هل عمل ترامب -خير-؟

فضيلة يوسف
2017 / 12 / 22

ما هي بالضبط "عملية السلام" التي يقوم الرئيس ترامب بتدميرها بقراره الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل؟
نعم، خطوة ترامب كارثية. ويبدو أن جناح المستوطنين في إدارته - جاريد كوشنر، والمفاوض في الشرق الاوسط جيسون غرينبلات والسفير الاستيطاني "سفير الولايات المتحدة لدى اسرائيل" ديفيد فريدمان - لهم سيطرة كاملة على جدول أعمال الرئيس المتطرف. ونعم، إنه استفزاز رهيب، مما أدى بالفعل إلى اشتباكات عنيفة في شوارع المدينة القديمة في الضفة الغربية. ويتجاهل القرار العلاقات الإسلامية مع الأماكن المقدسة في القدس الشرقية التي دامت قرون طويلة ، ناهيك عن إيقاعات الباعة الفلسطينيين اليومية القديمة ، يبيعون التوابل ويحملون سلال التين وتنك زيت الزيتون العملاقة، ورائحة القهوة العربية التي تفوح من الحواري الضيقة في المدينة القديمة. ولعل الأهم من ذلك أن عمل ترامب يقوّض التطلعات الفلسطينية القديمة العهد إلى القدس الشرقية كعاصمة لدولة مستقلة تقف جنبا إلى جنب في سلام مع إسرائيل.
وهكذا، بالمعنى الدقيق للكلمة، نعم، قرار الرئيس يدمر عقود من السياسة الأمريكية ويمثل "ضربة قاتلة " لما يسمى حل الدولتين.
ولكن من الخطأ الادعاء بأن الرئيس يقتل "عملية سلام" كان من المأمول أن توصل إلى "حل" للمأساة التي دامت قرناً بين العرب واليهود. لقد قُتل حل الدولتين منذ سنوات. وتواطأ في قتلها : الإدارات الأمريكية المتتالية التي عملت جنباً إلى جنب مع الكونغرس، كعناصر( تمكين) للسلوك الإسرائيلي السيئ.
منذ بدء عملية أوسلو للسلام في عام 1993، تضاعف عدد المستوطنين الإسرائيليين في الضفة الغربية، دون القدس الشرقية، إلى أربعة أضعاف تقريبا، ليصل إلى 000 400 شخص. وهناك أكثر من عشرة مستوطنات يهودية تطوّق القدس الشرقية، مما يقوض حلم الدولة الفلسطينية. (بطبيعة الحال، قبل انتخابات ترامب بوقت طويل). ولا يزال 60 % من الضفة الغربية خاضعاً للسيطرة العسكرية الإسرائيلية، مع وجود مئات الحواجز التي تجبر العائلات الفلسطينية على العيش في أرخبيل من الكانتونات المعزولة، وسجنها أساسا في إنسان عمره نصف قرن . وتحتفظ إسرائيل بسيطرة فعلية على ما يسمى بالمناطق الفلسطينية المتمتعة بالحكم الذاتي أيضاً بوجود نقاط تفتيش على مداخل معظم المدن الفلسطينية، والغارات الليلية المتكررة التي ينفذها الجيش على هذه المدن )the Jim Crow south دون عقاب. وفى إحدى الحوادث المشابهة تماماً لقانون(
للفصل العنصري استولى الجنود على حمام سباحة واجبروا الفلسطينيين على الخروج من المياه حتى يتمكن المستوطنون من السباحة. .
جميع المندوبين والدبلوماسيين والسياسيين تكلم حول حل الدولتين. ولكن على أرض الواقع، دولة واحدة، فيها مجموعات متباينة بشكل حاد في الحقوق المدنية وحقوق الإنسان، اعتمادا على قوميتك ولا يوجد شيء اسمه (مواطنة). حذر القادة الأمريكيون والإسرائيليون من إيهود أولمرت إلى إيهود باراك لجون كيري من الفصل العنصري القادم إذا لم تحل إسرائيل أزمتها الأخلاقية في الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية . للأسف، تم ذلك بالفعل..
وقد حدث كل ذلك تقريباً تحت أنظار اتفاقية أوسلو سيئة الذكر. إن إعلان مبادئ أوسلو، الذي ذكر الأمن 12 مرة ولكن لم يذكر مرة واحدة الاستقلال، أو السيادة، أو الحرية، أو فلسطين. لم تكن أبداً مصممة لوقف هذا التوسع. وبدلاً من ذلك، ساعد الدعم الأمريكي التكتيكي على تسريعه. وقف رؤساء الولايات المتحدة ووزراء الخارجية مع قيام إسرائيل ببناء جيوب يهودية وطرق للمستوطنين فقط ومراكز عسكرية ومحطات مراقبة واستعمار فلسطين. وسنّ المسؤولون الأميركيون السكاكين الدبلوماسية في بعض الأحيان ولكنهم لم يهددوا أبداً بوقف المساعدات لإسرائيل إذا لم توقف التوسع الاستيطاني..
لم يحدث ذلك منذ عام 1991، بل حدث قبل أوسلو بوقت طويل، عندما تحدّى جيمس بيكر، وزير الخارجية في فترة الرئيس جورج بوش الأولى ، رئيس الوزراء اسحق شامير، حدث ذلك مرات بعد ذلك ،ولكن اليوم، حيث يتلقى الكونغرس والبيت الأبيض المال من إيباك وغيرها من الجهات المانحة المؤيدة لإسرائيل بشكل كبير ، لا يمكن لذلك أن يحدث. لم يكن الديمقراطيون أفضل من الجمهوريين.أغلقت هيلاري كلينتون المناقشة المفتوحة لكارثة حقوق الإنسان الإسرائيلية في الأراضي التي تحتلها إسرائيل بعد احتضانها من المليونير حاييم سابان. بعد ملايين سابان، ساوت كلينتون بين نقد إسرائيل و معاداة السامية، من خلال إدانة المقاطعة وسحب الاستثمارات والعقوبات التي تطالب بها الحركة اللاعنفية (حركة المقاطعة ) لمواجهة انتهاكات إسرائيل لحقوق الإنسان من خلال الضغط الاقتصادي والسياسي المباشر. واصل الرئيس أوباما نفاق القادة الأمريكيين من خلال الدعوة إلى "السلام" بين إسرائيل و فلسطين، في الوقت الذي كان يلتزم بتعهد لمدة 10 سنوات بقيمة 38 مليار دولار لتجديد ترسانة إسرائيل من الأسلحة، وبعضها بالطبع سيستخدم ضد الفلسطينيين.
وها نحن هنا أيضا ننتحب لفقدان "عملية السلام" مع تدفق الدم والدخان من المدينة المقدسة والضفة الغربية المحتلة. ويبدو أن الجميع من إسرائيليين معتدلين إلى السلطة الفلسطينية، من المفاوض الأمريكي الفاشل دنيس روس إلى الدبلوماسيين الذين يجتمعون فى جلسة طارئة فى مجلس الأمن الدولي، يخشون نهاية عملية السلام التي لم تستحق اسمها. وبغض النظر عن التطلعات المأمولة لجيل مضى، فإن أوسلو كانت سجناً وليس سلاما ؛ بؤساً وليس عدالة.
والآن، وبغير قصد، قام الرئيس ترامب بتحطيم تلك الأوهام. كما قالت نورا عريقات، الناشطة في حركات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأمريكية، إن "ترامب أنهى أخيرا" الكلام المزدوج "للولايات المتحدة، وأنه أنهى أي اعتقاد بأن الولايات المتحدة ستحقق الاستقلال الفلسطيني، أو أن إسرائيل مستعدة للتخلي عن الأراضي التي استولت عليها بالحرب ".
وعلى المدى القصير، يفتح تحطيم الأوهام الطريق أمام الفوضى والاشتباكات. ويتوقع بعض المحللين انتفاضة فلسطينية كاملة، تلي تفكك السلطة الفلسطينية بسبب قيام الكونغرس بوقف دعمها ، الأمر الذي قد يؤدي بدوره إلى انهيارها. ويعتقد آخرون أن الجناح المتطرف الذي يحكم إسرائيل، والمدعوم من الجناح الاستيطاني في البيت الأبيض، يمكن أن يستخدم هذه الاشتباكات كذريعة لتنفيذ "نقل" قسري للفلسطينيين في الضفة الغربية عبر الحدود إلى الأردن. قد تبدو الأمور غير معقولة، لكن من المرجح أن تزداد الأمور سوءا قبل أن تتحسن.
ولكن في أعقاب إعلان ترامب، هناك فرصة : إن زوال فكرة الدولتين، والاعتراف بأن الوضع الحالي لا يمكن أن يدوم ، يفسح المجال أيضا للبدائل التي طال انتظارها من قبل فكرة الدولتين. وهذا يعني، أخيرا، تبني حملة واسعة من المقاومة اللاعنفية من خلال تسليط الضوء على سلوك إسرائيل السيئ ومقاطعة الشركات التي تستفيد من الاحتلال - مثل كاتربيلر التي ساهمت جرافاتها من طراز D-9 في هدم عشرات الآلاف من منازل فلسطينية. ويعني ذلك الانفتاح على حلول سياسية جديدة مثل مقترحات دولة ثنائية القومية أو دولة ديمقراطية واحدة متجذرة في قيم العدالة وحقوق الإنسان والأمن والسلامة وحرية الحركة لجميع الإسرائيليين والفلسطينيين.
ويبدي البعض مخاوف من عدم نجاح هذه الاستراتيجيات البديلة ، لكنها أفضل من العودة إلى عملية أوسلو المفلسة التي لن تقودنا إلى أي مكان جديد. وبذلك قد يكون دونالد ترامب "عمل خير" .
مترجم
Sandy Tolan