عشتار الفصول:10814 المنافقون، والنفاق، وتجلياته

اسحق قومي
2017 / 12 / 26

عشتار الفصول:10814

المنافقون، والنفاق، وتجلياته .
عديدةٌ هي الأمراض، التي نُصاب بها نحن البشر ، فهناك الأمراضُ الجسمية، تنشأ عن دخول الجراثيم إلى أحد وظائف أعضاء جسمنا ،فتقوم بتغيير في منهجيته مما ينتج عن ذلك الفعل نتائج بحاجة إلى معالجتها ،وإلا استفحل الأمر، وقد يؤدي إلى الموت إن لم يتم معالجته، بإعطاءه الدواء المركب من مكوّنات تقضي على ذاك النوع من الجراثيم ،ولن نُطيل لئلا نتدخل بشؤون الأطباء الأصدقاء منهم والغرباء ونحن نحترم تجربتهم العملية ، وإن كنا قد أخذنا في الجامعة دراسة نظرية عن الطب والميكانيك والسبرانتيك والاستاتيك وعلم الجمال وغيرها ، وهناك من الأمراض التي تنشأ نفسية وتؤثر على الجسم ، نسميها الأمراض (الجسمية النفسية ،السيكوسوماتية) وتظهر الأمراض النفسية والجسمية من خلال عدة حالات كالصداع النصفي ،والقرحة المعدية، أو المعوية، وأمراض القولون العصبي، ويظهر بأن أصحاب هذه الأمراض كانوا قد تعرضوا إلى حالات عاطفية واختلالات في أمزجتهم، وقد نشاهد عليهم حالات (الغضب والقلق والكبت والشعور بالذنب )،وقد يُصاب هؤلاء المرضى، بارتفاع ضغط الدم ـ القولون العصبي ـ وترجع هذه الأمراض إلى عدة أسباب منها الصراع النفسي داخل الذات، عدم التكيف مع المستجدات ، الحساسية المفرطة والشعوربالذنب، وفقدان الشخصية المريضة للحب والأمان أو لعدم قدرتها على تحقيق الحاجات الضرورية..
وهناك الأمراض النفسية ،والتي نختصرها بحالات العُصاب المتمثل بالقلق المرضي وتوّهم المرض والأكتئاب والهستيريا والخوف والوسواس القهري وأصعبها المرض الذي يُصاب به الذهن أو العقل ويتحول إلى حالة انفصام يُسميها العلم (بالشيزوفرينيا).. .
ولكن بين تلك الأمراض وأنواعها وخطورتها ،عاشت شخصية متعددت الخصائص فهي معاندة وقوية ،وعدوانية تتسم بحالة تدميرية، وتجتمع فيها أغلب الصفات المرضية السابقة لكن لديها عضوية قوية وقد وجدت ضالتها في علاج نفسها عن طريق النفاق الذي هو أصعب أنواع الأمراض وأكثرها خطورة، على المجتمعات ، ومن بين هذه الأمراض التي تُصيب الوجدان ،والروح مرض النفاق.
فالنفاق، مرحلة متقدمة من اضطرابات نفسية تتجلى بالخبث، والرياءْ ،والحسد ،والغيرة ،والقدرة على توفير مستلزمات تكوين ّحوارات تسبق عملية الجريمة ، والمنافق أول مايفقده هو الضمير الذي يُشكل بوصلة، هامة لكل نشاطات الإنسان الشخصية والاجتماعية .
والمنافق يمتهن الكذب الممنهج ،والقائم على حسد المتميزين ،والناجحين ،والمبدعين ، وشعوره بالنقص تجاههم. فلكي يقوم بعملية توازن نفسي لديه ، ولكي يُعيد لنفسه الاعتبار، تجده أول مايفعله بعد تفكير طويل ،وهيجان روحي ، وتغير في ضغط دمه ،والاختلال في افرازات غدده الصم، يقوم ويغدر بضحيته، وأول تلك الضحايات تلك التي مدت له يد العون والمساعدة ،وتحترمه وتقدره وتغض الطرف عن سيئاته، وتتحمل منه الكثير لكونها أكثر رقيا منه ولأنها لا تريد أن تفقده ،ويتحول إلى مرض أبدي لديه ،هي دوما تُحاول أن تهتم به، ولها الفضل على هذه الشخصية المنافقة فهي التي عرفته على جمهرة من الناس، من خلال موقعه الاجتماعي ،أو الأدبي، أو السياسي، وحينما تنتهي تلك الشخصية الغادرة، والجبانة ،وتتمكن من ضحيتها ترى تُصاب بجنون يحمل في طياته آثار النسيان مما فعلته هي فيمن حولها، وكأنها تريد أن تؤكد براءتها التامة.
وإذا ما اجتمع الغدر، والنفاق ،والحسد، والغيرة، والفشل في الحياة في شخصية واحدة،فإن هذه الصفات تُشكل شخصية خطرة على المجتمع، ولهذا لابدّ من تقديم يد العون لهذه الشخصية ، وأول تلك الدروس العملية، هي أن يُكاشفها الآخر بحقيقتها ويوقفها على أمراضها ،مبينا لها بأنها ستكوّن خطرا على نفسها، وعلى المجتمع.
وأما النفاق السياسي، والديني فهما أصعب حالة مرضية تُصيب المجتمعات.
النفاق السياسي، حين يصل السياسي إلى مرحلة يُنافق فيها. ودافعه أن يقضي على كلّ أفعال من سبقوه تجاه الوطن، أو المجتمع،أو يغدر بمن أوصله إلى هذه المرتبة، أو يتخلى عنهم حين يجلس على الكرسي، إنه يُصاب بانفصام أسميته انفصام وتشظي الذات المنتقمة لأيام عبودية عاشتها تلك الشخصية السياسية المنافقة،وهي تحمل نفس خصائص الشخصية المنافقة التي سبق وأشرنا إليها.
هذه الشخصية سلوكيتها تقوم على تدمير الشخصية الأقوى، والأذكى، والأكثر عملا منها، إنها لايمكن لها إلا أن تتمتع بضحيتها ،وتتلذذ بمعاناتها وربما بموتها ونهاية عملها ، سياسيا كان أم عسكريا أم ثقافيا.
إن خطر السياسي المنافق، لا يمكن أن تقف عند حد ، إلا إذا انتهى بالموت أو تمّ تغيير سياسي كبير في المنطقة أما المنافق الديني فهو شكل من أشكال المرض الذي تجتمع فيه خصائص الشخصية المريضة نفسيا وعقليا .،
وتنتشر هذه الشخصية بين رجالات الدين ،فهؤلاء ينتشرون عبر التاريخ ، وقد وجدوا منذ ماقبل الديانات التي تُسمى سماوية،حيث كان الكهنة والآلهة في كل حضارات بلاد مابين النهرين ومصر الفرعونية التي يعيش أهلها وأصحابها هذه الأيام ، الذل والهوان ،والتكفير والخوف والقتل وحرق كنائسهم ، ويعيشون الخوف المستمر من جيرانهم ، تصوروا أنهم لا يشعرون بآمان لأن من يُدافعون عن الله يريدون القضاء عليهم باعتبارهم كفرة. تصور يارعاك الله!!!
والمنافق الديني خطورته تكمن في أنه كذاب، وله من الضمير الذي يُحلل ويُحرم بحسب مصلحته ،وحالة النفاق عنده تفوق حالة المنافق المدني، والمنافق السياسي، لكونه مؤتمن على قيم روحية ووجدانية ودينية ، ويعرفُ بأنه مؤتمن ورغم ذلك فهو منافق ،وبعمله هذا فهو يضرب عرض الحائط بالقيم التي تبناها سلوكا له وأوهم الناس بأنه عامل نشيط بها، ولكنه في الحقيقة هو تركها ، وراح يهتم من أجل بطنه ،وجيبه وحب ذاته وتعظيمها ،لابل هناك بعضهم يجلس في مجالس العزاء، أو يحضرون حفلات الأعراس، وليس هناك من هم سوى أنهم يأخذون الوقت كله للحديث عن أمور يعرفها هؤلاء الذين يسمعون إليه جميعا ، لكنه يظن نفسه أنه يُلقي وعظة على بهائم و المنافق الديني يعلم بأن من الحضور ما يبزه في المعرفة بكلّ أشكالها، وأنواعها. لكنه أناني وقح، ولهذا هو مكشوف للآخرين .
وأخر المنافقين ،والسارقين اللصوص الخبثاء، هو بعض من يًسمون أنفسهم بالأدباء والشعراء ومن يمتهنون اللون والموسيقا ،فأول صعودهم ، يأتون إلى من سبقهم ، تلك الشخصية المعروفة والموسوعية ، ويُظهرون خطوعهم المطلق بخبث مكشوف لهذه الشخصية الكبيرة لكنه يرى فيهم دروسا وعبر، سلوكيتهم في دروشتهم كالقطط المحتالة ، أو كالجراء التي تمازح الأسود ، ويتسلقون أول مايتسلقون على أكتاف هؤلاء الكبار، ثم بعدما يُصبح لهم أتباع وبعدها تراهم لم يعد لهم حاجة بتلك الشخصية التي تعلقوا بأذيالها ولا بمن أوصلهم إلى هذه الدرجة.لابل هناك بعضهم يسرقون أصدقاء هذا الكاتب أو ذاك الشاعر ،وترى يبنون مجدهم المهلهل على أمجاد من سرقوه ، هؤلاء يظنون أنفسهم أنهم عباقرة، وأذكياء، لكن اللبيب يعرف خصائصهم. كثير مِنْ مَنْ امتهن صناعة اللون، وعرفتهم عبر يفاعتي، ورجولتي وكهولتي ، كانوا يغدرون بمن يقدم لهم العون.
هؤلاء مرضى وخطورتهم تكمن في أنهم لهم قدرة على إقناع الكثير من الناس بأن تجربتهم تلك هي فريدة وهم أول من عم على تأسيسها لكنهم ينسون بأنهم تعلموها واستنتجوها من مدارس عريقة معروفة سبقتهم في تلك الخصائص والإبداعات .
والحديث يطول حول النفاق والمنافق . بكلّ أشكاله، وألوانه، وشخوصه، وحالاته ونتائجه فهو مرض خطير إذا ما أصاب أيّ مجتمع دون معالجته بشكل احترافي، وعلمي وموضوعي فإن الحالة التدميرية في الجينات الوراثية الثقافية والوجدانية ، أكبر وأخطر من كل القنابل النووية وغيرها.
اسحق قومي
26/12/2017م