دكتاتورية التشريع

سعود سالم
2017 / 12 / 26

إن ما يميز الديموقراطيات المعاصرة سواء في أوروبا أو في أمريكا او في اليابان، هو ظاهرة طغيان القانون والتشريع على كل جوانب الحياة الإجتماعية. فهناك العشرات من القوانين والمحاكم المختلفة التي تنظم كل تفاصيل الحياة من لحظة الميلاد إلى لحظة الموت، وهذا لا يتعلق فقط بإلإنسان وإنما يشمل الحيوان والنبات والجماد. فهناك قوانين الأحوال الشخصية وقوانين الجنايات وقوانين العقارات وقوانين الإدارات وقوانين المرور والقوانين البحرية والجوية وقوانين تخص الصحة والأكل والأدوية والقوانين المتعلقة بالصناعة والزراعة والتجارة والبيئة والحيوانات البرية والأليفة وقوانين الصيد البري والبحري .. إلخ. كل تفاصيل الحياة والعلاقات المعقدة بين الإنسان والإنسان وبين الإنسان ومحيطه مقننة لحظة بلحظة. كل شيء وكل موقف له قانونه الخاص أو مرسوم قانوني ينظمه. ورغم عدم وجود إحصائية شاملة لعدد القوانين في فرنسا، فإنه يوجد اليوم أكثر من 10500 قانون وأكثر من 127000 مرسوم، هذا بالإضافة للقوانين الملغية أو المعدلة. بطبيعة الحال هذه المؤسسة الضخمة المسماة بالهيئة التشريعية أو القضائية أو القانونية هدفها المعلن هو العدالة بين الناس وحماية البيئة من المواطن وحماية المواطن من جاره المواطن. النتيجة أن هذا المواطن لا يستطيع أن يجتاز أو يقطع الطريق خارج الخطوط البيضاء التي خطها المشرع ولا يستطيع أن يقطع الطريق إلا في الضوء الأخضر ولا يستطيع أن يقود سيارته بدون حزام الأمان، وإذا أراد ذات يوم أن يذهب للنهر المجاور للصيد فعليه أن يتأكد أولا من صلاحية رخصته ومن التاريخ المصرح له بالصيد في هذه المنطقة وكذلك بالمواصفات المتعلقة بالسمك الذي لديه الحق في اصطياده وبالأدوات التي لديه الحق في إستعمالها لهذا الغرض. المثال ربما يبدو غريبا في منطقتنا الجافة الخالية من الأنهار ومن أسماك الأنهار وكذلك خالية من القوانين الوضعية كما هو الحال في الديموقراطيات الرأسمالية، ولكن هذا المثال له أهميته في الموضوع الذي نعالجه والمتعلق بطريقة ما بالسمك والأسماك. المغالاة في التقنين جعلت الحياة بكاملها موضوعا شرعيا وجعلت المواطن الغربي عموما يفقد إتصاله بالواقع وينسى كيفية الحياة البسيطة المبنية على العقل والمنطق الإجتماعي الذي واكب الحياة والتطور التدريجي للشعوب منذ العصور الساحقة القديمة. إن هذا المواطن تسحقه اليوم هذه القوانين المتعددة والتي لا يستطيع الهروب منها بأية وسيلة. فهو مطارد ومسجل ومحاصر ومراقب ومحاسب في كل ثانية يعيشها في هذا المجتمع، وفي كل تصرفاته وعلاقاته وتحركاته في الحياة اليومية، وفي كل لحظة ليس عليه أن يتسائل إذا كان هذا الأمر الذي يقوله أو يفعله أو شاهدا عليه يتوافق مع الموقف أو المنطق أو الأخلاق أو مع الشخص وخلفيته النفسية أو الإجتماعية، وإنما هل هذا الأمر مصرح به أم هو ممنوع وفي أية ظروف ؟ المواطن الأوروبي لا يلقي علبة سجائره او زجاجة البيرة في الشارع، ليس لأنه مؤدب وحسن التربية ويراعي المصلحة العامة، وإنما لأنه ممنوع قانونيا أن يرمي الإنسان الأوساخ في الشارع، وقد يتعرض للمخالفة ودفع الغرامة المالية وربما قضاء عدة أيام في السجن. القانون هو الذي يفرض عليك ألا تدخن في الأماكن العامة ولا تصرخ ولا تبصق في الشارع أو على الرصيف ولا تبول على الحائط، ويفرض عليك ألا تسير عاريا في الأماكن العامة وفي نفس الوقت ألا تغطي وجهك. بطبيعة الحال هذه القوانين تجعل الحياة أكثر سهولة، والعلاقات بين المواطنين أكثر وضوحا وأكثر عدالة مما عليه الحياة في بلدان العالم الثالث حيث يقضي الإنسان جل وقته في محاولة إقناع جاره بألا يلقي أوساخه أمام بيته رغم إن الذي نقوله عن القوانين الأوربية الوضعية ينطبق أيضا على القوانين المستندة على الشريعة والقوانين الإلهية، حيث الحلال والحرام يحل محل الممنوع والمصرح به. غير أن الجانب المظلم لهذه الظاهرة، هو تدجين المواطن ليصبح مجرد حيوان مطيع وخاضع لسلطة القانون وسلطة الدولة. لأن المشرع الذي يمنعك من التدخين في محطة القطار كما في المقهى لأسباب تتعلق بالصحة العامة يستطيع أيضا أن يمنعك من التظاهر والتعبير عن رأيك في بعض القضايا. إنه نفس المشرع الدي يسمح بنشر كاريكاتيرات ساخرة ومسيئة لشخصيات مقدسة في نظر بعض المواطنين، يمنع في نفس الوقت أي رأي معارض للفكر الرسمي المتعلق ببعض القضايا الحساسة، مثل كل ما يتعلق بإسرائيل وفلسطين إلخ.
بالإضافة إلى ظاهرة الطاعة العمياء للقوانين وتحويل المواطن إلى مجرد خروف خانع وخاضع للقانون وليس للمنطق أو للحس السليم والمصلحة العامة، فإن المبالغة والمغالات في التشريع وتقنين كل تفاصيل الحياة لتدخل في إطار الشرعية أو اللاشرعية، يجعل الحياة الإجتماعية تنزلق نحو نوع من الضبابية وعدم الواقعية. الناس لا يعيشون ببساطة وعفوية وإنما بطريقة منظمة ومرسومة مسبقا بدقة مرعبة. فالطفل قبل أن يولد بشهور عديدة يسجل في الحضانة ويحجز له مكانه، والمواطن بعد وصوله سن التقاعد وقبل موته بسنوات يحجز له مكانه في المقبرة ويدفع مراسيم الدفن. وبين الميلاد والموت يحيا الإنسان حياته وكأنه قي حلم لا يستطيع الخلاص منه إلا بالموت أو الجنون. حياة تخلو تماما من العرضية والمفاجأة والغير متوقع. وربما هذا ما يدفع الأجيال الجديدة في العالم بأسره للبحث عن هذا الشيء الذي يعطي للحياة طعما ونكهة مغايرة وذلك بالغوص في عالم مصطنع كليا من البيانات الرقمية على شاشات الهواتف الجوالة.