هل شعبنا يشعر بولادة سنة جديدة ؟

صادق محمد عبد الكريم الدبش
2017 / 12 / 28

هل شعبنا يشعر بولادة سنة جديدة ؟.. ويوم قد يكون مختلف عن سابقه ؟

نودع العام ! .. والعمر يجر أذياله رويدا رويدا !.. من دون صخب ولا ضجيج !
حياة الانسان ... لا تعدوا كونها عدد من السنوات والأشهر والأيام ..
نقضيها بين قيل وقال .. وكثرة الجدال !
والكثير من يبحث عن المال .. والجاه والقوة !.. وبأي وسيلة كانت !..

بطرق مشروعة وغير مشروعة !
حتى وأن كان هذا على حساب الملايين !.. من البؤساء وعلى حساب دمائهم الزكية الطاهرة ، ودموعهم وراحتهم وسعادتهم ، مثلما يحدث في العراق منذ سنوات !

هؤلاء المُسْتَغِلون والجَشِعون !.. يُدْركون تمام الادراك !... بأنهم سوف لن يأخذوا شيء مما يجمعوه من مال وجاه وقوة ونفوذ !...
لم يأخذوا منه شيء !!.. سيترك لورثتهم أو سيتم مصادرته من قبل الدولة !.. كونه مال حرام !

سينتج عن هذه السرقات من المال العام والخاص ، ظلم وقهر وتجويع ، للملايين البائسة ، نتيجة جشع هذه الفئة الباغية والفاسدة ، التي تتسابق مع الزمن ، لتمارس النهب والفساد والإفساد والتخريب السياسي والاجتماعي والأخلاقي .. والقيم والأعراف !..

إن عمليات الفساد التي تجري منذ سنوات ، من قبل كبار الحيتان ، وأكلهم للسحت الحرام ، مستحوذين على ما ليس لهم حق فيه ، تترتب على هذا النهب المنهجي ، نتائج مدمرة للدولة والمجتمع ، وهي عملية متواصلة ومستمرة منذ سنوات ، وبشكل تراكمي محموم ، ويتمدد عموديا وأفقيا ، فتعرض البلد ومؤسساته المختلفة الى الدمار الشامل ، مثلما نشاهده ونلمسه اليوم ، نتيجة للفساد الذي طال الدولة والمجتمع ، على يد النظام السياسي وأحزابه الفاسدة والمتخلفة فكريا وسياسيا وثقافيا وعلميا .

فمن يحكمنا اليوم من قوى ( الإسلام السياسي ) هم قوى جاهلة في علم وفن إدارة الدولة وفقهها وعلومها ، ناهيك عن تقاطع رؤيتهم وفلسفتهم مع ثقافة التحضر والحقوق ومع حركة الحياة !

قِوى أبعد ما تكون عن الديمقراطية والحريات والحقوق والمساوات للمرأة ولحقوقها في المساوات مع الرجل ، ومع حق الاختلاف والتنوع الفكري والثقافي وحرية الاختيار .

هذا من جانب ، ومن الجانب الاخر إعادة بناء مؤسسة أمنية وطنية مستقلة ، غير خاضعة لسطوة وهيمنة الأحزاب السياسية وتجاذباتها ، وأن تكون مهنية ، لتكون قادرة على بسط الأمن والدفاع عن المواطنين ، وعن ممتلكاتهم وأعراضهم وأرواحهم ، وتصد أي عدوان خارجي ، وحصر السلاح بيد هذه المؤسسة دون غيرها ، وحضر أي تشكيل مسلح خارج إطار هذه المؤسسة الهامة وبأي أسم ولأي سبب أو تبرير ، وهي شروط أساسية من ركائز بناء الدول الحديثة .

وبعكسه !..وبغياب هذه الشروط لا وجود للدولة !.. ولا وجود لمؤسساتها .

علينا ان نسعى جاهدين بإنسانية الحياة ، ومفاهيمها وقيمها الخلاقة ، بعيدا عن الغلو والتطرف والفساد والتمييز والكراهية ، وبعيدا عن الدين وقيم الدين في بناء دولة المواطنة ، ولا يجوز بأي حال من الأحوال قيام أحزاب على أساس ديني أو طائفي عنصري بغيض ، مثلما هو قائم في العراق ومنذ عقد ونصف .

هذا هو السبيل السليم والواضح ، الذي يجب إتباعه في عملية إعادة بناء دولتنا !.. إن كنا صادقين للبدء في بناء دولتنا ونظامنا السياسي ، ومن أجل رفع الحيف الذي أصاب شعبنا ووطننا ، والتوجه لبناء الحياة الكريمة الرخية والسعيدة ، ويجب التوقف عن مضيعة الوقت والمال والجهد ، وكل هذه السنوات العجاف !... فشعبنا ووطننا قد تخلف مسافات بعيدة عن ركب الحضارة والتقدم الإنساني !.. نتيجة إدارة البلد من قبل هذه القوى التي ألحقت أفدح الأضرار والكوارث بشعبنا ووطننا .

شعبنا يجب أن يعيش كباقي البشر!!.. بأمن وسلام ورخاء وإخاء ومحبة !..

فهو شعب عظيم ، ويمتلك من التأريخ الذي تفتخر به شعوب الأرض ، والإرث الإنساني الذي يتميز عن باقي الأمم والشعوب ، ولا يستحق هذا المصير المجهول والقاسي ، بل المرعب والمدمر ، و لهم كل الحق في العيش بكرامة وأمن وسلام ، وليأخذ كل فرد عراقي نصيبه في الثروة والمال وفي مؤسسات الدولة المختلفة ، وممارسة حياته بشكل طبيعي وحر ، ومن دون وصاية أو فرض وتخويف وإرهاب وطمس للحقوق ، وعدم التمييز بين أبناء الشعب الواحد ، مهما كان لونه ودينه ومنطقته وثقافته وانتمائه القومي !

لنسعا جميعا لرفع وعي الناس ، وتعريفهم بما يجب عليهم فعله ، وتبيان حقيقة هذه المهمات والواجبات للسواد الأعظم من الناس ، وتسويق كل هذه المفاهيم بالوسائل المتاحة ، ومن خلال الإعلام والفنون والثقافة وكل المؤسسات التعليمية والثقافية والتربوية ، ومن خلال التشريعات وتضمين كل ذلك في القانون والدستور ، وتعميق تلك المفاهيم الخلاقة في قيم واعراف شعبنا ، والتصدي لكل التقاليد البالية والمعوقة في بناء دولة المواطنة ، في سبيل تحقيق العدالة والمساوات والتعايش بين الناس .

على شعبنا وقواه السياسية ، من الديمقراطيين والتقدميين والوطنيين وكل الخييرين ، أن لا يرتضون لأنفسهم أن يقررالمتسلطين على رقاب الناس ، مصائرنا ويرسمون مستقبلنا حسب أهوائهم ونوازعهم ومصالحهم !.. بما يتفق ذلك مع أهدافهم ، والجشع المترسخ في نفوسهم وسلطانهم ، وعلى حساب الملايين !.. شعبنا هو من يقرر مصيره بنفسه دون سواه .

على كل الخيرين أن يدافعوا عن حقهم في المساوات الكاملة وغير المنقوصة ، وعن الحرية والحقوق ، وعن نمط العيش والتفكير بإرادتنا .

وكي لا تضطر الملايين الجائعة والمشردة ، التي تسكن الخيام وبيوت الصفيح ، والذين ليس لهم أرض ولا سكن ، الذين يطلق عليهم مجازا ( بشر!! ) ونحن منهم !!.. فيضطرون للبحث عن أي مكان !.. فيهيمون على وجوههم للبحث عن ملاذ يلجؤون اليه في أرض الله الواسعة ، والبحث عن لقمة عيش يسدون بها رمقهم !.. وعن سكن ينامون تحت سقفه بأمان وبكرامة ، فقد ذاق شعبنا الذل والهوان ومنذ عقود ؟
من التهجير القسري وبذرائع وحجج مختلفة ، والقمع والإرهاب والقتل والتعذيب ، الذي مارسته الأنظمة المتعاقبة بحق الألاف ، فتجد العراقيون اليوم في كل بقاع الأرض .. وهم بالملايين !!.. فوطنهم لم يجدوا فيه حيز أمن يستظلون بظله !.. يُشعرهم بالأمان والإطمئنان ، وما نشاهده منذ سنوات ... من الهجرة لهذه الملايين من بلداننا العربية ، والهروب من واقعهم المؤلم ، يبحثوا عن حياة أفضل ، بعيدا عن اوطانهم وعن الأهل والأحبة ، ولأسباب قاهرة أجبرتهم على ركوب البحر والبر و الموت والهوان ، فيتركوا الغالي والنفيس ، ويحملوا معهم المعاناة والألم والحزن والتشرد ، يحملون ذكرياتهم وما علق من بقايا طفولتهم وفراق الأهل والحارة والجار والصحب والخلان !!..

ووطنهم الذي استوطنوا فيه ، وورثوه عن أمهاتهم وابائهم وأجدادهم ، مضطرين وكارهين لغياب الحد الأدنى من الحياة ، وممارسة حقهم بالبقاء على قيد الحياة !

هكذا هي حياتنا عبارة عن مسلسل متواصل من الهموم والرعب وقساوة الحياة !.. عبارة عن عُقَدٍ وأدران ومتاعب وألام ، نحملها معنا منذ طفولتنا وتستمر ملازمة لنا في حلنا وترحالنا .. وحتى الوفاة !

فالعيش مع هذه الحقائق والمعاناة ، التي هي متعددة ومتجددة ومتنوعة ، والتي أصبحت سمة من سمات حياتنا الصعبة والمعقدة ، والتأريخ ينبئنا بألاف الأمثلة والعبر والدروس !...

السبب المباشر لكل هذه المعاناة هو الجشع الذي يُنْتِجُ كل شئ سيئ ( ينتج الجهل .. المرض .. الكراهية .. العنصرية .. الحروب .. الدمار الفكري والثقافي والعقلي والأخلاقي والمعرفي .. وَيَغيبُ عن الحياة التعايش والحب والتعاون والأمل .. ويتوقف الانسان فيه عن الإبداع والعطاء .. وتغييب القيم الإنسانية السامية !.. مِنْ رحمة وتعاطف ومساعدة الغير .. ورعاية الأطفال والضعفاء وأصحابي الاحتياجات الخاصة ، ورعاية من قاموا على تربيتك ونشأتك ، وجعلوا منك رجلا راشدا نافعا لنفسك ولوطنك ومن لهم فضل عليك ، كل ذلك ناتج عن عدم قيام المجتمع على قِيَم السلوك الإنساني !

نرى كم هو تأثير إنسانية الحياة وغيابها على حياة الناس ؟ .. وكم هو تأثير الإاستغلال والجشع على حياة البشر ؟.. والشواهد على ذلك ما يعيشه شعبنا اليوم ؟

وما الحروب التي نعيشها في العراق ومنذ ما يقرب من أربعة عقود وما زالت ؟.. إلا نتيجة لما ذكرناه !
وما غربتنا وتغربنا زمانا ومكانا ، إلا نتيجة لتلك التراكمات المَهولَة .. وهذا لا يختلف عن معاناة شعوبنا في اليمن وليبيا وسوريا والسودان وفلسطين والصومال وجنوب السودان ومناطق أخرى !...

لا يختلف في جوهره وفحواه عما عشناه وما مررنا به وما أفرزه الواقع ؟.. فأنتقل الى مناطق أخرى .. كما تمتد النار في الهشيم ، في بلداننا العربية والأفريقية ، وهو ناتج عن التدخلات السافرة والمكشوفة من قبل الولايات المتحدة والغرب وبعض الأنظمة العميلة والخانعة.

نأمل بأن يكون العام القادم خال من الحرب والموت والدمار ، ومن الجشع والكراهية والعنصرية والتمييز ومن الطائفية والمحاصصة والفساد ، وخالي من الجوع والمرض ومن الأمية ... وأن يكون عام خير ورخاء وأمان وسلام !

هذا لا يمكنه أن يحدث بقدرة قادر !.. ولا بعصى سحرية !!...
علينا ان نعي مهماتنا ؟.. وما يجب علينا فعله ، مفاتيح الأبواب المغلقة والمستعصية على الفتح بأيدينا نحن !
وأن مائدة من السماء سوف لن تنزل علينا أبدا مهما انتظرنا من سنين !...
ولن تأتي قوة خارقة تحررنا من عبوديتنا أبدا !.. مهما طال الزمن !...

بجهدنا وبخياراتنا وبرؤيتنا الكفيلة على أن نصل الى شاطئ السلام ، لا سيما ونحن على أبواب مرحلة مختلفة تماما عن سابقاتها ، والانتخابات المفصلية على الأبواب !

علينا أن نختار من نعتقد بأنه يمثل طموحنا ، ويحقق رغباتنا ، النزيه والوطني والصادق الأمين ، وليس الكاذبين والمفترين والحرامية ، اختاروا من يرعى مصالحكم ويحرص على سعادتكم ويصون كرامتكم ويدافع عن حقوقكم وعن أرواحكم ويحافظ على أمنكم وأمن عوائلكم وأبنائكم .

أنتم جربتم القوى المتسلطة عليكم منذ اثنتا عشرة سنة ، ولثلاث دورات انتخابية ، ولم يقدموا لكم شيء ملموس ، بل العكس !.. البطالة تسود المجتمع العراقي ، وغياب الخدمات والأمن ، والتمييز بين المكونات المختلفة ، وسرقوا كل شيء في هذا البلد ، جوعوكم وقتلوا الأمل في نفوسكم ، وزرعوا الكراهية والعنصرية والتناحر فيما بينكم ، بدل أن يزرعوا المحبة والالفة والتعايش والتعاون بين الجميع !...

يجب عليكم أن لا تكرروا أخطاء الماضي ، ولا تعطوا لهؤلاء فرصة أخرى فتندموا ، حينها ستدفعون ثمن خياركم الخطأ ، دم ودموع وألام وجوع وبؤس وحرمان .

بأراتكم وباختياركم النظيف والشريف والوطني ، من أصحابي الضمائر الحية ، من المخلصين والنجباء ، الذين رفعوا أصواتهم عاليا في سوح التحرير ومنذ ما يزيد على العامين ، دفاعا عنكم وعن كل الكادحين والمحرومين ، وأنتم تعرفونهم كما تعرفون أنفسكم .

هؤلاء هم طوق نجاة العراق وشعبه ، وعلى أيديهم سنعيد بناء وطننا وكما تريدوه !.. قويا .. حرا ومستقلا وموحد ، رخيا وسعيد ، وبجهد أبنائه المخلصين ، وبمكوناته وأطيافه المختلفة ، من دون إلغاء أو إقصاء وتهميش .
برجاله ونسائه .. بفتياته وشبابه ... وكل عام وشعبنا وشعوب الأرض بخير وسلام وأمان .

نهدي هذه الأبيات للعراق والعراقيين ، نتعشم خيرا بأن يكون العراق وشعبه ، بخير ومحبة وسلام ورخاء وأمان ، تزهو فيه الطفولة ، والصبية والصبايا بحياة مختلفة عن الأعوام التي مضت ، بسعادة ورخاء وأمن .

وقال فيها الشاعر نزار قباني

مد بساطك واملئي اكوابي
وانس العتاب فقد نسيت عتابي
عيناك يا بغداد منذ طفولتي
شمسان ناعمتان في اهدابي
لا تنكري وجهي فانت حبيبتي
وورود مائدتي وكأس شرابي
بغداد جئتك كالسفينة متعبا
اخفي جراحاتي وراء ثيابي
بغداد عشت الحسن في الوانه
لكن حسنك لم يكن بحسابي

صادق محمد عبد الكريم الدبش

28/12/2017 م