من وحي فرج فودة..قرارات بن سلمان

سامح عسكر
2017 / 12 / 23

في شهر سبتمبر الماضي نشرت صحف إسرائيلية خبرا عن زيارة مسئول سعودي كبير لتل أبيب، بعد ذلك في أكتوبر أعلنت عن أسمه وهو الأمير ."محمد بن سلمان"..ولي العهد السعودي، وفي ذلك أسئلة ودلالات منها: لماذا لم يُعلَن عن الزيارة وتوقيتها المرافق مع إجراءات تحديث للمملكة مع تصريحات باستمرار حرب اليمن وأخيرا اليوم استقالة الحريري من رئاسة وزراء لبنان من قلب الرياض..

كل هذه الأبعاد السياسية لا تهمني الآن، فهي ربما تكون دوافع ومؤثرات للقرار السعودي بالتحديث، وذكرها في المقدمة هي إشارة للقارئ بجوانب أخرى للمشهد لتقريب الصورة الذهنية الصحيحة دون إخلال أو انحياز واختزال.

منذ صعود الأمير محمد بن سلمان وليا للعهد وإجراءاته (السيادية) كثيرة ومتنوعة ، فمنها السماح بدور الملاهي وحفلات الغناء والسينما إضافة لقيادة المرأة السعودية للسيارة لأول مرة في تاريخها، ثم اعتقال آلاف الفقهاء والأئمة المتشددين والمشهور عنهم تحريضهم للجهاد في سوريا والعراق، ثم إنشاء هيئة تنقية الأحاديث، وأخيرا السماح للنساء بحضور مباريات الكُرة، ورغم اندراج هذه الأشياء ضمن فروع التغيير وليست أصل لكن تأثيرها في قلب المشهد كبير، بيد أنها تثير فزع المتشددين وتدفعهم إما للخوف والركون وإما للخطأ والانتقام، وعلى ما يبدو أنهم فضلوا الخيار الأول.

حسنا ما يفعل بن سلمان داخليا ، هذا شئ جيد..حتى لو كان له دوافع أخرى - أو كقربان لدونالد ترامب - لكن تأثيره الإيجابي في المملكة جيد بالاعتراف لأول مرة أن المملكة كانت تحتضن الإرهاب الفكري والتشدد العالمي وآن الأوان لوقف ذلك أو مقاومته على الأقل ، وهو وإن حمل في طياته الاعتراف بالذنب لكن تقديمه الآن في سياق هزائم داعش يمثل خنجر لمصادر التشدد الفكرية أو ربما إحراق له على المدى الطويل إذا استمر بنفس الشكل.

لكن يبقى السؤال: هل ستنجح تلك الإجراءات بشكل كامل وتحويل السعودية لدولة مدنية معاصرة؟

كان الدكتور .."فرج فودة"..رحمه الله يرى أن العلمانية هي الحل الأوحد لمصر، ويرفض بشكل قاطع تطبيق الشريعة حسب ما يراها الشيوخ، والسبب أن منظومة أفكار الشيوخ (ماضوية رجعية) لا تناسب المرحلة ولا تتفق مع الإنسان الحديث، قال ذلك في عز ما كانت صحف الدولة والثقافة العامة متأثرة بخطاب السادات الإسلامي بأن الشريعة مطبقة بالفعل وتحتاج لبعض الإجراءات كي تكتمل بنسبة 100%، والتعارض واضح بين الرأيين فالدكتور فرج يرى أن الثقافة العامة أصلا ماضوية كونها رديف لمنظومة المشايخ والفقه القديم..أي أن الإقرار بأن الشريعة مطبقة هو في حقيقته تزلف للعامة وتقرب للدهماء وليس توجها إصلاحيا أبدا..

ميزة ما يفعله بن سلمان أنه يواجه بنفس أسلوب الدكتور فودة، وهو المواجهة الصريحة والصادقة أن هناك تخلف فكري بالفعل ولا يمكن الحُكم على أي نشاط ثقافي دون عزله عن منظومة الماضي التي يمثلها الشيوخ بالفقه القديم، لكن فودة يرى أن الصراع مع الشيوخ فكري وليس أمني فحسب، حتى الآن بن سلمان معظم إجراءاته أمنية ولم يقترب بعد من الإجراء الفكري اللهم إلا قرار واحد وهو إنشاء هيئة تنقية الأحاديث

لكن أرى أن مشروع تنقية الأحاديث هذا ليس بدعا من القول أو حديثا بل قديم جدا منذ العهد العباسي، ظهرت مقدماته عند الخليفة الأموي عمر بن عبدالعزيز ثم أصبح ظاهرة عباسية بإشاعة الحديث وتنقيته حسب رؤية الفقيه، وهذا ما وجدناه في موطأ مالك حيث اختار 1200 حديث تقريبا من عشرات وربما مئات الآلاف، واستمرت حركة التدوين بالطيالسي وابن أبي شيبة وابن حنبل ثم البخاري، وبعد البخاري أخذت منحى آخر أكثر سخونة بإقرار الحديث ثقافة عامة (وتنقية) الأحاديث من 600 ألف إلى 4 آلاف على الأكثر.

هنا يظهر أن مشروع التنقية الذي أعلنه بن سلمان غير واضح المعالم وينقصه إجراءات منها مثلا عدم الاعتبار بقدسية الأحاديث في المحاكم الشرعية، فحتى الآن تقتل هذه المحاكم بناءً على أحاديث منسوبة للنبي وعليها خلاف كحديث (من بدل دينه فاقتلوه) وكذلك أحاديث الرجم والسرقة والحرابة والزنا والمثلية، هذه أصول تشريعية في المحاكم السعودية قائمة على أحاديث أكثر منها نصوص قطعية الدلالة في القرآن ، وعليه فمشروع التنقية هذا يجب أن يرافقه حرية رأي أو قرار سيادي بالتحول للنظام العلماني المدني واعتبار رأي الأقدمين قابلا للنقد والمراجعة ، وهذا ما لم يتم حتى الآن ولا أتوقعه حتى في المستقبل القريب.

فقاعدة الإصلاح السياسي الأولى هي الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية واعتبارهما جهات لها وظائف، والثانية في حرية الرأي وتكوين الأحزاب والجمعيات المعبرة عن رأي الشارع، والثالثة في بالإيمان وإقرار حقوق الإنسان، ينما النظام السعودي حتى الآن غير قادر على التخلص من سلطة ونفوذ آل الشيخ في دار الفتوى، ولا يسمح بحرية الرأي ولا الأحزاب لطبيعة الدولة الملكية المطلقة، ولديه سياسات قمعية لشيعة الأحساء والقطيف، بيد أن القانون والعرف والثقافة السعودية تمنع تقلد (غير مسلم وغير سني) وظائف هامة في المملكة.

كان اغتيال الشهيد فرج فودة من أيدي لا تعرف (حرية رأي ولا حقوق إنسان ولا تؤمن بأحزاب) فعلى من يريد الإصلاح أن ينشر هذه القيم في المجتمع كي لا يظهر أمثال هذا القاتل مجددا.

ربما الظرفين السياسي والاجتماعي يمنعان بن سلمان من السماح بحرية الرأي، فهو يرى نفسه في مواجهة صريحة مع إيران وحرب وكالة وتهديد وجود..وفي هذه الأجواء يعلو دائما صوت السلاح، لكن أعتقد أن النفس التي تجرأت على المشايخ وأغلقت منابرهم واعتقلت أئمتهم قادرة على إشاعة الحرية حتى لو رأتها تهديدا، لكن هذا في حال إيمان بن سلمان نفسه بالحرية، وهذا يطرح سؤال مهم: ما الحرية التي يؤمن بها بن سلمان؟...وهل هي ذات نمط سني سلفي أم نمط سلطوي أو نمط إنساني؟

أتذكر في الماضي كيف كان الدكتور فرج فودة لا يواجه الإسلام السياسي فكريا فحسب، بل يواجه سلطة دينية ممثلة في شيخ الأزهر، كان هناك تحالفا بين الأزهر والإسلام السياسي طيلة هذه الحقبة ، وهو الدرس المستفاد الذي يجب أن يعيه بن سلمان جيدا، أن التطرف الديني قد يصدر من الدولة أو مؤسساتها أو رموزها إذا اختلّت المعايير، ولمن يبحث عن التوثيق فليطلع على حوار فهمي هويدي مع فرج فودة وانتصار الشيخ جاد الحق شيخ الأزهر لفهمي هويدي، ثم مقالة لاذعة من الدكتور فرج ضد شيخ الأزهر.

ولماذا نذهب بعيدا ولدينا مناظرة مسجلة بين الدكتور فودة والشيخ الغزالي في معرض الكتاب؟

كذلك فالبطانة السيئة لحكام السعودية قد تُفسد كل ما يجري، هناك من يؤمن بالشيوخ ودعم الإسلام السياسي في مؤسسات الحُكم، يقفون حجرة عثرة ضد تطبيق أو الاستفادة من تلك الإجراءات، وعلى بن سلمان أن يعي حجم وخطورة هؤلاء فهم أقوى من المشايخ كونهم أمراء نافذين ولديهم علاقات واسعة محلية ودولية، فالشيوخ من وجهة نظري هم انعكاس لوجود هؤلاء ويتحركون في الغالب بإشارة منهم، ومن يتصور أن فقهاء التشدد والإرهاب يتحركون من تلقاء أنفسهم فهو واهم..هؤلاء أجبن من على الأرض ولا يمكنهم الصمود في مواجهة صريحة ومفتوحة.

يبقى الإيمان بحقيقة مهمة وهي أن الإسلام دين يمكنه التعايش مع الآخر شريطة أن يتصف حاملوه بالتسامح ونبذ الكراهية، وهذا يتطلب على المملكة إيقاف حروبها في الخارج فورا، كشرط أساسي لإشاعة السلام والتعايش في المنطقة..عليهم إيقاف حرب اليمن والكف عن التدخل السلبي في شئون بعض الدول وأن يعملوا على تصفير خلافاتهم، فهم جغرافيا وسط محيط أكثر من 70% من عدائي، لا يمكن لبن سلمان التصادم مع الجميع..هذا سيطرح الجدل الدائر حول نزاهة إجراءاته التحديثية للعلن ويظهر أن ما يفعله الآن هو في حقيقته مجرد (قربان) للإدارة الأمريكية وليس إيمانا ذاتيا بالتنوير أو فهم لأبعاده.

فالدين هو في الأخير إيمان ومرجعية معرفية وليس أداة تسلط وحُكم ضد الآخرين، والمعارك باسم السنة والشيعة هذه تنزع من الإسلام مرجعيته المعرفية وتحوّله لطاقة هدم وغزوات على شاكلة ما حدث في مطلع التاريخ الإسلامي، فالإسلام هو حقيقة موضوعية وليس حقيقة حزبية أو انتماء هووي كي يحارب منتسبيه باسمه، وللوصول لذلك يجب الانسلاخ من الفقه القديم الذي انعقد في أجواء سلطات دينية بحتة كان الخليفة في زمانهم ليس مجرد مسئول ..بل هو إله حقيقي لا يُسأل عما يفعل.

أخيرا: على بن سلمان فض الاشتباك بين المصطلحات، فالتنوير والعلمانية مرادفان، والجهل والظلامية مرادفان، لا يمكن للسعودية أن تمارس التنوير وهي تفرض الجهل على شعبها، يجب إشاعة الحريات لتنتقل المعلومة كما هي دون تزييف، ولا يمكن أن تفرض العلمانية على شعب ما زال يؤمن أن الشيخ هو القائد والزعيم، يجب لكي تقر العلمانية أن تطبق أصولها كالمواطنة وحقوق الإنسان..وهذا لن يحدث إلا بنزع القداسة عن الشيوخ واعتبارهم مجرد عنصر في الدولة وليسوا رأي مقدس أو تنفيذي لهم سلطات إلهية.