خمارة دليلة والزئبق -1-

علي دريوسي
2017 / 12 / 23

شاهدته مراراً مع أبي!

كانا يقفان بالقرب من خمَّارة دليلة والزئبق، مأمنهما المعتاد عند صديقهما أبي جليلة مالك الخمَّارة. كانا يقفان شبه منتصبين على القَنْطَرَة، مفرق الضيعة، تحديداً تحت ضوء عمود الكهرباء ومن خلف ظهريهما تطل نعوات شاحبة شبه ممزقة لأهل الضيعة. لعلّ من شاهدهما في تلك المساءات ظنّ بأنَّهما ينتظران باص الدكتور منيف للسفر معه إلى خمَّارة الشيخ رويش أسفل الضيعة، أو في الاتجاه المعاكس إلى المقهى الملكي باتجاه المدينة رغم تأخر الوقت. أو لعلّه اِعتقد أنَّهما يُخطِّطان للقيام بتنفيذ مهمة سياسية كُلِفا بها من قبل حزب الضيعة السِرّيّ.
يشعلان السجائر لبعضهما البعض، ينطفئ عود الثقاب قبل أن يشعل الواحد منهما سيجارة الآخر، يضحكان ويبحثان في جيوبهما عن وَلاَّعة وهما يلعنان علب الكبريت الوطنية والأجنبية. يلعنان الهواء ويتحجَّجَان به رغم أنَّ الطقس قد يكون صيفاً أحياناً. وإذ يجد أحدهما الوَلاَّعة يفشل رغم هذا مرات ومرات قبل إشعال السيجارة. من يشاهدهما على هذه الحالة يعلم حينئذ أنَّهما لا ينتظران باص منيف ولا باص الخوجا، ويعرف أيضاً أنَّهما ليسا من الرفاق المُكلَّفين بمهمة توزيع النشرة السِرّيّة، بل يرى فيهما رجلين جميلين قويين ساخرين، خرجا لتوهما من الخمَّارة المجاورة، ليتحدَّثا بأمرٍ هو على الأرجح بسيط، لكنهما على الأغلب لم يرغبا في السماح لرواد الخمَّارة بالإصغاء إليهما. أما بالنسبة للعقلاء فقد كان مظهرهما اللطيف، وهما يقفان تحت الضوء بجسدين رشيقين متأرجحين من شدة السُّكر، يوحي فقط بأنَّهما في حالة حديثٍ حميمي سيطول إلى منتصف الليل، فالكلمات لا تخرج من أفواه الأحباء السمّار السكارى إلا بطيئة كعربات قطار بخاري مُحمَّلة بالفحم.
*****