التعصب نتاج ثقاقة منحطة أم حالة مجتمعية متردية

سامى لبيب
2017 / 12 / 25

- لماذا نحن متخلفون (50) .
- الدين عندما ينتهك إنسانيتنا (91) .

هذا المقال يتناول قضية محددة عن التخلف والتعصب والرجعية والإنهيار الأخلاقى والسلوكى فى المجتمعات , هل هو نتاج ثقافة دينية رجعية إقصائية أم نتاج حالة مجتمعية إقتصادية سياسية متردية أنتجت العنف والتعصب أم ان الامور هى نتاجهما معاً.
سأعرض مشهدين حدثا فى الأسبوع الفائت , فبالرغم من إختلافهما فى صورهما إلا أنهما يجتمعان على نفس المضمون لنتحسس منهما حالة مجتمع فى حالة تفسخ وتداعى , ليلح السؤال : هل هذا نتاج ثقافة أم ظروف موضوعية ام الإثنين معاً .

المشهد الأول : من العربية نت .
قامت مجموعه متشددة عقب صلاه الجمعة بالهجوم على كنيسة ارثوذكسية بقريه كفر الواصلين مركز إطفيح محافظه الجيزة وقال مصدر كنسى بمطرانيه إطفيح أن متشددين هاجموا كنيسة الأمير تادرس بقريه كفر الواصلين وقاموا بتخريبها من الداخل وسط هتافات التكبير ووصلت قوات الشرطة ومازالت تتعامل معهم وأضاف أن الكنيسة بنيت منذ ١٠ سنوات ويتم الصلاة فيها دون مشكله. ولكن يبدوا ان احد اشاع ان الكنيسة تنوى تركيب جرس فحدث تجمع عقب الصلاة والهجوم على المبنى وناشد سرعه التدخل لوقف الاعتداء لاسيما أن إطفيح تضم تكتل اخوانى كبير, ولكن الشرطة سيطرت على الوضع وأخرجت المتشددين خارج الكنيسة .
وقال شهود عيان "للعربية " إن مصادمات وقعت بين الطرفين أسفرت عن وقوع مصابين تم نقلهم لمستشفى إطفيح، فيما تمكنت قوات الأمن من القبض على 28 من المتورطين في الأحداث , وأضافوا أن شائعات سرت في القرية تفيد قيام الأقباط بالصلاة في هذا المكان ، وهو عبارة عن بناء بدون صلبان ، وأنهم يجهزونه لتدشينه ككنيسة لهم وينوون رفع الأجراس فيها. وذكروا أنه فور سماع تلك الشائعات احتشد بعض المواطنين أمام المكان، ومنعوا الأقباط من دخوله، ثم بدأت الواقعة عقب صلاة الجمعة، حيث احتشد مواطنون بكفر الواصلين التابعة لمركز إطفيح أمام كنيسة الامير تادرس بالقرية ، وحطموا محتوياتها ومنعوا دخول الأقباط إليها .

*المشهد الثانى تحت عنوان "الألتراس.. صدامات و ضحايا".
كتب اليوم السابع هى ظاهرة نشأت فى 2007 ثم انتشرت مع ثورة يناير.. أصحابها اعتمدوا على المواجهات العنيفة لتوصيل أفكارهم ونقلوا مشاهد الشغب من الملاعب إلى الشوارع والميادين .. ظهرت مجموعات الألتراس فى مصر عام 2007، وكانت البداية عن طريق مجموعة "الوايت نايتس" المنتمية لنادى الزمالك، ثم أتت من بعدها مجموعة ألتراس أهلاوى التى كانت بدايتها فى 13 إبريل من العام نفسه .
جاءت بداية الصدام فى نهائى دورى أبطال إفريقيا 2007، حيث قامت مجموعة التراس أهلاوى بإجبار شخص يرتدى قميص الزمالك على خلعه والسير بدونه ، وفى عام 2008 قام بعض أفراد "ألتراس أهلاوى" بحرق مشجع زملكاوى قبل بداية ديربى كرة السلة مباشرة، مما أصابه بتشوهات بالغة، ثم جاء الرد سريعًا بفقد أحد أفراد ألتراس أهلاوى إحدى عينيه بعد أن اعتدى عليه مجموعة من "الوايت نايتس" خلال مباراة الزمالك والأهلى للشباب، والتى أقيمت بميت عقبة بعد توجيه شمروخ إليه مما أدى إلى فقده لعينه اليمنى.
كما قامت مجموعة "ألتراس ديفلز" بحرق أتوبيس رابطة عشاق نادى الزمالك بالإسكندرية أثناء العودة من مباراة الزمالك والأهلى .
أما بالنسبة لحوادث الاصطدام بين الشرطة والألتراس بدأت عام 2010، فى مباراة الأهلى وكفر الشيخ الودية مطلع العام، عندما اصطدمت مجموعة ألتراس أهلاوى بالشرطة التى حاولت منع دخول الشماريخ، وتم القبض على 7 من ألتراس أهلاوى وتوجيه تهم لهم بالإتلاف العمدى للمال العام، وإثارة الفوضى.
وفى يوليو 2011 قامت مجموعة "الوايت نايتس" بإشعال الحرائق فى محيط استاد القاهرة، بعدما قامت قوات الشرطة بطردهم خارج الاستاد.
الحادثة الأشهر فى تاريخ الألتراس والداخلية هى ما أطلق عليه مجزرة بورسعيد التى واقعت داخل استاد بورسعيد، الأربعاء 1 فى فبراير 2012 عقب مباراة كرة قدم بين المصرى والأهلى، راح ضحيتها أكثر من 73 قتيلا ومئات المصابين، وصفها كثيرون بالـ«مذبحة» أو الـ«مجزرة» .
وفى حادثة أخرى عرفت بموقعة الجبلاية، تم حرق نادى الشرطة والجبلاية، وجاءت كرد من "ألتراس أهلاوى" على رفضه للحكم الصادر بعد بإعدام 15 متهمًا والسجن سنوات متفاوتة لعدد آخر من المتهمين، وتبرئة البعض الآخر، فى قضية أحداث بورسعيد.

* آخر أخبار الوايت نايتس جاء من عدة أيام فى "اليوم السابع" تحت عنوان : أعضاء بـ"وايت نايتس" يحرقون طالبا بالشماريخ فى الطالبية لانفصاله عن الرابطة .
اعتدى عدد من أعضاء رابطة "وايت نايتس" رابطة مشجعى نادى الزمالك على زميلهم الطالب الجامعى، وأصابوه بجرح قطعى بالوجه وحروق بالرقبة، بالإضافة إلى اشتعال النيران بمحل "بلاى ستيشن" كان يتواجد به المصاب. بسبب انفصال المصاب عنهم ، وتمكن رجال المباحث من ضبط أحد المتهمين وشهرته "الحيوان". وبإجراء التحريات تبين أن عدد من أعضاء رابطة "وايت نايتس الزملكاوى" اعتدوا على المجنى عليه بالضرب وأطلقوا الشماريخ تجاهه، ما أسفر عن إصابته واشتعال النار بالمحل، بسبب انفصال المصاب عنهم .

- سأكتفى بهاذين المشهدين لنخوض فى تحليلهما لنجد أنفسنا أمام حالة إنهيار مجتمعى أخلاقى ضاعت فيه البوصلة والوعى ليحل مكانهما العنف والتعصب والكراهية .
مشهد حرق الكنيسة بأطفيح ليس مشهداً غريباً ونادراً , فمصر شهدت فى الأربعين عاماً الماضية أحداث مماثلة ليبدأ المشهد بإثارة بعض السلفيين الغيرة والحمية فى نفوس المسلمين البسطاء تجاه الأقباط وكنائسهم لينطلق التعصب والعنف ليقوم بباقى المشهد .
علينا التوقف أمام من يقوم بعملية الإعتداء والحرق والتخريب فهم من المسلمين البسطاء الذين يعانون شظف العيش فى ظل الغلاء الذى تعيشه مصر , لينطلق هؤلاء البسطاء أسرى الفقر والجهل والمرض فى تحطيم مكان يصلى فيه الأقباط وتخريبه مرددين شعار السلفية : ( بالطول والعرض هنجيب الكنيسة الأرض ) أى عدم السماح للأقباط أن يصلوا أو يدقوا بأجراسهم .

- المشهد الثانى يتسم بالغرابة المؤلمة عندما نجد التعصب لفريق رياضى يصل لحد للمشاحنات العنيفة مع جماهير الفريق المنافس , وتزداد الفجاجة عندما يتم الإعتداء على مشجع زملكاوى من نفس الرابطة كونه أراد الإنفصال والإرتداد عن رابطة الوايت نايتس .!

- قد يستغرب البعض من إرفاقى لهاذين المشهدين فى موضوع واحد فنحن أمام ظاهرة تعصب إسلامى فى مشهد , وتعصب كروى فى مشهد آخر , ولكن الجذر المشترك واحد فهناك ثقافة مجتمعية عصبية قبلية تتشرنق لترفض الآخر سواء أكان هذا الآخر مسيحياً قبطياً أو أهلاوياً .. فهناك رفض لحرية الفكر والإعتقاد والسلوك متمثلا فى رفض المسلمين ممارسة الأقباط لصلواتهم , ورفض الوايت نايتس إنسلاخ احد أفرادهم عن الرابطة .!

- المشترك فى هاذين المشهدين هو أن القائمين بهما أفراد بسطاء لا يحملون أيدلوجية فكرية قوية , فالذين قاموا بالإعتداء على كنيسة الأقباط هم فلاحون مسلمون عاديون فقراء , كذلك من إعتدى على المشجع الزملكاوى هم شباب مصرى بسيط مطحون فى الفقر والبطالة والتهمييش وليس له أى توجهات أيدلوجية وسياسية بل يتماهى فى جنون الإنتماء لفريق كروى .

- لا أرى فى هاذين المشهدين تعبير عن حالة أيدلوجية وإيمانية وفكرية واعية محددة كأصحاب قضية , فالذين قاموا بتخريب الكنيسة والمتعصبين من الوايت نايتس هم الفقراء والمهمشين من المصريين الواقعين تحت وطاة الفقر والحاجة والبطالة ليتحول هذا العوز والإحساس بالتهمييش إلى طاقة غضب تمارس فعلها بممارسة العنف كتنفيس لطاقة غضب مجتمعية .

- المشترك فى هاذين المشهدين أن هناك طاقة غضب وعنف تبحث عن الحضور والتنفيس من نتاج واقع إقتصادى وإجتماعى وسياسى شديد الوطأة على كاهل المصريين ليبحث البعض فى إفراغ طاقة غضبهم وعنفهم فى الضعيف الذى يتحمل العنف , ليجد المسلمين البسطاء منفس لتفريغ العنف فى الأقباط وكنيستهم , ويجد أفراد الوايت نايتس تفريع غضبهم وعنفهم فى مناهضة ومقاومة ألتراس أهلاوى أو من يرتد عن رابطتهم .

- يشترك المشهدان فى إنعدام الإيمان بحرية الفكر والتعبير والإنتماء ليحل مكانهم حالة من الوصاية على الآخر , فمشهد المسلمين البسطاء فى تحطيم الكنيسة هو رفض لحرية المسيحى فى الصلاة وفرض الوصاية عليه فالأمور لا تتم إلا برؤية المسلم , كذا مشهد إعتداء الألتراس على المشجع الزملكاوى المرتد هو نهج وصاية فليس من حق أحد الإرتداد .

- لا أعتبر هاذين المشهدين ينم عن رؤية وقضية فكرية بقدر هو تعبير عن ثقافة تجد الحضور فى حال غياب البوصلة والوعى , فنحن شعوب أصحاب ثقافة إقصائية عدائية لا تحترم حرية وكرامة الآخر لتفرز العداء والكراهية ولتنفس طاقة عنفها وغضبها من حالها البائس فى الآخر الضعيف .

- المشهدان يعبران عن حالة غياب الإنتماء الوطنى , فالإسلام صار مشروع هوية وإنتماء للمسلم ليلغى إنتماءه للوطن أو فليكن الوطن فى مرتبة تالية وكذا الحال مع المسيحى فكل إنتماءه للكنيسة , كما يظهر حال الإنتماء للأهلى والزمالك اكثر من أى إنتماء آخر لتتلمس إعتزاز وإعتناء المشجع بناديه عن المنتخب .

- الإشكالية الخطيرة التى تواجه المصريين هو إنسداد طرق حرية التعبير وفقدان الأمل فى التغيير , فلا تتصور أن المصريين راضون عن النظام المصرى الحالى بعد هذا الغلاء المتوحش الذى يفترسهم ولكن قل أن إنعدام وجود قوى معارضة تستطيع تحريك الشارع , ليجد المحبطون طريق بديل فى التنفيس عن إحباطهم فى التجمهر لتحطيم كنيسة أو الإعتداء على زملكازى منشق .

- لا أنفى تأثير الثقافة أى منهج التفكير والسلوك المقتبس فى الغالب من ثقافة دينية تعادى وتقصى الآخر فى إنتاج المشهدين , ولكن هذه الثقافة لن تجد الحضور فى حالة مجتمعية يتحقق فيها حرية الفكر والتعبير وفى ظل عدالة إجتماعية ينحاز فيها النظام للفقراء والطبقة المتوسطة , كما حدث لحد ما فى ظل الفترة الناصرية التى لم تشهد إرهاب ولا تطرف عندما أحس الشعب بأن النظام منحاز لهم .

- لن يكون هناك خلاص من التطرف والإرهاب والتعصب إلا بتغيير الثقافة الدينية المتجذرة وإحلال ثقافة علمانية مدنية مكانها , ولكن لن يجد هذا التغيير الحضور والحياة إلا بتعديل طبقى يحقق عدالة إجتماعية وإنسانية ينحاز للأغلبية ولا يسمح بإستثمار الثقافة الإسلامية ورجعيتها فى المجتمع .

- حتى لا نشهد مشاهد مماثلة لهذين المشهدين علينا بتربية المجتمع على ثقافة مدنية علمانية تعلى من قيمة الحرية والفكر والتعبير والسلام وقبول الآخر , ولكن لن يقوم هذا المجتمع المنشود إلا فى ظل عدالة إجتماعية تسمح للفقراء والمهمشين بالحياة وحينها ستنهار الثقافة القديمة وتتلاشى القوى الرجعية المسرطنة التى لا تجد حضورا إلا فى حالة الإنتهاك والتخبط والإنهيار .

- فى الختام اطرح سؤال : هل التخلف والتعصب والكراهية نتاج ثقافة مهيمنة تشكل سلوك الجماهير أم نتاج حالة إقتصادية إجتماعية متردية يتم فيها تهمييش الجماهير وسحقها لتجد سبيلها فى التنفيس عن غضبها بالعنف تجاه الآخر أم أن التخلف والتردى نتاج هاذين العاملين معاً ؟
من يتبنى فكرة تأثير الثقافة منفردة فى تخلف المجتمعات قد يتحاجج بأن هناك شعوب تعانى الفقر كشعوب امريكا اللاتينية وجنوب شرق آسيا ولا تفرز هذا القبح من التعصب والتخلف , وقد يعزى أصحاب الظروف الموضوعية المتردية منفردة فى سبب التخلف والتعصب ليستشهد بحال شعوب الغرب التى تغلبت على الفقر وان الحل فى لقمة العيش .. ليبقى السؤال قائماً .

دمتم بخير.
"من كل حسب طاقته لكل حسب حاجته "أمل الإنسانية القادم فى عالم متحرر من الأنانية والظلم والجشع.