جدل الحق والقوة (8 ) إبتلاء الاستخلاف فى فرعون وبنى اسرائيل ( 1 من 2 )

أحمد صبحى منصور
2017 / 12 / 27

جدل الحق والقوة (8 ) إبتلاء الاستخلاف فى فرعون وبنى اسرائيل ( 1 من 2 )
أولا : الاستخلاف فى الأرض بين الابتلاء بالخير والشّر
1 ـ يقول جل وعلا : ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35) الانبياء ) ، كل فرد يبتليه ربه جل وعلا ، يختبره بالنعمة والنقمة ، بالمحنة والمنحة . وهكذا كل أمة ، أى دولة أو مجتمع .
لكل فرد إختباره فى الحياة ثم يموت فى موعده ، ولن يؤخر الله جل وعلا نفسا إذا جاء أجلها ( وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا ) 11 ) المنافقون ) وهكذا كل أمة إذا جاء أجلها فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ( وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (34) الاعراف ) . ويعبش الأفراد وقد تفاضل بعضهم على بعض الرزق طبقا لهذا الابتلاء ، قال جل وعلا : (وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ ) 71 ) النحل )، ونفس الحال مع كل أمة ، كل دولة يتفاوت حظها شأن الأفراد ، وتختلف أوضاعها قوة وضعفا وثراءا وفقرا ، ثم تنتهى وقد إستخلف الله جل وعلا بعدها غيرها ، قال جل وعلا : ( وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (165) الانعام ).
2 ـ والقصص القرآنى خير دليل على الاستخلاف ، إستخلف الله جل وعلا قوم نوح أول مجتمع بشرى فطغوا فأغرقهم ، وإستخلف بعدهم قوم عاد ، فطغوا فقال لهم نبيهم هود عليه السلام : ( وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) الاعراف ) عاندوا فأهلكهم الله جل وعلا واستخلف بعدهم قوم ثمود ، فطغوا فقال لهم نبيهم صالح عليه السلام (وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) الاعراف ) . وهكذا توالى الاستخلاف مرتبطا بالاهلاك الكلى الى أن كان قوم فرعون آخر من أهلكهم الله جل وعلا إهلاكا جماعيا . ونزل القرآن الكريم خاتما للكتب الالهية ، وفيه يقول جل وعلا : ( وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13) ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14) يونس ). نحن خلائف بعد أمم كثيرة إستخلفها الله جل وعلا وابتلاها بالنعمة والنقمة ، ولا يزال الاختبار فينا سائرا وسائدا وملحوظا دون أن نتعظ بسيرة السابقين ، مع تكرار الأمر لنا لأن نسير فى الأرضى لننظر آثار الأمم البائدة التى أهلكها الرحمن جل وعلا .
3 ـ ليس الدليل فى القصص القرآنى وحده ، التاريخ البشرى شاهد آخر . بدأت ونشأت وإزدهرت دول مصر القديمة ، دولة تخلف دولة ، ثم إنتهى عصر الفراعنة وأصبحت مصر محكومة بالأجانب ، من اليونان والفرس والاشوريين والرومان والعرب والأتراك والأوربيين . ونفس الحال على مستوى العالم ، إمبراطوريات تتوسع ثم تتقلص وتتقزم ، من المغول الى اسبانيا والبرتغال الى فرنسا وبريطانيا العظمى .
4 ـ كان معظم أصحاب النبى محمد مستضعفين فى مكة ، وأخرجتهم قريش الى المدينة ، وتابعتهم بالغارات ، وقد وعدهم الله جل وعلا وقت هذه المحنة بالاستخلاف فى الأرض إن هم آمنوا وعملوا صالحا ، قال جل وعلا : ( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئاً وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (55) النور ). وتحقق الوعد ، وبدأت إرهاصات العصيان فقال جل وعلا يعظهم ويذكرهم : (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26) الانفال ). كان منهم أقلية من السابقين ومن المقتصدين ، ولكن الأغلبية كانت فاسقة ، خصوصا بعد أن دخلت قريش فى الاسلام قبيل موت النبى محمد عليه السلام ، وهم قوم محمد الذين حاربوه وكذبوا بالقرآن الكريم ، وبعد موت النبى إرتكبوا أكبر ردة بما يسمى بالفتوحات ، وقد حذّر رب العزة جل وعلا مقدما قوم النبى محمد عليه السلام وهددهم فقال : ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعاً وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (66) لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (67) الانعام ). وهو نفس حال العرب ( المحمديين ) الآن أنهم شيع يذيق بعضهم بأس بعض . والسبب أنهم ساروا على ( دأب فرعون ) ( الأنفال 52 ، 54 آل عمران 11 ) وقد جعل رب العزة جل وعلا فرعون سلفا ومثلا لمن أتى بعده سائرا على طريق الطغيان والفساد ( الزخرف 56 ).
ثانيا : فرعون وبنو اسرائيل مثلا للإستخلاف
1 ـ إختبر رب العزة جل وعلا فرعون بملك مصر وأنهارها ـ حيث كان نهر النيل قديما يتشعب فى دلتاه شرقا وغربا ، وحيث كانت العيون تملأ الصحراء . بقدر النعمة التى أعطاها الله جل وعلا لفرعون كان كفرانه بها ، والذى وصل الى إدعائه الربوبية العليا والألوهية ، مع الفساد والوحشية ، وقد مارس ساديته فى شعب إسرائيل المستضعف ، ولأنه كفر بالنعمة كان لا بد من عقابه بأن يستخلف الله جل وعلا مكانه بنى اسرائيل ، وأن ينتقل فرعون من هذه الدنيا الى البرزخ يتعذب فيه ويتحسر على ما صار اليه ملكه وقد ورثته بنو اسرائيل ، قال جل وعلا : ( إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص ) (وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِيّاً وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) غافر )
2 ـ الله جل وعلا هو الذى أنعم على فرعون ، وهو الذى أعطاه الأموال والزينة ، وقد دعا موسى عليه السلام ربه جل وعلا فقال : ( رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) يونس )، أى كما ان الله جل وعلا هو الذى أعطاه فالله جل وعلا هو الذى سيطمس على ما أعطاه . وكما مكّن الله جل وعلا له أن يؤسس العمائر والعروش فإن الله جل وعلا هو الذى دمّر فيما بعد هذه العمائر وتلك العروش : ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الأعراف 137 ) .
وحتى قارون قال جل وعلا إنه هو الذى آتاه من الكنوز ( وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ) (76) القصص )، ثم إن الله جل وعلا هو الذى خسف به الأرض : ( فخَسَفْنَاَ بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ )(81) القصص ).
وقبلها وحين هدّأ موسى من روع قومه قال لهم : ( عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الاعراف )، بمعنى أن إستخلافهم سيكون إبتلاءا لهم بالنعمة . إبتلاهم رب العزة بالمحنة بالاضطهاد الفرعونى كما إبتلى فرعون بالنعمة والمُلك والقوة والكنوز ، رسب فرعون فى إختبار النعمة ، ونجحوا هم فى إبتلاء المحنة ، ثم جاء دورهم فى إبتلاء النعمة وقد إستخلفهم رب العزة بعد فرعون ، فهل سينجحون أم سيخسرون . سنعرض لهذا فيما بعد بالتفصيل .
3 ـ إحساس التملك للارض وما عليها والخوف من فقدانها ظهر حين عاينوا آية موسى وإعتبروها سحرا فنطق خوفهم على ملكيتهم لمصر التى هى أرض فرعون وأرض الملأ الفرعونى ، نلاحظ هذا من قول فرعون لموسى : (قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى (57) طه ) . لا حظ كلمة ( أرضنا ) وقوله للملأ : (قَالَ لِلْمَلإٍ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) الشعراء ) ، لاحظ استعماله كلمة ( أرضكم ) ليؤثر فيهم . وهو نفس قول الملأ الفرعونى يرددون نفس قول فرعونهم حين تشاوروا فيما بينهم : (فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى (63) طه ) أى إعتبروا نظام فرعون بالنسبة لهم هو النظام السياسى الأمثل . هذا لأنهم يعتبرون مصر أرضهم : (قَالَ الْمَلأ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) الاعراف ) والرجل المؤمن من آل فرعون وعظ قومه بنفس ثقافتهم قائلا : (يَا قَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا ) (29) غافر ). وتعاظم خوف فرعون فيما بعد على ملكيته مصر ناسيا أن الله جل وعلا قد إستخلفه فيها إبتلاءا له ، ولكنه إستخدم النعمة فى الكفر فأعلن ملكيته لمصر وأنهارها فى سياق التندر على موسى ، فحشد مؤتمرا لقومه أعلن فيه لهم : (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ (51) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكَادُ يُبِينُ (52) فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (53) الزخرف ).
4 ـ عوقب فرعون وقومه بالهلاك ، والأرض التى ظنوا ملكيتهم لها تحولوا هم الى تراب فيها . وقارون الذى إغتر بكنوزه مالبث أن إبتلعته الأرض بكنوزه . وتم إستخلاف بنى اسرائيل فدخلوا فى إبتلاء النعمة بعد أن عانوا وتحملوا وصبروا على إبتلاء المحنة والنقمة .
5 ــ وهو درس ـ لو تعلمون ـ عظيم .!!