إنطباع حول تنورة مارلين للشاعر وديع شامخ

سلام كاظم فرج
2017 / 12 / 24

إنطباع حول ( تنورة مارلين ) للشاعر وديع شامخ
سلام كاظم فرج..
من الأخطاء الشائعة لدى متذوقي الشعر المكتوب باللغة العربية خطأ المقاربة بين ما هو معروف ومتوارث لمنظومة الشعر العربي وبين ما هو كائن لحقيقة ما يسمى بقصيدة النثر..وهذا الخطأ المحمول تحت إبط بعض مرتادي نادي قصيدة النثر يجعلهم يصابون بخيبة امل .. ويجعلهم يتساءلون كما الحمقى اين الشعر؟؟ نحن لا نجد شعرية ولا شعرا ولا وزنا ولا قافية ولا إيقاعا ولا موسيقى داخلية.. ؟؟.. الخلل يكمن انهم يذهبون للبحث عما يريدون في غير مظانه.. وبسبب ذلك وبسبب فهمي المتواضع لما تعنيه قصيدة النثر كنت اكرر دائما ان كتابة قصيدة النثر قد تكون اكثر صعوبة وتداولها قد يكون شاقا وغير ممتع البتة .. فقصيدة النثر العربية لا تمتلك اية صلة رحم او وشيجة مع ما نعرفه عن شعر العرب.. وفهمها وتذوقها والاستمتاع بعطر أريجها وتلمس مفاتنها (ان كانت فاتنة حقا )غير متاح لمن يدخل باحتها وهو يتأبط ذاكرة شعرية عربية هائلة..
قصائد النثر القليلة الماجدة تحتاج كل واحدة منها تدخلا نقديا فاعلا يجلي مفاتنها ويؤسس من خلالها لتراث جديد من الفهم لما تعنيه قصيدة النثر او النثر المركز الفاعل عالي القيمة.. كل ذلك دار بخاطري وانا اتلمس سحر ما كتبه الشاعر وديع شامخ تحت عنوان (تحت تنورة مارلين ..) في نصه البديع هذا نجد ما سماه أزرا باوند الشحن الشعري.. داينمو مجنون يخلق كهرباء غير معهودة.. لكنها كهرباء لذيذة وفاعلة . كهرباء تطيح بكل ما سبقها من كهرباءات الخلق الشعري.. وما غادر الشعراء من متردم المعاني والالفاظ والصور.. فما دام ان اللغة قد استفذت طاقاتها في قول الشعر على طريقة عنترة او طرفة حتى صار ما نزدرده باهتا مكرورا فليس غير الحفر في الصخر من اجل الجديد.. والجديد لكي يكون جديدا لا بد ان يكون ( منقطعا ) عن كل قديم لكي يمتلك شرف التأسيس لمنظومة كهربية جديدة.. وهذا ما فعله ويفعله ثلة من الثوار الحقيقيين منذ بودلير مرورا بأليوت.. وعزرا باوند.. ووديع شامخ.. ثورة لا تهدم القديم(0كما يفهم جزافا في بعض الاحيان). إذ لا علاقة رابطة بين ذلك القديم المجيد وبين ما نتذوقه الان من شعر مختلف .. ( منقطع تماما )..
ثورة تؤسس للقادم..
سوف انطلق من مقولة لاعلاقة لها بالشعر بل يالسياسة [ قالها عزرا باوند ذات يوم: ( اميركا بيمارستان كبير!!!) (ومفردة بيمارستان هنا ادق وأبلغ تعبيرا عن معنى مفردة مشفى او مستشفى ) ] لكي أوصل انطباعي عن نص الأستاذ وديع شامخ وقراءتي لما انطوى عليه من شحن باذخ..
يبدأ النص بسؤال استنكاري غاضب بالرغم مما بدا عليه من إنه مجرد سؤال !!
(في أي قرن خلق الله العبيد؟؟) عبقرية السؤال هنا تكمن في حمله منظومة شحن تتضمن ( غضبا / سخرية / إستنكارا ؟ ( لو قال في أي عصر او حقبة من العصور او دهر لأختلف المعنى وفقد السؤال شحنته الشعرية..)
وينطبق الأمر أيضا على ما تلا السؤال من سطور( ومن أي مصنع خرجت المظلات بسوادها/ حتى قيل لا حقا / لو امطرت السماء حرية/ لرفع العبيد مظلاتهم؟).. وهنا تحمل مفردة السواد مجموعة دفقات شحن شعري.. تؤدي للتأمل بأسئلة مسدلة الستائر لم يقلها النص.. لكنه يدل عليها// هل ان العبودية قدر البشرية.. ام ان تكريسها مصنوع بعناية؟؟ وهل ان العبيد مغمضو الاعين عن كنه عبوديتهم حقا.. ام هو تأريخ من الجور المنظم المبرمج الفاعل؟؟.. لفهم عبقرية النص لا بد من البحث عن ما لم يقله النص.. بل أوحى به.. وهنا يكمن جوهر الاختلاف بين ما نعرفه عن الشعر العربي وما يجب ان نعرفه عن قصيدة النثر.. الشعر العربي يقول لك كل شيء ويتركك سعيدا هانئا فاهما كل القضية . وبرمتها.. لكن قصيدة النثر تتركك قلقا متحيرا باحثا عما لم تقله لتكمله من عندك او تهمس به لجليسك.. وهذا ما وجدته في نص وديع شامخ هذا..( والعبودية هنا تتشطى الى مجموعة من العبوديات.. وأنواع من القهر.. ومن بينها ولعل أهمها عبودية الانشداد للموروث البالي الفاقد الفائدة والتمسك به )
وتحت تنورة مار لين تحدث أمور مريعة.. فالنور يتكدس بمعول الهواء !!! والمقام تحت تنورتها كنز.. لا تطاله عيون الفقير .. وقد يكتفي بالاستمناء في الهواء الطلق ( جلد عميرة كما تعرفه كتب التراث ).. وللطغاة الخيبة ( هنا يتماهى العجز الجنسي مع العجز المعنوي في خلق التأريخ الحقيقي للإنسان ونقله درجة من عالم الحيوان.. فالطغاة العاجزون جنسيا عاجزون أيضا عن فعل أي شيء جوهري ذي قيمة.. وهنا يستبطن النص هجاء مرا ولا ذعا للدكتاتوريات المصنوعة بفعل اميركا بلد مارلين الجميلة .. طغاة مصنوعون اميركيا.. طغاة ومعهم اللصوص / والعامة/ والكومبارس..( حتى السماء تكتفي بالفرجة ).. !!!!..
حين تكتفي السماء بالفرجة على جدل كنزمارلين ( فرجها ) ومتداوليه يصبح احتجاج الشاعر واردا ومفهوما.. لكن السماء كعادتها تكتفي بدور المتفرج لتمضي الازمان كلها .. بما فيها الزمن الامبريالي الراهن..
متداولو ( كنز مارلين) طغاة بخيبة عاجزة/ لصوص/ طغاة مصنوعون بفعل طغاة آخرين !! ثوار المقاهي الليلية ( هم انفسهم بتوع نضال آخر زمن في العوامات)..سيكتفون برنين لهاثها ..
لكن المشهد الأخير.. وهو موت مارلين مونرو الغامض التراجيدي .. ومخرج المشهد الذي صرخ أخيرا بعد ان وضع كأسه على ناصية التمثال..وليرفعه الى ناصية شفتيها.. شفتي ما رلين.. كان اداؤك لمشهد الموت عاليا يامارلين !!!
داينمو الشعرية في هذا النص يشتغل على توليد متوالية نمطية تعتمد آلية التوسيع الفاعل للإدراك من خلال متقابلات تفكك دائرة الإبهام والإيهام.. لتصل إلى المعنى ::
الطغاة ــــــــــــــــ الخيبة
الفقراء ـــــــــــــــــــ الاستمناء
اللصوص ـــــــــــ الهدنة
العامة ــــــــــــــ الرحيق
الكومبارس ــــــــــــ الجنون
السماء ــــــــــ الفرجة..
المخرج الأخير ـــــــــــــ ( ,,,,,,,)
وكل مفصل وكل مفردة من مفاصل ومفردات هذه المتوالية (المنمطة بدهاء) تحمل إنزياحات عدة ودلالات وتشفيرات وإدانات مستترة وواضحة في آن..

وبعد....
ان أسوأ ما في الكتابة عن قصائد النثر ان تقوم بشرح دلالاتها.. أوالعمل كدليل سياحي لتؤشر إنزياحاتها.. او إحالاتها
وكما قلت سابقا ان القصائد العظيمة تستنشق ولا تفسر.. وهذا ما وجدته في قصيدة وديع شامخ التي لم تكن وديعة على الاطلاق.. بل ثورية بأعلى ما تعنيه مفردة الثورة.. في شعريتها الباذخة وفق منظور عزرا باوند.. وفي جدتها.. وفي رسائلها الواضحة والمشفرة في السياسة وما تعنيه الإدارات الأميركية المتتابعة وآثارها على مجمل الحراك السياسي والاجتماعي للشعوب ومنها الشعب العراقي من خلال إنزياحات كهرمانة والرجال الذين معها !!!
تحية حب للشاعر الأستاذ وديع شامخ.. قد أكون قد تجاوزت قدري في تناول نص باذخ عالي القيمة لكم .. يعجز النقد مهما حاول ان يفك تشفيرات دلالته وما حمله من ثراء وغنى ورسائل.. وشعرية ...