من الابارتايد عموما إلى الابارتايد اللغوي

الشهيد كسيلة
2017 / 12 / 28

من فضائل هذا العصر وحسناته التي فاقت ما كان يخادع به سيرك الخزعبلات الشعوب القديمة أنّ كل شعوب العالم - مهما كان وزنها الديمغرافي - تتحرر من أدران القرون المظلمة التي مرت بها الإنسانية عموما حيث كانت السيطرة على العقول من قبل تحالف الكهنوت مع أمراء المال والعسكر سيطرة تامة فصنع أولئك الأفاعي لأنفسهم انسابا سماوية إلهية وبالغوا في الترفع عن بني الإنسان بكل الأشكال وأباحوا لأنفسهم ما يخالف الطبيعة فاقروا الاسترقاق والاستغلام والتسري وأقاموا أسواقا يباع فيها الإنسان كما يباع البقر واحتكروا كل الملاذ ...
هذه الفظاعات في التاريخ الإنساني تصل أوجها باختراع النصوص المقدسة والأسرار الدينية واللغات السماوية المقدسة واحتكار التواصل مع الآلهة مثلما فعل الفراعنة الذين تألهوا وبلغ تطرفهم حد إباحة زواج المحارم الذي جعلوه الأساس الذي لا محاد عنه في العائلة الفرعونية وهذا حتى لا يختلطوا بالعامة فيفقدوا الأسرار الإلهية .
هكذا يصبح لكهنوت الفراعنة لغتهم الهيراطيقية التي ترفعهم فوق مدارك العقل العامي ويصبح للإله ابولو في دلف هاتفه الذي ينقل إلى العامة وحيا إلهيا يقودهم في حياتهم ومماتهم ويجعلهم رهن إشارة الكهنة والملوك ويصبح الكهنة طبقة لها كل الحظوة في الهند ولها لغتها السرية السنسكريتية لغة الوحي الإلهي التي لا يمكن أن يتسع لها عقل الطبقات الشعبية .
هكذا تحولت تلك المعتقدات إلى منظومة من الخدع والأوهام المضللة والمتفننة في تدمير العقل البشري وأنتجت تلك المعتقدات طقوسها وفلسفتها وفقهها ونظمها السياسية والاجتماعية وسعت إلى ديمومة البؤس والشقاء الإنساني بنصوص وشرائع يشاع أنها إلهية لا يمكن الفكاك منها وألا حلت اللعنة ليظل أولئك البسطاء أسرى تلك النصوص .
أيّ جرم أشنع من جرم كهنة قرطاج الفينيقيين الذين يتقربون إلى إلههم الوحشي بإحراق الأطفال في طوفات Tophets ... وأي جرم أفظع من جرم المعتقد الذي يفرض على تلك المرأة البائسة "الحريماتو" أو "القادشتو" التي تظل تنتظر من يمارس معها الجنس المقدس ليرضى عنها الإله ... وهذا كله إمعان في إذلال الإنسان والسير وراء الأوهام التي يستفيد منها الكهنة كطبقة عليا فصلت نفسها نهائيا عن الأرض والبشر وارتبطت بالآلهة والسماوات العليا.
ومع أنّ هذه المشاهد قديمة طواها الزمن كما قد يبدو غلا أنّ بقاياها لا تزال جزئيا مثلما يحدث في العالم الإسلامي الذي يخضع للغة يصفها الكهنة بأنها سماوية إلهية فردوسية لا يمكن المساس بها أو ترقيتها في نحوها وصرفها المتكلس المتحجر لتساير العصر ومع أن الحياة والمعاملات اليومية تجاوزتها إلى لغة عملية تسمى "العامية" احتقارا لها إلى درجة أن تلفزيون وإذاعة الجزائر على امتداد أكثر من نصف قرن منع الكلام بلغة أخرى غير العربية الفصيحة المفصحة بل أكثر من ذلك يقف الإمام في خطبة الجمعة يبقي خطابه بلغة قرشية قد لا يفهمها حتى المتنبي وكأنه في مجمع اللغة العربية وهذا أمام مصلين أمازيغ يمارس عليهم تمييز لغوي يقهرهم في ذاتهم وفي انتمائهم ويهينهم في شخصهم ويجعل مجرد التفوه بكلمة من لغتهم عملا مخجلا ، وهل يجرؤ أي كان على الاعتراض ، وهو إن فعل سينسب إلى الحماقة وسيخوَّن وفي فترة سياسية سابقة سيقاد إلى الاعتقال والسجن والتعذيب.
ما صدّره البعث والوهابية الأول منهاج التعليم والثاني الإسلام السياسي أوصل البلد إلى حرب أهلية غير أنّ الأثر الأعمق لا يزال قائما فقد زرع فكرا لا يمكن اجتثاثه بسهولة . لقد تمّ فصل الأجيال الجديدة عن تاريخها وهويتها ولغتها الامازيغية ووزّعت على الشعب أنسابا وهمية لا تزال تغذّيها منصّات انترناتية معروفة وبعد أكثر من نصف قرن من الابارتايد اللغوي ها هي الامازيغية التي اعتقد بعض المتقرمطين في المغرب والجزائر أنها قُبرت ؛ هاهي تقوم من عثرتها لتعلن أن الأمة حية وهل للأمة حياة إلا في حياة لغتها .