جدل الحق والقوة (7 ) بنواسرائيل وموسى فى مصر بعد فرعون : قارون بين الحق والقوة

أحمد صبحى منصور
2017 / 12 / 25

جدل الحق والقوة (7 ) بنواسرائيل وموسى فى مصر بعد فرعون : قارون بين الحق والقوة
أولا :
1 ـ عبقرية فرعون موسى أنه فى إضطهاده لبنى إسرائيل قام بتجنيد طائفة منهم تعمل لحسابه تساعده فى سياسته ضد قومهم بنى اسرائيل . وهو نفسه ما يفعله الفرعون العسكرى المصرى الآن فى تكوين مجموعة ثرية من الأقباط ، تعمل وكلاء له فى دنيا الأعمال ، وهم شركاء له فى الخفاء ، وفى نفس الوقت يستخدمهم فى سياسته ضد الأقباط ، داخليا وخارجيا .
2 ـ فرعون موسى كان من بطانته قارون ، وقد تقدم فى دولته الى أن كان ترتيبه الثالث فى دولة فرعون ، نفهم هذا من قوله جل وعلا : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24) غافر ) . اى كان موسى مرسلا الى فرعون وهامان وقارون معا وبالترتيب ، وأنهم إتهموا موسى بأنه ساحر كذّاب . أكثر من هذا أن قارون شارك فرعون وهامان فى الاقتراح بقتل أطفال أبناء قومه من الذين آمنوا مع موسى ، قال جل وعلا فى الآية التالية : ( فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ (25)غافر). وبالتالى شارك قارون إقتراح فرعون فى قتل موسى : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الأَرْضِ الْفَسَادَ (26) غافر)، لأن الوحيد الذى إعترض على هذا الاقتراح كان أميرا فرعونيا مؤمنا يكتم إيمانه : (وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ (28) غافر ).
3 ـ ويقول جل وعلا عن هلاك الأمم السابقة : (وَعَاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (38) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (39) فَكُلاًّ أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (40)العنكبوت). المثير للإهتمام هنا هو ذكر قارون ضمن أهم الأمم التى أهلكها الله جل وعلا مثل عاد وثمود ، ثم يأتى إسم قارون قبل فرعون وهامان ، وأن موسى عليه السلام جاءهم بالبينات فإستكبروا شأن السابقين . المثير للإهتمام أيضا هو ذكر العقاب المتميز لقارون ، وهو أن الله جل وعلا خسف به الأرض . ( ومنهم من خسفنا به الأرض ) وجاءت عقوبته مذكورة قبل عقوبة اغرق لفرعون ( ومنهم من أغرقنا ) . هذا مع أن عقوبة خسف قارون حدثت بعد غرق فرعون . المثير للإهتمام أيضا هو عدم ذكر قوم فرعون أو آل فرعون أو ملأ فرعون إكتفاء بذكر فرعون وقارون وهامان مع تقديم إسم قارون . . هذا القارون كان من بنى اسرائيل ، أو بتعبير القرآن الكريم : ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى ).
4 ـ لم يصحب قارون فرعون وجيشه وهو يطارد بنى اسرائيل ، فلم يكن شخصية عسكرية مثل فرعون الذى غرق مع جنده ، قال جل وعلا : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً ) (90) يونس ) (فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنْ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (78) طه ) ، وجعل الله جل وعلا فرعون ضمن جنده فقال عنه وعن جنده: ( إِنَّهُمْ جُندٌ مُغْرَقُونَ (24) الدخان ) . ونسب الجنود الى فرعون حينا فقال : ( فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ) (40) القصص )، ونسب الجنود الى فرعون وهامان ، قال جل وعلا : (إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) القصص ).
5 ـ كان قارون شخصية مدنية من بنى اسرائيل ، ولاشك أنه كان خبيرا بإستثمار الأموال ، وخدم فرعون فى هذا المجال . ومن المتوقع أن يتركه فرعون فى مصر أمينا على أمواله وكنوزه ، وهو يزحف فى نزهته العسكرية يطارد المستضعفين من بنى اسرائيل . لم يكن فرعون يتصور أن بنى اسرائيل ستهزمه وجيشه ، بل كان موقنا أنه سيرجع بعد نزهته العسكرية الى كنوزه وأمواله وضياعه وقصوره وقد حفظها له نائبه ووكيله قارون . ثم غرق فرعون وجيشه ونظام حكمه الفرعونى ولم يبق من حاشيته سوى الاسرائيلى قارون ، فعاش بعدهم فى مصر ردحا من الزمن الى أن خسف الله جل وعلا به وبكنوزه وبيته الأرض . .
6 ـ قال جل وعلا : ( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ ). هو أصلا من قوم موسى ، ولكنه بغى عليهم . وقد وصف رب العزة فرعون بالبغى على بنى اسرائيل . ونفهم أن قارون بغى على قومه الاسرائيليين فى عهد فرعون وبعد غرق فرعون . بغى عليهم وهو يخدم فرعون فى عسفه ببنى اسرائيل ، ولا شك أنه كان له أعوان من الاسرائيليين يتبعونه يتجسسون على موسى وهارون والمؤمنين من قومهم ، وكانوا السبب فى رُعب بنى اسرائيل من تلك المراقبة المستمرة . ثم بغى عليهم قارون بعد غرق فرعون ، وقد صار وحده أكبر راس باقية من نظام فرعون البائد ، وقد تجمع حوله أتباعه السابقون ، واصبح يسير بهم فى زينته يقلد الفرعون فى مواكبه .
7 ـ ونلاحظ عدم ذكر موسى وهارون فى قصة قارون فى قوله جل وعلا :( إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (77) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ (78) فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79) وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الصَّابِرُونَ (80) فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ (81) وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (82) القصص ).
8 ـ عناصر القصة فى بغى قارون على قومه واستحواذه على الكنوز وزعمه أنه حصل على المال بعلمه ورفضه نصيحة قومه إستمرارا منه فى الفساد ، وأن قومه منهم من حسده على جاهه وكنوزه ، ومنهم الذين أوتوا العلم الذين لاموا المنبهرين بقارون . ليست هنا إشارة لموسى وهارون مع وجودهما فى نفس الزمان ونفس المكان .
9 ـ ونستطيع تخيل السبب . غرق فرعون كان مفاجأة سارة لجميع بنى اسرائيل ، ومنهم قارون . ألقى الموج بجثث فرعون وجنده وعليها ما كانوا يتزينون به من حُلُىّ وجواهر . ونتصور أن بنى اسرائيل رجعوا الى تلك الجثث يجردونها مما عليها من ذهب ورياش . وبدأ بهذا مناخ جديد هو حُمّى البحث عن غنائم وكنوز فرعون وقومه . لم يشارك فيها المصريون الذين إستكانوا وقنعوا بالعيش على الهامش ، بينما تنافس فيها بنو اسرائيل ، وهم أقلية تنتسب لعنصر واحد ، وجعلهم إضطهاد فرعون يتميزون بأرومة يتفردون بها عن بقية الأغلبية . رجعوا الى مصر يحملون النبأ الهائل عن غرق فرعون وجنده وملئه العسكرى. ومن الطبيعى أن رباطهم الذى كان يربطهم بموسى وهارون قد تهاوى ، فلم يعد هناك الخطر الفرعونى الذى كان ، بل أصبحوا وارثين لتركة فرعون وقومه . وبوصول النبأ الى قارون نتصوره وقد شمّر عن ساعديه وإجتذب له أعوانا جُدُدا ومسح بهم العمران المصرى باحثا عن الكنوز والدفائن والنفائس فجمع منها أكواما ، وجمعها فى خزائن ، وجعل لها أقفالا ، تكاثرت الأقفال والمفاتيح حتى كانت العصبة من الرجال تعجز عن حملها ، وبنى فوقها دارا له . ونتصور أن بقية الاسرائيليين الذين لا يعرفون مكامن الكنوز قد إتجهوا الى قصور فرعون وعروشه ومعابده الظاهرة يجردونها مما فيها ، ودمروها عن آخرها فى تنقيب عشوائى غوغائى . نفهم هذا من قوله جل وعلا : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الاعراف ) . فى هذا الضجيج ضاع صوت موسى وهارون ، وملأ قارون الفراغ الذى حدث بغرق فرعون وقومه وبإعراض وإنفضاض بنى اسرائيل عن موسى وهارون .
10 ـ عوقب فرعون وهامان وجنودهما ، وسار على دأب فرعون قارون فكان حتما أن يحل به العقاب ، وأن يكون عقابا علنيا أمام قومه . وكما كان جسد فرعون آية وعبرة لمن خلفه من بنى إسرئيل أصبح الخسف العلنى بقارون وبموكبه وزينته وداره عبرة لقومه بنى اسرائيل ، حتى إن الذين حسدوه فى موكبه وإعتتبروه ذا حظ عظيم ـ راجعوا أنفسهم .
11 ـ بالانتقام من قارون ( آخر مركز قوة من نظام فرعون موسى ) تم ليس فقط القضاء التام على دولة هذا الفرعون بل أيضا تم الطمس على بيته و كنوزه ، فقد ابتعلتها الأرض مع قارون ، وتحققت دعوة موسى وهارون فى الطمس على اموال فرعون . قال جل وعلا : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) يونس ) .
أخيرا :
قارون هنا إمتلك القوة دون الحق . بينما كان الحق مع موسى وهارون ـ دون القوة .