سيرة أخرى 64

دلور ميقري
2017 / 12 / 28

1
في مثل هذه الأيام من كل سنة، أعتدتُ على استعادة ذكرى صديقي وقريبي " حسون ". كنتُ أرى فيه مثالاً لما يُدعى " الأبيقوري "؛ وهوَ من يسير على خطى فلسفة إغريقية، قائمة على حب الحياة وملذاتها والابتعاد عن كل ما يذكّر بالموت والألم. ما كان لصديقنا أن يبقى مخلصاً لفلسفته الموصوفة، لولا أنه حظيَ فجأةً بميراثٍ مُجْزٍ. حصلَ الأمرُ بمنتصف الثمانينات، عندما جرى تحويل منزل أهله القديم إلى بناية سكنية حديثة. إلا أنّ النهاية المحزنة لحياة صديقنا، والتي جدّت بعد ذلك التاريخ بحوالي خمسة عشر سنة، لم تكن ببال أحد ممن عرفه. كان قد سبقَ أن بدد المال، ولم يعُد أمامه سوى فرصة اللجوء إلى أوروبا. ثمة في ألمانيا، تم رفض طلبه. ويبدو أنه استسلم لليأس، مستبدلاً ابيقوريته العريقة بفكرة عبثية الحياة.
بالنسبة للعديد من معارفه، كان " حسون " مزاجياً وصعب المعاشرة. في المقابل، لم ينكر هؤلاء ما تميز به من طيبة وطرافة. من ناحيتي، كنت أثق بصداقته. ويمكن القول إنّ تأثيري عليه بدأ في فترة مبكرة، كوني قريبه وأكبره بعامين على الأقل. شجعته على أكمال دراسته الأساسية، وكان يشكو قبلئذٍ من أنه لا يتمكن من متابعة الأفلام السينمائية المترجمة. فيما بعد فاجأني اهتمامه بروايات دستويفسكي، وكان يقول أن ما يشده إليها هو تعمقها بتحليل النفسية الانسانية. " حسون "، في المقابل، لم يكن يشاركني الإهتمامَ بالسياسة. آنذاك كنت متحمساً للفكر اليساريّ، وأغلب أصدقائي المقربين كانوا كذلك. سرعان ما أضحى هؤلاء على صلة صداقة مع " حسون "، حتى أنه أخذ يشاركهم السهرات والحفلات. ثم أخذ ينأى بنفسه عن أكثر أولئك الأصحاب، بعدما لاحظ موقفهم العدائي تجاهي حينَ أختلفتُ معهم سياسياً. إلا أن بعضهم بقيَ يحوم حوله، كما الذباب المنجذب إلى قرص العسل.

2
" حَسَن صَبي "، تعبير شامي يُراد به وَصْمَ البنت بالشقاوة أو القول بأنها تتقمص شكلَ وسلوك الأولاد الذكور. هكذا بنت، غالباً ما تقحم نفسها في ألعاب لدّاتها من الأولاد وقد تخوض العراك معهم. أعتقدُ أن ذلك التعبير مستقى من مثيله، " بابا حَسَن "، الذي يوصف به المنحرفون من الفتية الذكور. كون المجتمع الدمشقي على قدر كبير من المحافظة، فقد أوجدَ حاجزاً منيعاً بين الجنسين يمنع إختلاطهما في الأمكنة العامة. بل إن الأمر ينطبق أيضاً على المدرسة الإبتدائية، وصولاً إلى نهاية المرحلة الثانوية.
في زمن الطفولة، حلّت أسرة غريبة في الزقاق باستئجارها الدور العلوي لمنزل أحد أعمامي. كان كبير الأسرة شرطياً، وهوَ بالأصل من مصيفٍ يتبع مدينة الزبداني. ابنته الأكبر مني بحوالي الثلاثة أعوام، كانت متطبّعة بالبيئة الريفية المنفتحة. فما لبثت أن أخذت تشارك أولاد الزقاق ألعابهم ولهوهم. سلوكها هذا، لم نتقبله في البداية. لسوء حظي، تطوعتُ ذات مرة للسخرية منها. فإذا بها تدفعني في صدري بقوة، فترميني أرضاً. وإذا كان الحادث لم يتكرر، فلكون الأسرة الغريبة مقيمة بمنزل عمي، علاوة على عقد بناتها لاحقاً صداقة مع شقيقاتي. بقيَ الحالُ كذلك إلى أن انتقلت أسرتهم إلى منزل آخر، يقع في شرق الحي. ذات يوم، مضيتُ مع والدتي وخالتي لزيارتهم. ربما كان قد مضى عام، لم ألتقِ خلاله مع ابنة أولئك الجيران السالفين. لدهشتي، فإنني عوضاً عن رؤية " حسن صبي " زمان، إذا بي أمام فتاة فاتنة الملامح. فكأنما كانت المرة الأولى، التي أرى فيها شعرها الأشقر الكثيف والنمش المُحَبب فوق وجنتيها. أندفعت نحوي مُرحبةً، ببساطة طبعها المعتاد. إلا أنه الإرتباك، هذه المرة، مَنْ جعلني أتراجع وأكاد أقع أرضاً!