جدل الحق والقوة (9 ) إبتلاء الاستخلاف فى فرعون وبنى اسرائيل ( 2 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2017 / 12 / 28

جدل الحق والقوة (9 ) إبتلاء الاستخلاف فى فرعون وبنى اسرائيل ( 2 من 2 )
ثالثا : الاستخلاف ( والاهلاك ) بين مشيئة البشر ومشيئة الخالق جل وعلا
1 ـ قلنا إن الله جل وعلا خلق الانسان حرا فى مشيئته إن شاء الإيمان وإن شاء الكفر ، (وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (29) الكهف )، وخلقه حرا فى تصرفه ، وقال جل وعلا للملحدين فى آياته: إعملوا ما شئتم : ( إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِناً يَوْمَ الْقِيَامَةِ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (40) فصلت ). والله جل يهدى من من البشر من يشاء منهم الهداية ، ويضل منهم من يشاء منهم الضلالة ( أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَناً فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ) (8) فاطر ). هى
نفس المشيئة البشرية فى السياسة والمُلك . إذا شاء البشر الخنوع والخضوع لحاكم مستبد وارتضوا به حاكما ، إعترف به رب العزة حاكما عليهم ، ووصفه ملكا . وفى عصر موسى كان هناك ملك غاصب من القراصنة يأخذ كل سفينة غصبا ( لعله كان من فينيقيا أو من قبرص ). وجاء هذا فى قصة موسى مع العبد الصالح الذى خرق سفينة لمساكين يعملون فى البحر ثم شرح تصرفه لموسى قائلا : ( أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً (79) الكهف ) . هنا ملك غاصب قرصان بحرى . ولكن رضى به قومه ملكا فوصفه رب العزة بالمُلك . ونفس الحال مع ذلك الملك الكافر الذى حاجّ ابراهيم عليه السلام فى ربه ، وقد آتاه الله جل وعلا المُلك مع كفره ، لأن الشعب إرتضاه ملكا ( أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّي الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنْ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258) البقرة ) .
مشيئة الله لأن يتولى أحدهم المُلك تأتى تابعة لمشيئة الناس فى الخنوع اليه . ثم إن مشيئة الناس فى تغيير ما بأنفسهم من خضوع وخنوع ـ إذا نجحت وغيّرت ما بأنفسهم ـ فإن مشيئة الله جل وعلا تعترف بهذا التغيير وتوثقه، قال جل وعلا : (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ )(11) الرعد ) . قلنا هذا كثيرا فى مشيئة الناس التى هى الأساس ، ثم مشيئة الله التالية بإعتبار حرية البشر فى المشيئة ومسئوليتهم عليها فى الدنيا والآخرة .
2 ـ على أن كون المشيئة الالهية هى التالية المؤكدة للأولى فهذا يعنى أيضا أنها المشيئة الأخيرة ، فالوضع فى النهاية قد يأتى منسوبا لرب العزة ، وهنا نفهم قوله جل وعلا : ( قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26) آل عمران ) . ليس هذا فقط فى إتيان الملك ونزع الملك ولكن أيضا فى موضوع الاستخلاف والابتلاء وهو موضوعنا الأصلى هنا . فبالابتلاء والاختبار يكون إستخلاف قوم بعد قوم ، وفرعون بعد فرعون .
3 ـ وهنا نستعيد قراءة ما جاء سابقا عن فرعون الذى آتاه الله جل وعلا زينة وأموالا فى الحياة الدنيا ، وما جاء عن قارون الذى آتاه الله جل وعلا من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بحملها العصبة من الرجال الأقوياء . هنا المشيئة الالهية تأتى تالية لمشيئة البشر فى السعى للتملك والاستخلاف . شاءوا هذا وعملوا له فشاء لهم رب العزة ماشاءوا ، وإبتلاهم به ، ثم كانت عقوبتهم بما سعوا اليه .
4 ـ مشيئة البشر هى العنصر الأول هنا . العنصر الآخر هو عدم علم البشر بالغيب . فرعون سعى بكل ما يستطيع ليصل الى الحكم ، وسعى بكل ما يستطيع ليحتفظ بالحكم ، وإرتكب مذابح ومجازر بإرادته الحرة ، وهو لا يعلم الغيب المستقبلى الذى ينتظره ، وأنه هو الذى قام بتربية موسى ليكون له ولقومه عدوا وحزنا ( القصص 8 ). وهذه قاعدة قرآنية تنطبق دائما على أصحاب المكر السىء من كل نوع ، أن يحيق بهم هم مكرهم السىء ، قال جل وعلا : ( وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (43) فاطر ) ، هى أيضا سُنّة الله جل وعلا فى التعامل مع المستكبرين ، أو مع كبار المجرمين الذين يتآمرون ويمكرون للوصول الى السلطة والاحتفاظ بها وسلب الثروة مع ما ينتج عن ذلك من قتل الأبرياء وظلم المستضعفين فى الأرض ، وفى النهاية ينتهى تدبيرهم ومكرهم وتآمرهم الى هلاك ، وهم لا يعلمون أنهم يمكرون بأنفسهم فقط وهم لا يشعرون ، قال جل وعلا فى قاعدة قرآنية أخرى : ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (123) الانعام ) . لاحظ قوله جل وعلا : (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا )، هم شاءوا أن يكونوا أكابر المجرمين وسعوا لذلك فجعلهم الله جل وعلا كذلك .
5 ـ لو قيل لفرعون إن مصيره سيكون الغرق لن يرجع عن عناده . إن مؤمن آل فرعون حذره وحذر قومه من إهلاك الأمم السابقة ولم ينفع وعظه . سار فرعون الى حتفه بظلفه ، وهكذا يسير على دأبه كل الفراعنة ..حتى اليوم ..
إن الذى تشرّب الضلال فى الدنيا يستحيل عليه ان يهتدى ، إذ أنه أصبح يرى فجوره وطغيانه حسنا ، وهنا نتذكر فرعون وهو يقول لقومه ( مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَادِ (29) غافر ) وهو يصف موسى بالفساد ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26) غافر ) .
بل إن المجرمين وهم على شفا جهنم سيتمنون العودة الى الدنيا ليعملوا صالحا ، والله جل وعلا يؤكد إنهم لو عادوا الى الدنيا فلن يعملوا صالحا ، بل سيعملون نفس العمل السىء الذى كانوا يعملونه من قبل ، قال جل وعلا : ( وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (27) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (28) الأنعام )
رابعا : إستخلاف الآخرة للمتقين ـ بلا هلاك
1 ـ فى أواخر سورة القصص ــ بعد انتهاء قصة قرون وقصة موسى ــ جاءت إشارة الى الصنف النقيض ، إنهم أولئك المؤمنون المتقون الذين لا يريدون ولا يشاءون علوا فى الأرض ولا فسادا مثل فرعون وقومه وقارون الذين شاءوا العلو فى الأرض والفساد . أولئك المؤمنون المتقون قال عنهم رب العزة جل وعلا : ( تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (83) القصص ) . أولئك سيكونون أصحاب الجنة لأنهم لم يريدوا ولم يشاءوا علوا فى الدنيا ولا فسادا لإيمانهم أن الله جل وعلا وحده هو الكبير المتعال ، وهو وحده صاحب الجلال ( سبحانه وتعالى عما يصفون ). ولأنهم لم يشاءوا فى حياتهم الدنيا علوا ولا فسادا فقد عاشوا فى سكون يعملون الخيرات يبتغون وجه الله جل وعلا فقط ، ولا يأبهون برأى الناس . من الطبيعى وهم مغمورون أن يجهلهم التأريخ ويتجاهلهم التاريخ . فالتاريخ يرقص فى مواكب أصحاب العلو والفساد . وهنا نفهم لماذا لا نرى فى تاريخ المسلمين ذكرا للصحابة الأبرار السابقين بعملهم وإيمانهم الذين أشارت اليهم الآية 100 من سورة التوبة ( وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)) هؤلاء لا يعرفهم إلا الله جل وعلا الذى يعلم السّرّ وأخفى والذى يعلم خائنة الأعين وما تحفى الصدور ( غافر 19 ) ، والذى هو أعلم بإيماننا بعضنا من بعض ( النساء 25 ) والذى يعلم غيب السرائر ( آل عمران: 118 : 119 .). التاريخ يكتبه مؤرخون يرون مواكب السلطان والملأ ،ثم يروونها ويكتبونها . لا يهتمون بالمغمورين من الناس . والتاريخ معذور ، فهو يسجل من يعلو . أما عباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا فهو لا يراهم ولا يسمع بهم ، وهم أيضا لا يهتمون بهذا التاريخ الدنيوى لأنه قلوبهم معلقة بالجنة . ونرى عجبا فى كتابة التاريخ للمسلمين . تراقص التاريخ لكبار المجرمين الفاتحين الغُزاة البُغاة أبى بكر وعمر وعثمان ، وكتب تاريخا مزورا مزيفا جعلهم السابقين فى الاسلام زورا وبهتانا ، وجعلهم آلهة زورا وبهتانا .
2 ـ وإذا كان الاستخلاف فى الدنيا يعنى هلاك السابق ثم هلاك اللاحق فإن الاستخلاف فى الآخرة هو للمتقين الذين سيرثون أرض الجنة يتبوأون فيها حيث يشاءون . قال جل وعلا : (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (73) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنْ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (74) الزمر )
أخيرا : أحسن الحديث :
(وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ (105) إِنَّ فِي هَذَا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (106) الأنبياء ) ز
ودائما : صدق الله العظيم .!!