علّة ابن آوى وسُبل التعامل معه

ماجد ع محمد
2017 / 12 / 28

"الحاقد عدو لدود تسكن في عينيه أخطاء الآخرين"
على المستوى الشعبي يُقال في منطقة عفرين* إن ابن آوى ذلك الحيوان الذي لا ينشط إلاّ ليلاً، أنه ليس شهماً بما فيه الكفاية حتى يأتيك وجهاً لوجه، بالرغم من انتمائه إلى العائلة التي تضم الذئاب والكلاب، وأنه ليس شجاعاً حتى يناورك علانية كما قد يفعل الذئب، وأن لا ثقة مطلقة به بالرغم من صلة القرابة بينه وبين الكلب، لذا عليك الاحتراس من مباغتته، لأنه لا يأتي على الواحد إلاَّ على غفلة ومن الخلف حصراً، ولا يغرس مخالبه إلاّ في أعقاب كاحل الإنسان، وإن أمسك بأعقاب المرءِ لا يترك المعضوضَ إلاَّ وقد انتُزع جزءٌ من لحم قدمه، هكذا تقول العامة في منطقتنا الجبلية عن ذلك النوع من البهائم، وبعيداً عن الأحراش والغابات وثقافة القرويين، ففيما يتعلق بالأوادم نتصور بأن أكثر الأماكن ازدحاماً بمن يحملون تلك الصفات هي حقول التجارة ومضارب السياسة.
ولأن موضوعنا غير اقتصادي لذا سنكتفي بالجانب السياسي في وقفتنا هذه، إذ بعد أن بعث لي مشكورا بعض الأخوة في إقليم كردستان صوراً ومقاطع عن الأعمال والخدمات التي قدمتها حكومة إقليم كردستان المحارَبة منذ سنوات مِن قبل الحكومة المركزية عدا عن دول الجوار، إذ وبالرغم من اسقتطاع بغداد مرارا من رواتب والمستحقات المالية للإقليم عدا عن الحصة الضئيلة لحكومة الإقليم من ميزانية العراق ككل مقابل ضخامة حصة حكومة بغداد، استطاعت أربيل بالموارد المتاحة إيصال الإقليم إلى حالة أرقى بعشر مرات مما هي عليه مدن العراق عامةً وبغداد على وجه الخصوص، ولكن مع كل ذلك الفرق الواضح بين الموقعين مع فارق الميزانيتين، فباسم نقد أداء حكومة الإقليم ثمة من لا وظيفة لديه غير النيل منها، وهو ما يدل على أن ثمة قبح ما يقيم في خلفية ذائقتهم حتى لم يعد بمقدورهم رؤية أي جمالٍ في أرجاء الإقليم، أو لعلهم من عُشاق المستنقعات، لذلك يحنون إلى الارتماء في أحضان العفونة السابقة، بل ولا يتوقف شوقهم عند رغبة التمرغ في التُرع المتفسخة، إنما يستقوون أيضاً ببغداد التي فساد سياسييها ملأ الأرجاء ويكاد يخنق كل محافظات العراق، وهذا الاستقواء بالخارج تجاه الداخل إن دل على شيء فهو يدل على أن المستقوي أولاً جبان بمحض الإرادة ولا يقدر على مواجهة ما في الداخل بشهامة، وثانياً هو لدليل على أنه يصطنع المشاكل حتى يخفي ما يعانيه من العلل، أو أن حاله كحالة مَن يعترض لا لشيء إنما ليتم إرضاءه بشيءٍ من لدُن مَن ينتقدهم، باعتبار أن المقدِّح لا وظيفة لديه غير المكوث على الأرائك والشرفات ومراقبة أخطاء من يعمل، ومن ثم العمل على تضخيمها أمام الملأ ووسائل الإعلام، من غير أن يتساءل الملوّح بمثالب غيره مرةً عن عورته والعلل التي يعاني منها هو نفسه.
وبما أن من طبع الكائن الرعديد أن لا يتجرأ على من يخشى غضبه وسلطانه، وألا يرفع صوته أمام من كان يعمل بأمرتهم كالمستخدَم المُنقاد؛ لذا دأبه ألا يتقاوى إلاَّ على من يحترمونه ويعطونه المجال لإبداء رأيه، ومن ذلك المنطلق فقد دعت حركة التغيير قبل الإنسحاب من حكومة الإقليم وعلى لسان القيادي المسمى شورش حاجي، بغدادَ إلى مصادرة أموال المسؤولين الكبار في إقليم كردستان لتسديد الديون المتراكمة، محملاً حكومة الإقليم مسؤولية تراكم تلك الديون التي بلغت نحو 14 مليار دولار؛ ولأنه لا يمتلك ولو نتفاً من مؤهلات الشجاعة ليقف أمام العبادي ويقول له بأي حق تتهرب من دفع مستحقات الإقليم منذ عام 2014، وبأي حق تمنع بغداد إيصال السلاح إلى البيشمركة الذين لولاهم لكانت حكومة العبادي تختبئ في المصارف الصحية أو سلّم مسؤولو الحكومة أقدامهم للريح وفروا إلى أوكارهم في طهران كلاجئين، إنما بخلاف ذلك فيخنع خطابه كالأُجراء أمام حكّام بغداد ولا يرتفع عويل رهطه إلاَّ بوجه حكومة الإقليم التي تعاملهم كبشر وليس كأذناب وذيول كما تفعل حكومة بغداد.
عموماً فأمثال حركة كوران أو الجماعة الاسلامية في إقليم كردستان من السهل إيجادهم في كل بقعة جغرافية شرقية أو مجتمع من المجتمعات، لئن في الحياة أينما كانت ثمة من يحمل أعباء الوجود معك، وبالمقابل هناك من يتكل عليك، ولكي يُخفي المتّكل المتطفل تقاعسه واتكاله لا يكف عن إظهار تذمره أو نقده لمجموع العاملين وهو يتأفف جيئةً وذهابا، وذلك حتى يُخال للمراقب وكأنّ أعمدة الكون هو من رفعها لا غيره، وبناءً عليه صار يمنن البشرية على ما أنجزه، ونرى بأن هؤلاء النماذج يكون الرد على نقدهم بالنقد مساهماً في تعاظم شأنهم، إنما خير آلية للتعامل معهم من خلالها هي إشغالهم بعللهم، حتى لا يكون لديهم متسعٌ من الوقت ليحيكوا المؤامرات أو ينصبوا الفِخاخ في دروب من يعمل.
حيث المنطق يقول بأن الذي معك ولا يعمل إلاَّ ضدك، ولا تُفرحه إلاَّ هزائمك، ومن بين كل مخاصميه لا ينال إلاَّ منك، هو في حقيقة الأمر عدوٌ مبين، ولكنه صودف أن جاورك، وربما لو كان في جبهة مَن أعلن الحرب عليك من الخارج لكان قتاله لك أخس ممن يحاربونك، بما أن خطورة العدوِ الكامن تبقى قائمة كالجمرات المغطاة بالرماد وهي تنتظر من يُحركها، لأن من يعاديك عن بُعد فعبر الاتفاق معه أو وفق برتوكولٍ ما قد تُخفّف حملة العداوة بينكما خلال أيام، فالأمر مرهون بالتعاهد ومن ثم بالإعلانِ الذي يعقبه الإعلام الذي يتكفل بإزاحة صفحة وفتح أخرى وفق ما تقتضيه مصلحة المتصالحين، أما مَن يكن لكَ حقدا اجتماعياً وأيديولوجياً معاً، فلا شفاء له من جم ما اجتمع في قاع بنيانه من الأسقام والضغائن، فإن كُنتَ رحيماً ـ وهذا ما تشير إليه الوقائع ـ ولا تبغي القضاء عليه، فعلى الأقل لكي تُبعِد شِراك مكائده عنك، عليك أن تسعى جاهداً لإدارة سهام ضغائنه تجاه أحشائه، وأن تدع نار حقده يأكل بعضه بعضا.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*عفرين: منطقة جبلية تقع شمال محافظة حلب السورية وتتبعها إدارياً، سماها الأتراك (كرداغ) أي جبل الكرد.