صريع الأدب العربي العلامة الألماني يوهان ريسكه

ناظم الديراوي
2017 / 12 / 25

العلامة ريسكه و" اللاهوت المسيحي"

يُعَد المستشرق الألماني القدير يوهان يعقوب ريسكه (1716-1774) واحداً من عباقرة علماء اللغة العربية في عصره، وأول مستشرق ألماني جدير بالذكر، وإليه يرجع الفضل في إيجاد مكانة بارزة للدراسات العربية والإسلامية في ألمانيا والغرب عموما. والعلامة ريسكه أول من تمرد على النظرية الضيقة التي حكمت عقول المستشرقين وقررت أن وظيفة ومجال دراسات علم الاستشراق يقتصران على خدمة (علم اللاهوت المسيحي). وأعلن بجرأة تامة بأن (اللغة العربية يمكن أن تكون مفيدة جداً للتاريخ والشعر، وهذا ما يقوي رغبتي في أن تكون اللغة العربية، عندنا، أكثر شهرة وذيوعاً ولا يهمني ما يسمى بعلم "اللغة المقدسة" يمكن أن يبنى على أساسها). ويمضي في الدفاع عن علوم العربية؛ (وإذا أردنا أن نساعد اللغة العربية فإنه ينبغي ألا تدرس كما يدرس علم اللاهوت فبمساعدة اللغة العربية يجب العمل على تفسير وإثراء التاريخ والجغرافيا والرياضيات والفيزياء والطب). كما ورفض تقسيم تاريخ البشرية إلى تاريخ مقدس وتاريخ غير مقدس، ووضع العالم العربي في قلب التاريخ العالمي.وسعى العلامة ريسكه إلى تصحيح صورة الإسلام والنَّبي محمد (ص) التي شوهها من سبقوه في "الإسلاميات".
جرير والشنفري البحتري والأولاد اليتامى!
هذا وكان للعلامة ريسكه مساهمات رائدة في تحقيق وترجمة جواهر من عيون الأدب العربي إلى اللاتينية والألمانية بينها؛ معلقة طرفة بن العبد، وديوان الشاعر الأموي جرير، و"لامية العجم" للطغرائي، و"مختصر تاريخ البشر" لأبي الفدى الأيوبي، و"الرسالة الهزلية" لابن زيدون الأندلسي التي وجهها إلى أبي عامر بن عبدون، ومنتخبات من قصائد أبي الطيب المتنبي. وكان مولعاَ في فهرسة المخطوطات العربية وتتبع أثرها. وانْكَبَّ على نسخ العديد من مخطوطات القصائد والمؤلفات الأدبية والتاريخية، مثل؛ ديوان جرير، لامية العرب للشنفري، وحماسة البحتري.، وكم هو مؤثر ومثير للعواطف ما كتبه عن المخطوطات العربية وحبه لها ولعه بها؛( ليسَ عندي أولاد، ولكن أولادي يتامى بدون أب؛ وأعني بهم المخطوطات). والمذهل حقاً، أنَّ هذا العلامة الجليل فضل، وأينَ مِنهُ " العلماء الدَّعيون" العراقيون والعرب، الجوعَ والمرضَ والحرمانَ تماماّ من نعيم الدنيا وبهرجها، الذي كان بوسعه التمتع به بلا عناء لو سار في ركب افتراءات "علم اللاهوت المسيحي" على الإسلام ونَبيِّهِ مُحَمّد (ص)، واعتباره كان ( نبيّاً زائفاً وغشّاشاً وأنَّ ديانته خرافات مضحكة)! وكفَّ عن إعلاء شأن دراسة اللغة العربية في أوروبا وإرثها المكتوب، واستبعادها من الدراسات اللاهوتية، ودراسة تاريخ العرب والإسلام استناداً إلى المراجع الأساسية العربية والإسلامية وبرؤية علمية منفتحة على شعوب الشرق.
عبقرية ريسكة والزندقة والتضليل!
ونلاحظ أنَّ العلامة ريسكه امتدحَ في مؤلفاته وبينها " مدخل إلى تاريخ الشرق الإسلامي" ديننا الحنيف ورفض وصف النَّبيِّ مُحَمّد (ص) "بالكذب أو التضليل". ويرى أنَّ ظهور النَّبيِّ (ص) وانتصار دينه هما من أحداث التاريخ التي لا يستطيع العقل الإنساني إدراك مداها، ويجدُ في ذلك برهاناً على تدبير قوة إلهية قديرة. وفوق ذلك عبر عن آرائه بأعظم قدر من الصرامة لذا حاربه رجال اللاهوت واتهموه بالزندقة. كما أن حسد زملائه من ذوي الاختصاص، وأُنانية أُستاذه في كلية الآداب بجامعة ليدن المستشرق اسخولتنز وغيرته منه، حال دون مواصلة دراساته العليا في علوم اللغة العربية وآدابها، حصوله في وقت متأخرعلى كرسي الأستاذية في إحدى الجامعات الألمانية.
ورغم هذه المعوقات المهنية، ظل عُلماء ومثقفو عصره يعترفون بقدراته العلمية الواسعة. فقد أثنى لسنج (Lessing) على عبقرية ريسكه. أما المستشرق هردر (Herder) فقد أطرى في ستينات القرن الثامن عشر على "عالم الكلمات ريسكه" مسمياً إياه "عربيَّنا". كما أكد في كتابه عن بلاد العرب أن العلامة ريسكه هو الوحيد القادر على تذليل أعظم الصعاب التي تلازم قراءة النصوص والمخطوطات العربية القديمة. وامتدحه العالم والرحال كارستن نيبور وعَدّهُ؛ (أكثر قدره على قراءة المخطوطات العربية من العلماء العرب المعاصرين. وكافأه آبشهورن في نشر كتابه "رسائل حول المسكوكات العربية"، بعد وفاته عام (1775)، إثر إصابته بمرض السل.
الولع بالعربية وحبها الباهض!
حقاً لقد قدم هذا العالم المتسامح ثمناً غالياً لقاء عمله الجليل في دراسة وتصنيف المخطوطات التاريخية والأدبية والمسكوكات العربية الإسلامية. ومن جانب آخر وصف الباحث نيبور كفاح المستشرق المجاهد يوهان ريسكه في العلم والحياة يقول: (إذا كان أي إنسان من قومنا قد ذاق تعاسة الكمال المطرود فإنه هو ريسكه.. الذي كان يكافح الجوع بكل معنى الكلمة، الأمر الذي عرفته كل ألمانيا).
ولابُدَّ هنا من ذِكرِ وصف الباحث جون فوك حياة العالم ريسكه بعبارات تقطر ألماً وأسى وندم وتلوم معاصريه الذين لم يدركوا عظمة هذا العالم العبقري؛ ( لقد أصبح شهيد الأدب العربي، وصارت حياته تاريخاً لتلك الآلام التي سجلها في مذكراته. وقد كان من المخجل أن أحداً من الرجال البارزين في عصره لم يعرف الأهمية الفائقة لهذا الرجل العبقري الذي كان واحداً عن أعظم علماء العربية).
وعن الظروف القاسية وحياة الضنك والفقر المدقع، التي عاشها العلامة المنصف رايسكه وتجربته المريرة وشغفه بالأدب العربي وفضله في تعريف الغرب به، وجحود أبناء قومه وعدم تقديرهم لهذا العمل المعرفي الجليل. يقول العلامة ريسكه:( لقد أصابني السوء من هذا. وكان يجب علي أن أدفع غالياً وغالياً جدا، ثمن حماقتي! لقد أصبحت صريع الأدب العربي. يا ليت ظمئي الملتهب، آنذاك، إلى هذا الأدب، هذا الظمأ الذي لم يجلب علي إلا التعاسة بسبب أنه جاء إلي في وقت مبكر، في وقت لم يكن أحد محتاجاً إليه، وبالأحرى لم يكن أحد يقدر ذلك أو يشجعه أو يكافئ عليه؛ ليت هذا الظمأ اهتدى إلى نفس تستطيع في وقت ما أن تحيى في أزمنة أكثر سعادة! إذا جاءت هذه الأزمنة في وقت ما، وإن كان ليس هناك أمل في هذا، فعندئذ يقدر الأدب العربي، ويدرس باهتمام أكثر مما هو الآن).
كم هي بليغة كلمات هذا العلامة العصامي الجليل التي تحمل في سياقها معانات العزلة وآلام الجوع والمرض وجحود بني قومه ونكرانهم لمنجزه العلمي، عظيم الأثر في مجمل أعمال الاستشراق الألماني، وخيبة الأمل التي جلبت إليه البؤس والتعاسة. ورغم كل هذا الشقاء ووعثاء السفر في بطون الكتب والمخطوطات العربية والإسلامية، ما برح الإنسان والمستعرب العبقري ريسكة يأمل في أن يأتي زمان يقدر فيه تدريس الأدب العربي في ألمانيا وباهتمام أكثر. أجل أيُّها العالم الجليل قد حلَّ ذاك الزمان الذي نشدته، ومنذُ عقود بعيدة. وغدا الاستشراق الألماني، الذي وضعته على جادة العلم وطهرته من الغلو والبهتان، رائداً وملهماَ للاستشراق العالمي. وبهذا تحققت نبوءتك الفاضلة. وما ذهبت علومك وجهادك الأعظم سُدى. وكم يشقى اليوم، يا عالمنا الجليل، من علماء العرب والمسلمين من ما أشقاك قبل أكثر من مائتين وخمسين عاماً! وحسبي أنّهم يعالجون جوعهم وما لحق بهم من حيفٍ ونكران في تذكّر سيرتك المكرمة، ويلهون عن ملئ بطونهم الفارغة بما جادتْ به الكتب من أفكار شهية! ألم يقل سيدنا عيسى عليه السلام؛ ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان!