاني منها المجتمع في الجانب الاقتصادي، كنت أهدف من وراء ذلك الوصول إلى تحديد استراتيجية التنمية في العراق خلال الفترة القادمة والتي يمكن أن تمتد لعشرين سنة قادمة، أي تحديد الأهداف الأساسية التي يفترض بذل كل الجهد لتحقيقها، إذ أنها تشكل الأساس المادي لخروج العراق من الواقع الراهن وعلى مراحل أربع تتجلى في برامج أو خطط خمسية وسنوية. وهي مشكلة لا تنتهي بذلك التحديد فقط، بل تستوجب من أجهزة التخطيط وضع عدد من السيناريوهات أو المشاهد التي يتمكن العراق من خلالها اختيار الأكثر قرباً للواقع والأكثر قدرة على تحقيق ما يصبو إليه المجتمع. وعند تحديد الاستراتيجية وأدوات تحقيقها يمكن أن يبرز الخلاف بين المفكرين والعاملين في الحقل الاقتصادي. وهذا ما لمسته في صيغ الطرح المختلفة للاقتصاديين العراقيين. ولكن أبرز الخلافات في الشأن الاقتصادي العراقي ينشأ حالياً بين متبني اللبرالية الجديدة الأكثر تشدداً في تطبيق مبادئها، والتي ينتمي إليها المهندس والإحصائي الدكتور برهم صالح، وبين من يرى ضرورة الأخذ باقتصاد السوق الاجتماعي الذي ينسجم مع واقع البلاد وحاجة الإنسان والمجتمع. ورغم الأزمة الاقتصادية المتفاقمة في النظام الرأسمالي العالمي التي لعبت سياسة اللبرالية الجديدة أكبر الأدوار في تفجرها، فأن هذه الإيديولوجية لا تزال تجد من يدعو لها وأكثر من منظري الدول الرأسمالية المتقدمة ذاتها، إذ أن أوباما مثلاً يسعى للتخلص منها، كما يشير إلى ذلك الديمقراطيون في الولايات المتحدة الأمريكية!
فما هي استراتيجية التنمية التي أدعو إلى التفكير بها بصيغتها العامة والتي تستوجب التحديد الملموس ووضع المشاهد المتعددة لاختيار المشهد الأكثر تناغماً مع واقع وإمكانيات وحاجات العراق.
1. يتحدد الهدف المركزي منذ الآن وعلى مدى السنوات العشرين القادمة في تخليص العراق من التخلف والاعتماد الوحيد الجانب على موارد النفط في تكوين الدخل القومي. أي تنويع وتطوير الإنتاج ومصادر تكوين الدخل القومي. وهذا الهدف يتم الوصول إليه عبر ثلاثة أهداف، وهي:
2. تحقيق التنمية الصناعية استناداً لما موجود في العراق من موارد أولية (النفط والكبريت والفوسفات والحديد ..)، وثروة زراعية بشكل خاص. ويتوزع هذا الهدف إلى:
أ‌. تجديد وتحسين التقنيات المستخدمة في استخراج وتخزين ونقل النفط الخام وتسويقه لزيادة موارد العراق المالية الضرورية للتنمية المستدامة والسنوية.
ب‌. توجيه جهود مكثفة وكبيرة لتنمية الصناعات التحويلية التي تعتمد على النفط والموارد الأولية الأخرى، ومنها الصناعات الزراعية.
ت‌. تنظيم التجارة الخارجية (الاستيراد بشكل خاص) والسياسة المالية، ومنها الجمركية، بما يسهم في حماية الإنتاج المحلي من المنافسة غير المتكافئة.
3. تحقيق التنمية والتحديث الزراعي (الثروة النباتية والحيوانية والسمكية). وهنا لا بد من الإشارة إلى أهمية وضرورة التنسيق وتحقيق الترابط العضوي بين القطاعين الصناعي والزراعي.
4. التنمية البشرية التي تستوجب مكافحة الأمية بين الجنسين وفي المدينة الريف وتغيير مناهج التربية والتعليم العام والمهني والفني وتطوير مراكز البحث العلمي النظري والتطبيقي والتعاون والتنسيق مع المجتمع الدولي في هذا الصدد.
5. مكافحة البطالة المكشوفة والمقنعة بين الجنسين.
6. تحسين مستوى معيشة الأفراد من خلال تحقيق العقلانية والعدالة في عمليات توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل القومي.
7. تأمين التنسيق بين التنمية الاقتصادية العامة والتنمية الإقليمية لمناطق العراق المختلفة، ومنها تنمية إقليم كردستان العراق وتنمية المحافظات وعلى مستوى المركز، من أجل إزالة تدريجية للتباين بين مختلف المناطق والمحافظات.
8. إيجاد علاقة سليمة بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة من التلوث في بلد يمتلك ثروة أولية مُلوِثة للبيئة واقتصاد متخلف وفقر واسع يساعد على حصول المزيد من التلوث.
إن تحقيق هذه الاستراتيجية في اقتصاد العراقي يستوجب التزام أدوات قادرة على المساهمة الجادة لتحقيق هذه المهمات، ومنها بشكل خاص:
1. الاستفادة من إمكانيات القطاعين الخاص والحكومي في عملية التنمية، بما في ذلك القطاع الخاص العربي والإقليمي والدولي، إضافة إلى التعاون مع الأمم المتحدة والمجتمع الدولي.
2. حماية الإنتاج المحلي من المنافسة الأجنبية خلال المراحل الأولى من تنفيذ استراتيجية التنمية، أي تنظيم التجارة الخارجية بما يسهم في زيادة استيراد سلع الإنتاج وتقليص تدرجي لسلع الاستهلاك ووضع سياسة جمركية تساعد على تحقيق ذلك.
3. التحكم بتأمين انسياب نسبة تتراوح بين 60 – 70% من إيرادات النفط الخام صوب التثمير الإنتاجي وتنشيط القطاع الخاص لهذا الغرض ايضاً.
4. وضع سياسة مالية ونقدية، بما فيها السياسة الضريبية والجمركية، وسياسة جادة للتأمين وإعادة التأمين على نطاق البلاد كلها تتناغم مع استراتيجية التنمية الوطنية وتساهم في تحقيق تلك الأهداف الأساسية وتنقل البلاد من حالة الاقتصاد الشمولي المتخلف إلى حالة الاقتصاد المتقدم، اقتصاد السوق الاجتماعي، إذ أن السياسة المالية والنقدية، ومعها التأمين، هي الأدوات التنفيذية للسياسات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
4. تأمين وجود جهاز متقدم وحديث للتخطيط والمتابعة يأخذ بعين الاعتبار الجدوى الاقتصادية والاجتماعية من إقامة المشاريع والاهتمام الفعلي بالتنمية القطاعية والإقليمية.
5. تأمين الرقابة والمتابعة الرسمية على مستوى مجلس النواب والحكومة، والرقابة الشعبية على مستوى النقابات ومنظمات المجتمع المدني، بما فيها الأحزاب السياسية، والمجتمع بشكل عام وكذلك الإعلام بكل مكوناته.
...الخ.
إن هذه الإجراءات لا تتعرض لآليات عمل السوق، بل تسعى إلى تنظيمها والرقابة عليها بما لا يقود إلى تجاوزات على القوانين الاقتصادية الموضوعية وعلى مهمات التنمية أو تشديد التناقضات والصراعات الاجتماعية.
اين يبرز الاختلاف بين رؤيتي ورؤية السيد الدكتور برهم صالح لاستراتيجية التنمية الوطنية؟ أختلف معه في الموقف من وحدانية الاعتماد على موارد النفط الخام ومن رفضه للتنمية الصناعية والزراعية في البلاد. فهو غير مهتم بإزالة التبعية الكاملة للنفط الخام ولا بتنمية الصناعة والزراعة، بل يبتعد عن ذكر ذلك في كل خطبه وتصريحاته وتقاريره المنشورة. وما يطرحه في مجال الزراعة يبتعد كل البعد عن حاجة العراق للتنمية الزراعية، وسياسته تساهم في تجريد ما تبقى من أرض لدى الفلاحين لصالح كبار الملاكين وأصحاب رؤوس الأموال. إذ أن الإنتاج الكبير لا يعني تجريد الفلاحين من ملكية الأرض، بل يمكن إيجاد صيغ متنوعة في هذا الصدد.
إن السياسة الاقتصادية التي يدعو لها الدكتور برهم صالح، والحكومة التي يشارك فيها، تتلخص في نقطة واحدة: الأخذ بحرية التجارة المطلقة وفتح الأبواب على مصاريعها أمام الاستيراد، دون الأخذ بالاعتبار واقع حاجة البلاد إلى التنمية الصناعية والزراعية وتنويع مصادر الدخل القومي. ونتائج هذه السياسة بارزة للعيان في كردستان العراق وفي عموم العراق حيث اختفت عملياً السلع المصنعة محلياً لتحل محلها السلع المستوردة، حتى السمنت العراقي بدأ يعاني من ذلك، وغابت السلع الزراعية، بما فيها "لبن أربيل"، ليحل محله ومحل بقية مشتقات الألبان السلع المنتجة والمستوردة من السعودية وتركيا وإيران وسوريا ودول الخليج. إنها سياسة مدمرة للإنتاج المحلي، إذ تجري في ظل غياب التكافؤ في فرص المنافسة تماماً، بين اقتصاد عراقي مخرب لم تساهم سياسة الحكومة في إنهاضه حتى الآن، بل في تراجعه وتعميق تشوهاته لصالح الاستيراد، وبين سلع مستوردة من الخارج، رغم نوعيتها السيئة.
إن سياسة الباب المفتوح على طريقة اللبرالية الجديدة وجورج دبليو بوش وپول بريمر، أو منظمة التجارة الحرة، والتي يتبناها الأخ الدكتور برهم صالح، ومعه رئيس الحكومة، لن تخرج العراق من تخلفه ومن انكشافه الكامل على الخارج ولن تنقذه من وحدانية الجانب والاعتماد على موارد النفط المالية، وهي ثروة ناضبة بالنسبة لأجيال العراقيات والعراقيين القادمة، بل تزيد من ذلك ولا تحقق التراكم الرأسمالي البدائي الذي يحتاجه العراق حالياً في القطاعين الإنتاجيين، في الصناعة والزراعة.
في مؤتمر بدائل التنمية في العراق أشار السيد رئيس الوزراء نوري المالكي بكلمات واضحة وبسيطة إلى هذا الموضوع فقال: ".. نحن ضد مبدأ الإيراد الواحد ولا بد أن نتجه الى زيادة عائداتنا النفطية لإحياء القطاعات الأخرى وإدامة العملية الإنتاجية". وفي مجال نموذج التنمية فقد اشار إلى ما يلي بصواب: " ان نظريتنا الاقتصادية ينبغي ألاّ تتخلي الدولة من مسؤولياتها بالكامل في نفس الوقت الذي لا يمكن للدولة أن تنهض دون أن يكون القطاع الخاص الى جانبها". (راجع مؤتمر بدائل التنمية في العراق، جريدة المدى). فهل مارس الرجل ذلك؟ لقد عمل العكس تماماً وساهم في المزيد من التخلف والرثاثة!
أما السيد وزير التخطيط الدكتور علي بابان فقد اشار في نفس المؤتمر حول استراتيجية التنمية، وبخلاف رأي السيد الدكتور برهم صالح، إلى نقاط أربع، ولكن يهمني منها في هذا المجال ما يلي: "ان القطاعات الاقتصادية شهدت إهمالا وتراجعا خلال السنوات الماضية جراء الاعتماد على سياسة الإيراد الواحد، وأننا لا نهون من صعوبة مهمتنا في هذا الجانب اذ ان استمرار الإهمال سيجعل الاصلاح أكثر كلفة.. وأشار بابان إلى أربعة تحديات تواجه الاقتصاد العراقي مطالبا التصدي لها بجدية وحزم، .. أولا: تحرير الاقتصاد العراقي من التبعية الكاملة لإيرادات النفط وتفعيل القطاعات لتعظيم الانتاج المحلي وزيادة دخل المواطن .. ثانيا: إعادة التوازن لموازنة الدولة لصالح البرنامج الاستثماري على حساب النفقات التشغيلية". فهل سارت الحكومة بهذا الاتجاه؟ العكس ه الصحيح!
إن السياسة التي يريد الدكتور برهم صالح انتهاجها ستحول العراق إلى مستهلك لا منتج، إلى مستخرج للنفط الخام ومصدر له، وإلى مستلم لموارد النفط لينفقها على الاستيراد، وبهذا يكون تعظيم الثروة في الدول الأخرى، أما العراق وفق هذه السياسة فسيتحول إلى مفرط بثروته النفطية وموارده المالية في آن دون أن يحقق التراكم الضروري وتعظيم الثروة وزيادة التشغيل وتحسين مستوى توزيع وإعادة توزيع واستخدام الدخل.
يتمنى الإنسان على الأخ الدكتور برهم صالح، وهو الماسك بالملف الاقتصادي أن يعيد النظر بمواقفه الفكرية والسياسية من العملية الاقتصادية لصالح العراق حالياً ومستقبلاً، وكذلك لصالح إقليم كردستان العراق الذي تحول إلى مستهلك لا منتج في المجال الزراعي، بعد أن غابت عنه سابقاً الصناعة أيضاً.
الحلقة الرابعة: هل يتستر المعدل السنوي للفرد الواحد من الدخل القومي على سلبيات الواقع الاقتصادي؟

في لقائه مع قناة الشرقية ذكر الأخ الدكتور برهم صالح بارتياح ملموس ما يلي: "أنا أول الذين يقول بأن المواطن العراقي يستحق المزيد لكن لنتذكر بعض الأرقام المهمة: سنة 2003 موارد الدخل في العراق كانت (465 -$-) (المقصود هنا 465 دولار أمريكي معدل حصة الفرد الواحد في العام 2003، ك. حبيب) حسب إحصائيات البنك الدولي معدل الفرد العام تجاوز (3200-$-). البطالة كانت في 2005 (28%) الآن حسب الإحصائيات الموجودة (17.5%). (مأخوذ من نص الحديث وفق ما جاء في الإنصات المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني بتاريخ 5/5/2009). سنحاول تناول المسألتين المذكرتين في الحديث:
أولاً: حول معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي:
عندما بدأت أقرأ تصريحات الأخ الفاضل الدكتور برهم صالح ووصلت إلى المقطع أعلاه تذكرت حادثة شهيرة معروفة لمن عاش فترة العهد الملكي، ومفادها أن أحد الصحفيين سأل أحد الفراشين العاملين لدى أحد المدراء العامين في مجلس ووزارة الإعمار في بغداد عن راتبه الشهري. فأجاب الفراش: أنا والمدير العام نتسلم 203 دينار عراقي شهرياً. ألّح الصحفي بالاستفسار عن راتبه الشهري منفرداً وليس مع راتب المدير العام. فقال الفراش بخجل بالغ: راتبي 3 دنانير عراقية فقط وراتب المدير العام 200 دينار عراقي لا غير! وهذا يعني أن الراتب السنوي للمدير العام 2400 دينار، وراتب الفراش السنوي 36 ديناراً لا غير، ومجموعهما 2436 دينار عراقي، والتناسب بينهما: 98،52% للمدير العام و 1،48% للفراش. وكان للمدير العام طفلان، والفراش ستة أطفال.
هكذا يضع الأخ الدكتور برهم صالح مستوى معيشة الفرد الواحد في العراق في ضوء هذا المؤشر العام الذي لا يعبر عن حقائق الوضع في العراق وعن التمايز الجارح للكرامة الإنسانية. دعونا نبحث في هذا الرقم لنرى ما يخفي حقاً.
حين ننقل هذا الرقم إلى بنية وواقع الاقتصاد العراقي سنجد أمامنا الوقائع التالية:
1. حول بنية الاقتصاد العراقي: أن القسم الأعظم من هذا المؤشر ناشئ من إيرادات قطاع النفط الخام المصدر وليس من القطاعات الاقتصادية الإنتاجية الأخرى كالصناعة والزراعة على سبيل المثال لا الحصر. وهذا تعبير عن تشوه وخلل كبير في بنية الاقتصاد العراقي أولاً، ومن ثم فهو قابل للزيادة أو النقصان بفعل ثلاثة عوامل: 1) حاجة الطلب الدولي على النفط والكميات الممكن تصديرها سنوياً؛ و2) وسعر البرميل الواحد المتقلب وفق العرض والطلب؛ و3) الأوضاع السياسية المحيطة بالبلد أو علاقات البلد بالدول والمجتمع الدولي ومدى تأثير ذلك على إنتاج وتصدير النفط الخام. وإذا ما قارنا إيرادات العام الماضي بإيرادات هذا العام حيث استفحلت الأزمة سنجد الخبر اليقين في الخطورة والخطأ الفادح في الاعتماد على اقتصاد النفط الخام فقط بدلاً من تنمية وتطوير الصناعات التحويلية والزراعة المحلية .. الخ. ولا نريد أن نذكر هنا ما حصل للعراق في فترة الحصار الاقتصادي أو الحروب التي خاضها النظام الدكتاتوري. بمعنى آخر أن هذا الرقم لا يشير للقراء والقارئات إلى أن الاقتصاد العراقي اقتصاد ريعي واستهلاكي يخسر أغلب دخله القومي في الاستيراد ولا ينمي تراكماته الرأسمالية عبر تنمية الإنتاج، وأنه ليس اقتصاداً إنتاجياً واستهلاكياً يغني الثروة الوطنية ويشغل الأيدي العاملة ويزيد من السيولة النقدية في آن ويحسن مستوى معيشة السكان.
2. ففي الوقت الذي بلغت إيرادات العراق من تصدير النفط الخام في العام 2008 وفق تصريح وزير النفط العراقي الدكتور حسن الشهرستاني 61 مليار و883 مليون -$-، فأن تقدير إيرادات النفط لعام 2009 الجاري يقترب من نصف هذا المبلغ أو أقل، وسينعكس هذا بالضرورة سلباً وبشكل مباشرة على المؤشر الذي قدمه لنا الدكتور برهم صالح حول معدل حصة الفرد الواحد من الدخل القومي في السنة.
3. وأن هذا المؤشر لا يدلنا على واقع التوزيع الفعلي للدخل بين أفراد المجتمع، إذ أنه يأخذ المعدل الوسط بين الناس، وفي المثال الذي أوردته عن الفراش والمدير العام نرى بأن معدل حصة الفرد الواحد من راتبهما المشترك هو 101،5 دينار لكل منهما، في حين أن الحقيقة غير ذلك حيث يتسلم المدير العام 200 دينار والثاني يتسلم 3 دنانير في الشهر لا غير. وهنا نجد بكل وضوح أن هذا المؤشر يتستر على غياب العدالة في التوزيع عند الحديث عن هذا المؤشر، وهو رقم يراد به التشويش على واقع التوزيع الطبقي المجحف وغير العادل للدخل القومي في المجتمع وفي غير صالح الغالبية العظمى من أفراد المجتمع، بل في صالح فئة صغيرة منه.
4. وهذا المؤشر لا يدلنا على كيفية توزيع الدخل القومي بين القطاعات الاقتصادية لاستخدامه في عملية التنمية، أي ما هي حصة القطاعات الإنتاجية والقطاعات الاستهلاكية، وكيف يوزع بين أرباح لرأسماليين وكبار الملاكين العراقيين والأجانب، وبين أجور العمال ومدخولات الفلاحين وصغار المنتجين، إذ كما نعرف يقسم الدخل القومي إلى جزئين هما فائض القيمة أو الربح والريع من جهة، والأجور ومدخلات الفلاحين والمنتجين الأخرين من جهة أخرى. ومن هنا يتبين أيضاً من هو الذي يستفيد لا من عملية توزيع الدخل القومي فحسب، بل ومن عملية إعادة التوزيع التي تتجلى في الخدمات الصحية والتعليم والخدمات الأخرى التي يفترض أن يتمتع بها كل المواطنات والمواطنين على حد سواء، في حين تكون للأغنياء والميسورين وكبار موظفي الدولة حصة الأسد، في حين أن الفقراء والمعوزين في المدينة والريف يعيشون على فتات الموائد، أو لا يتمتعون بشيء يذكر...الخ.
5. وهذا المؤشر لا يدلنا على واقع الفساد المالي في الدولة العراقية الراهنة وما هو حجم المسروق من الدخل القومي سنوياً، وهل هذا الرقم قبل أو بعد النهب الذي يتعرض له الاقتصاد الوطني. وفي الغالب الأعم يقصد بالرقم بعد النهب غير المعروف من حيث الكمية، ولكن النهب يستمر فيما بعد أيضاً من خلال العمولات والرشوات وسوء التصرف في العقود والمقاولات ومواد البناء أو الاستخدام السيئ للموارد وتهريب النفط الخام على مستوى العراق كله، بما فيه الإقليم... الخ.
إن هذا المؤشر حين يستخدم بالصورة التي استخدمها الدكتور برهم صالح، أدرك ذلك أم لم يدركه، مؤشر خادع يفترض أن لا يستخدم إلا في أغراض معينة، إذ أنه لا يعكس حقيقة الوضع الاقتصادي والاجتماعي في العراق، بل يراد منه تغطية التشوه والانكشاف على الخارج والتوزيع غير العادل والاستخدام السيئ للدخل القومي، رغم التحسن النسبي الحاصل الذي لا نريد السكوت عنه. والسؤال هو من المستفيد من هذا التحسن النسبي؟ أعتقد إن إجاباتنا ستختلف بحكم الخلفية الفكرية التي نعتمدها في تقييم وتقويم الأمور الجارية في العراق، خاصة وأن الأمم المتحدة تتحدث عن النسبة العالية لمن يعيش في العراق تحت خط الفقر المعترف به دولياً للدولة النامية والتي تتراوح بين 30-40% من مجموع الشعب العراقي.

ثانياً: حول البطالة:
يشير الدكتور برهم صالح إلى أن البطالة تبلغ الآن في العراق 17،5 %، وهو رقم يثلج الصدور في ظروف العراق الراهنة إن كان الرقم صحيحاً، حيث كانت البطالة تزيد عن 50 %. ولكن تدور في البال الأسئلة التالية:
هل هذا الرقيم صحيح؟ وكيف استخرج؟ وما هو حجم البطالة المقنعة في الوقت الحاضر؟ ثم كيف نعالج هذه المشكلة؟
السبب في إثارتي لهذه الاستفسارات هو ذاكرتي التي لا تزال طرية في فترة العمل في وزارة الزراعة والمجلس الزراعي الأعلى حيث كانت الطريقة تتم على النحو التالي: تقدير مساحات الأراضي المزروعة بالحنطة في كل محافظة، ثم تقدير معدل غلة الدونم الواحد، ثم ضرب المساحة المقدرة بالغلة المقدرة ليكون الإنتاج السنوي المقدر. والفارق كان باستمرار كبيراً بين حساب الحقل وحساب البيدر، بين الواقع الفعلي والحسابات التخمينية لقسم الاقتصاد الزراعي في وزارة الزراعة العراقية! والنتيجة كانت تؤثر على تقدير حجم الاستهلاك والحاجة للاستيراد التي غالباً ما تكون مؤذية للمستهلك أو مرهقة لميزانية الدولة.
إن البطالة في العراق تزيد كثيراً عن هذا الرقم. إليكم بعض الأرقام غير الدقيقة التي تسجلها وزارة التخطيط التي اعتمد عليها الدكتور برهم صالح في إيراد الرقم 28،1 % بالنسبة لعام 2008 %:
نشرت جريدة الصباح الخبر التالي: "أشارت نتائج مسح أجرته وزارة التخطيط والتعاون الإنمائي بالتعاون مع وزارة العمل والشؤون الاجتماعية في العراق إلى أن معدل البطالة بين السكان بعمر 15 عاماً فأكثر يبلغ 28.1% لكلا الجنسين، وقد بلغ معدل البطالة للذكور 30.2 % في مقابل 16 % للنساء. وبحسب "تقرير عن نتائج مسح التشغيل والبطالة بلغ معدل البطالة في المناطق الحضرية 30% في مقابل 25.4% في المناطق الريفية". (جريدة الصباح. التخطيط تقدر حجم البطالة في العراق بأقل من ثلث السكان. أخذ المقتطف بتاريخ 16/5/2009، ك، حبيب).
ماذا يعني هذا في واقع الأمر؟ يعني إن المسح المشار إليه قد اعتبر أغلب نساء العراق ربات بيوت حتى لو كن بعمر 15 سنة فما فوق، وهو أمر غير مقبول، إذ أن نسبة عالية منهن عاطلات عن العمل ولا يجدن فرصة عمل فعلية وغير متزوجات وفي سن تلميذات أيضاً. ومن هنا أدى هذا التقدير إلى تقليص نسبة البطالة بين الجنسين إلى 28،1%، وهو رقم لا يمكن القبول به بأي حال، إذ يتعارض مع الواقع في العراق. كما أن أجهزة الدولة تضم ما يقرب من 43% من القوى العاملة ويقدر البطالة المقنعة بين هذه النسبة بما يتراوح بين 30-50%. الرقم الذي يطرحه السيد الدكتور برهم صالح غير واقعي ولا يعبر عن حقيقة البطالة في العراق بأي حال وهو بالتالي مضلل لمن يريد تنمية الاقتصاد ومعالجة البطالة، رغم أن الدكتور صالح لا ذنب له في هذا الرقم فهو صادر عن جهة رسمية. ولكن بحكم كونه إحصائياً كان عليه أن يتمعن بالرقم ولا يطرحه كقيقة ثابتة، وكذا الحال في إقليم كردستان حيث البطالة المقنعة فاحشة حقاً، دع عنك البطالة المكشوفة.
وإذا اقتطفنا مقطعاً من مجلة "الأسبوعية" الصادرة في بيروت والقريبة من الدكتور برهم صالح، فإننا سنقرأ فيها ما يلي:
" تلفت التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة إلى وجود بطالة مقنعة في العراق تقدر بما يتراوح بين 30 و50 في المائة وفقاً للبيانات المتداولة. وفي الوقت الذي قدرت منظمة العمل الدولية نسبة البطالة في العراق بما بين ربع أو ثلث القوى الإنتاجية، تشير الأرقام التقديرية للبنك الدولي، بحسب موقعه الالكتروني، إلى أن إجمالي الناتج المحلي العراقي تراجع في العام 2003 بنسبة الثلث تقريباً، واتجه نحو الربع في العام 2004، واستمر في تراجعه ما بين الربع والثلث خلال الأعوام 2005-2006-2007 – 2008، ويؤشر هذا التراجع الخطير إلى إرباك واضح للاقتصاد العراقي" راجع: الأسبوعية. 11-20 نيسان/أبريل 2009). ولا شك في أن الأمر أكثر من إرباك واضح، بل هي سياسة ينبغي لها أن تتغير!
من هذين المؤشرين نريد أن نؤكد أن في العراق تركة ثقيلة عمرها عشرات السنين من القهر والإرهاب والتهميش والتخلف والتبعية والنهب والسلب. وإن السياسات الراهنة تزيده تدهوراً، في حين أن العراق بحاجة إلى سياسات أخرى وبحاجة إلى وقت طويل لإزالة الأوضاع السيئة للنسبة العالية من السكان التي تعيش تحت خط الفقر، وفق تقديرات الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات. ولكن السؤال هو: هل يوصلنا فكر وذهنية وسياسة اللبرالية الجديدة المتطرفة التي يلتزم بها ويقترحها للعراق الدكتور برهم صالح، ومعه حكومة المالكي، إلى إزالة الواقع الذي يعيد إنتاج الفقر أم يبقي عليه ويكرسه، وفي الوقت نفسه يزيد من عدد المليونيرية من جهة، ويزيد من عدد الفقراء والعاطلين عن العمل من جهة أخرى؟ وعلينا أن نتذكر الحكمة القائلة "ما بات متخم إلا وبجانبه جياع". ألا ينبغي للعراق اختيار نموذج آخر واستراتيج آخر لعملية التنمية والتقدم في العراق بدلاً من كوارث اللبرالية الجديدة وغياب السياسات الاقتصادية ذات النهج الإنساني؟
إجابتي عن هذا السؤال واضحة، ولكن لنستمع إلى رأي طرح في مجلة "الأسبوعية" ذاتها حيث جاء في ذات المقال عن البطالة في العراق يقول:
"ويرى اقتصاديون عراقيون أن الضرورة تتجه إلى تفعيل القطاعات الإنتاجية (الصناعية الزراعية) وتوسيع قاعدة الاستثمارات؛ سعياً لخلق فرص عمل تستوعب معدلات البطالة. وترى دراسات اقتصادية مستقلة أن تسريع عملية إعادة الإعمار وتنفيذ عدد من المشاريع الاستراتيجية وتفعيل عدد من المعامل وفتح الاستثمارات في قطاع الزراعة من مقومات امتصاص البطالة، وتحريك الدورة الاقتصادية الساعية إلى تخليص الاقتصاد العراقي من اعتماده المفرط على النفط كمصدر دخل أساسي". هذا الرأي يتجاوب مع الرأي العام العراقي، ولكنه يتعارض مع النخبة الحاكمة ومجموعة من أصحاب الملايين.
إن البطالة في العراق تزيد حالياً عن هذا الرقم بنسبة عالية وأكثر من الضعف على أقل تقدير إن احتسبت مع البطالة المقنعة. إن جولة صغيرة في أجهزة الدولة والإدارات المحلية في جميع أنحاء العراق، ومنه إقليم كردستان العراق، ستنكشف أمام أصحاب البصيرة والبصر سعة البطالة المكشوفة والبطالة المقنعة المرهقة لميزانية الدولة والمعطلة للعمل. وهذا يعني أن عواقب البطالة المقنعة ليست تفريطاً بموارد البلاد المالية وعدم مشاركة هؤلاء بالإنتاج وإنتاج الدخل القومي فحسب، بل وفي عرقلة العمل والتخلف عن تلبية حاجات الناس وتأخير إنجاز معاملاتهم في دوائر الدولة. إن الإجابة عن السؤال الوارد في العنوان: نعم!
إن اقتصاد العراق، ومعه اقتصاد إقليم كردستان العراق، هو أحوج ما يكون إلى التنمية الصناعية والزراعية وليس إلى زيادة الاستيراد وإغراق الأسواق المحلية بالسلع المستوردة ذات النوعية الرديئة وسريعة الاستهلاك ومحاربة الإنتاج المحلي واستمرار البطالة المكشوفة والمقنعة واستمرار الفقر واتساع الفجوة بين مدخولات الفقراء والمنتجين وأصحاب النعمة الحديثة من القطط السمان. أتمنى على الدكتور برهم صالح أن يتخلى عن ذهنية اللبرالية الجديدة المتطرفة وليس عن فكره الرأسمالي، فهذا غير مطلوب منه، ولكن المطلوب منه أن يفكر بمصالح كل مكونات الشعب العراقي، ومنه شعب إقليم كردستان العراق، على المدى القريب والبعيد!