عن السلفيّة الجاميّة.. وغريمتها السرورية.. وكيف يلتقيان؟

السيد شبل
2017 / 12 / 27

السلفية الجاميّة هي نسبة لمحمد أمان الجامي، ومن أتباعها في مصر: محمد سعيد رسلان، وأسامة القوصي سابقًا.. وهي توجه رجعي تمامًا ومتعصّب، وموالي للسلطات الحاكمة، ويحرّم الخروج عليها، وهي مضاد للسلفية السرورية الحركيّة التي تكوّنت جرّاء الخلطة الإخوانية القطبيّة مع الوهابيّة *، ومن رموز السروريّة: محمد سرور الإخواني السوري "ومنه اكتسبت اسمها" ، ومحمد قطب شقيق سيّد قطب -والاثنان عاشا في السعودية لفترات طويلة من حياتهما، برعاية من آل سعود مكايدة مع النظم القوميّة وقتها، وقطب مات ودُفن في مكّة عام 2014، أما سرور فانتقل إلى لندن مع أوائل التسعينات، وقد وفّرت العاصمة الإنجليزية له مناخ واسع لنشاطه، ومات في قطر العام الماضي-، والسرورية هي التي قادات ما سُمي بـ"الصحوة" في الثمانينات بالسعوديّة، ومن أتباعها: عائض القرني وسلمان عودة وناصر العمر، وحازم أبو إسماعيل يمثل هذا الخط بمصر.

جميع هذه الأشكال تلتقي، من طرق مختلفة، في الحضن المُهيمن الأمريكي في النهاية، الأول بإلزام الشعوب بطاعة حكّامها العملاء كآل سعود، بالتحديد، والثاني بالقتال تحت راية الناتو وبتخطيط السي آي إيه في ليبيا وسوريا وسائر المناطق الآخرى.. وطبعًا التياران يجتمعان في مناسبات كالتحريض على الجهاد في أفغانستان والشيشان ويوغوسلافيا.. وما يشابه، وحين يكون للناهب الأجنبي مصلحة ما.

كما أن الطرفين رجعيّان تمامًا على المستوى الاجتماعي (فيما يخص المرأة والفنوان، مثلًا)، ويبثّان موادًا تحريضيّة كثيفة ضد مخالفيهم (مذهبيًا أو دينيًا)، وهما من عوامل بث الانقسام في المجتمعات على أساس الموروثات، ولهم نصيب وافر في تأبيد التخلّف، والتعمية على التحديات السياسية والاجتماعية الحقيقية، والإغراق في الغيبيّة، كما أن تناولهم للتراث هو على أساس توثيني تمامًا، مما يؤدي إلى الانعزال عنه، كما أن العامل المُعتقدي يغلب على القراءة، وبالتالي يحصل عُزلة تامة وقطيعة عن التركة الحضاريّة باعتبار أن رموزها سيكونون بالنسبة لهم "غير محلّ رضا"، وهنا يلتقي الخطاب الاستشراقي اللدود مع السلفية المقدِّسة التي تتجاهل السياقات التاريخية.. وهذا يُضاف لقائمة خدماتهم لأي غريم خارجي.

كذلك تلتقي جذور أبناء الفريقين وتتقاطع مع أنصار السنة المحمديّة، وهي الجمعية التي نشأت في مصر بعشرينيات القرن الماضي كامتداد ما لأفكار رشيد رضا مطعّمة بوهابية أشد، حيث ارتبطت عضويًا وتمويليًا وأيدولوجيًا بالوسط الديني والسياسي بالسعودية، وتوفّى عدد من قادتها كعبد الرازق عفيفي وعبد الرحمن الوكيل هناك، ولهذه الجمعية دور في دعم الإخوان قبل أوثناء حكمهم لعامِ في مصر، عبر "مجلس شورى العلماء" الذي تولاه عبد الله شاكر رئيس الجمعية، إلا أن الأمور تغيرت التدريج بعد إزاحتهم.

وقد تبلور خلاف بين تيارين، مع قرار استعانة آل سعود بالولايات المتحدة في نهاية 1990، حين أيّد الجاميّون، وناهض بعض السروريّة.
----
* الخلطة القطبيّة مع الوهابيّة هي الخلطة التي تمزج بين التعصّب الديني والتمايز عن المجتمع حتى على مستوى الملبس والنفور منه والخصومة مع الحياة عامة، وبين السياق السياسي، وانبثق من تلك الحالة السلفيّون الجهاديّون في مصر من أواخر الستينات، وفرّخت تلك الخلطة كل ما نراه إلى اليوم (من أول تنظيم الجهاد وحتى داعش.. مرورًا بالقاعدة، والتكفير والهجرة، والشوقييّن)، وكان للحالة الأفغانية، والدور الذي لعبته السي آي إيه وحلفائها: نظام السادات والمخابرات السعودية، النصيب الوافر في تأطير تلك الحالة وإطلاقها، كما وفّر انهزام مشروع الصعود العربي والمقاومة مع 67، ومجيء نظم عميلة، وهيمنة السعودية ورجال الأعمال الخليجيين وأموالهم، وحصول حالة من الانفلات المجتمعي على الصعيدين الاقتصادي والأخلاقي، مادة خام استفاد منها السلفيّون في جذب الأنصار، تحت شعار الرغبة في تغيير هذا الواقع، وتحرير المجتمعات من التبعيّة، ومناهضة التمييز الاجتماعي، لكن سرعان ما تنعكس الآية تحت تأثير غياب العقل الواعي والعاجز عن استيعاب الواقع ونقده، فتصير في خدمة ما حشدت لمناهضته.