خارج المتن الابداعي - الأدباء العراقيون أنموذجاً

عصام عبد العزيز المعموري
2017 / 12 / 22

خارج المتن الابداعي ...بعض الأدباء العراقيين أنموذجاً
(مقالتي في ملف ديالى الابداعي في جريدة بين نهرين -رئيس التحرير استاذ شوقي عبد الأمير)
الأستاذ الدكتور عصام عبد العزيز المعموري - بعقوبة
..............................................................................


ان المتتبع للسير الذاتية لأغلب المبدعين ومنهم الأدباء يجد عناصر مشتركة في الخصائص النفسية لهم ، منها أن المبدع يعاني توتراً شديداً للتوفيق بين المتعارضات الكامنة في طبيعته مع محاولته تحمل ذلك التوتر والحد منه ، فهو ثائر لكنه لا يعمل ضد المعايير الاجتماعية ، يتميز بالاندفاع وسرعة الاستثارة وعدم ضبطه لتعبيراته الانفعالية ، وفي نفس الوقت يتميز بقوة الارادة واحترام المطالب الاجتماعية والطموح والقدرة على ضبط الانفعالات .
ان هذا كله يعني أن المبدع بشكل عام والأديب خاصة يعاني من صراع الفردية والتقبل الاجتماعي الى حد الشعور بالاغتراب والعزلة ، ويجب أن نميز بين العزلة النفسية والعزلة الابداعية ، فالعزلة الابداعية هي من يختارها المبدع ويتشوق اليها لأنه يعرف قيمتها ..فيها يكتب ويكتشف ، وهي عزلة ابداعية لأن العمل الابداعي يتطلبها ولأنها ضرورية لكل مبدع .
ان هذه العزلة الابداعية سواء كانت اجباراً أم اختياراً تجعل الآخرين يتهمونهم بالجنون أو السلوك غير المألوف ، وفي يوم ما سئل الأديب الفرنسي (أندريه موروا ) : هل أن المبدعين مجانين ؟ فأجاب : (الأصح أن نقول أنهم كانوا سيصبحون مجانين لولا أنهم أصبحوا مبدعين ، فالجنون هو الذي يصنع المبدع ، والابداع يشفيه ).
أما ( أندريه جيد ) فله رأي آخر لا يختلف كثيراً عما قاله ( أندريه موروا ) حيث قال : (ان أجمل الأشياء هي التي يقترحها الجنون ويكتبها العقل ..ينبغي التموقع بينهما بالقرب من الجنون حين نحلم ، وبالقرب من العقل حين نكتب ) .
يقسّم المختصون بعلم النفس الاكلينيكي الشخصيات استناداً الى صحتهم النفسية الى ثلاث فئات ، الاولى ذوي الشخصيات السوية والثانية ذوي الشخصيات تحت السوية Sub Normal Characters والثالثة ذوي الشخصيات فوق السوية ، وان المبدعين ومنهم الأدباء هم من الفئة الثالثة فهم شاذون ولكن شذوذهم نحو الأعلى وليس نحو الأسفل ، حيث يرى الفرويديون أن الابداع يحصل عندما يتسامى الفرد على دوافعه الأولية والغريزية الى هدف أسمى من الناحية الأخلاقية والاجتماعية ، فالشخص الذي يفشل في الزواج من حبيبته سوف يبقى يتصارع مع هذا الأمر في نفسه مما قد يخرج عملاً ابداعياً على شكل قصيدة ابداعية أو عملاً فنياً قد يكون نحتاً لتمثال يشبه حبيبته .
من المفاهيم شائعة الخطأ لدى غير المتخصصين هي أنهم يعتقدون أن الابداع يجب أن يقترن بالتفرد والجدة وأن لا يكون النتاج الابداعي مطروقاُ من قبل وفي هذا الصدد يقول (شوبنهاور ) : ( ليس المهم أن نرى شيئاً جديداً ، بل الأهم أن نرى معنى جديداً في شيئ يراه كل الناس ) .
في حوار أجراه د.علي جواد الطاهر مع الشاعر الكبير الجواهري نشر في العدد الثاني من مجلة (الكلمة ) الصادرة في آذار عام 1972 قال الجواهري : ( أكتب الشعر على قفا كتاب أو ظرف رسالة أو بياض جريدة أو أي شيء غير الورق الأبيض ،مع وجود هذا الورق ، وكلما انتهيت من نظم بيت أغنيه بصوت عال، أصيح ولا أستطيع النظم من غير ذلك ) وعندما سئل : هل تترك القصيدة جانباً عندما تنتهي منها ؟ أجاب : لا ..أقرأها خمس مرات أو عشر مرات ، أهضمها وقلما أبدل فيها كلمة وقد أزيد البيت أو البيتين هنا وهناك استكمالاً للصورة ، ونفسي يطول مع مرور الزمن فقد كنت لا أتجاوز الثلاثين بيتاً ثم بعد الثلاثين من عمري صارت قصائدي تبلغ الخمسين الى الستين بيتاً وبعد الأربعين أكثر .
ويصف لنا (حنا مينة) طقوس الكتابة لدى الجواهري بقوله : (رؤيتي الاولى للجواهري كانت في أواسط الخمسينيات ،دخلت غرفته في الفندق الذي نزل فيه ، في الظهيرة كانت النوافذ مغلقة والكهرباء ضعيفة وكان يدور في الغرفة في حالة من الغضب الغضوب وهو يتمتم بما لا أدري من الكلمات ، كان الدخان منعقداً ، وأعقاب السجائر في كل مكان ، في المنفضة ، على حديد مشعاع التدفئة على الأرض ، وكان قد كتب على ظهر علبة سجائره وعلى أوراق صغيرة وعلى الجدران ، وقال لي بأنه يدوّن مطلع المورد في القصيدة فقط وبعد ذلك في الملعب البلدي ، الذي كان في موقع معرض دمشق الدولي ،ألقى قصيدته في تأبين الشهيد عدنان المالكي والتي مطلعها : خلفت غاشية الخنوع ورائي وجئت أقبس جمرة الشهداء .
وفي الحوار نفسه الذي أجراه معه د.علي جواد الطاهر يقول الجواهري : (أنا لا أؤمن بشيء اسمه الهام ، أؤمن بشيء اسمه استثارة وكل كلمة في شعري أضعها بعد تفكير ، أما ما يسميه البعض الهاماً فهو نوع من الدجل ، أنا أفكر بالكلمة وأنتقيها وأضعها في مكانها ومن هنا ترى أن الشعر عملية متعبة ،الكلمة تنزل ، سم ذلك الهاماً ،سمه ما شئت ، الفكرة ترفض الحرف) .
وعندما سئل :انك تبدو مرة بسيطاً جداً ومرة معقداً جداً فكيف كان ذلك ؟وما أثره ؟فأجاب قائلاً:
(لو لم يكن كذلك لما كان الجواهري ،المتناقضات يؤديها كاملة عند البساطة وعند التعقيد ،وهنا يأتي المزاج العنيف ،انه لا يعرف الوسط ،العنف عنصر في المزاج الشعري وهو علامة من خبال الشعر ،لولا عنصر الجنون لما كان الشاعر شاعراً)
أما حالات الصعلكة والتشرد الارادي واللاارادي التي عاشها المبدعون ومنهم الأدباء فهي حالة خاصة من حالات الانتحار ، فها هو الشاعر العراقي ( عبد الأمير الحصيري ) الذي كان ينام في الحدائق والساحات العامة والشوارع وكان مكان وفاته (فندق الكوثر ) في بغداد وكان يردد العبارة الآتية : ( أنا شيخ الصعاليك منذ ابتداء الزمان ) . لقد اعتاد الحصيري حياة الحانات فبعد أن يحتسي الخمر يقوم مرتجلاً عشرات الأبيات الحاوية على الصور الشعرية الرائعة مقابل ثمن بسيط أو بدون مقابل ، فقد كان ضيف شرف على حانات بغداد وهو ابن النجف ، وفي الثاني من شباط عام 1978 واثناء احتسائه الخمر أصيب بإسهال حاد سقط بعدها في فندق الكوثر ومن ثم نقل بصورة سريعة الى المستشفى حيث فارق الحياة مصاباً بعجز في القلب وانتقل الشعراء من أصدقائه الى الطب العدلي ليودعوه الوداع الأخير وتبرع قسم منهم بمبلغ الدفن حيث ظل في الطب العدلي حتى صباح اليوم التالي .
أما الشاعر (حسين مردان ) الذي كان يصف نفسه بقوله : ( أنا دكتاتور الأدب وشيخ المشردين ) فقد عاش حياة التشرد وألفها بل تجسدت شخصيته من خلال ذلك ..لقد أحبها بتلذذ وارتياح تامين فلقد أراد أن يكون حراً بكل معنى الكلمة .
لقد عانى من الاغتراب شأنه شأن أي مبدع وكان يقول : ( أنا في ذاتي سر مغلق لا أرى في الناس من يفهمني ..مثلما جئت سوف أذهب لغزاً يحتويه الغموض والكتمان ).
وكذلك الشاعر العراقي (عبد القادر رشيد الناصري ) كان في حياته بوهيمياً ، يعيش ليومه ولا يفكر في غده ويعاني الكثير من آلام الفقر والنكد ولذلك كان يهرب من واقعه لاحتساء الخمر وكان ينام في غرفة مؤجرة وفي الشوارع والحدائق ومات مخموراً ودفن في مقبرة الغرباء وشيعه سبعة عشر صديقاً بضمنهم بعض الموظفين في أمانة العاصمة .
أما حالات الانتحار لدى الأدباء فنلاحظ أن الأديب عندما ينتحر فانه يفعل ذلك بطريقة لا تترك له مجالاً للإنقاذ فلم نسمع يوماً أن أديباً انتحر بتناول أقراص منومة أو رمى نفسه بأحد الأنهار أو بأية طريقة أخرى تترك له فرصة للإنقاذ .
فها هو الروائي (مهدي علي الراضي) الذي يفاجئ محبيه في الثاني والعشرين من شباط عام 2007 بالانتحار ، وهو الذي عاش منذ عام 1978 في المنفى بعيداً عن وطنه ولكنه يبدو قد فقد الأمل في استعادة العافية والسلام لوطنه فمات حلمه بالعودة اليه لذلك اختار الموت .
أما موت الشاعرة والأكاديمية استاذة الأدب الروسي في جامعة بغداد كلية الآداب ثم كلية اللغات التي ولدت عام 1935 في مدينة النجف في حادث انتحار مأساوي مع ابنتها الشابة (مها ) والذي كان صدمة شنيعة لكل من عرف الفقيدة أو سمع عنها أو قرأ لها وكذلك في الأوساط الأدبية وطلابها وأثارت تلك الحادثة الكبيرة الكثير من اللغط والتساؤلات ان كانت انتحاراً فعلاً أم أن هناك يد خفية للسلطة آنذاك ، وعلى أية حال فالحصيلة كانت ان كانت السلطة وراء الانتحار سواء بطريقة مباشرة أم غير مباشرة وبعد صدور رواية ( اذا الأيام أغسقت ) للفقيدة وبمقدمة رائعة بقلم السيدة (بلقيس شرارة ) أشارت السيدة بلقيس في تلك المقدمة وكتاباتها اللاحقة عن الفقيدة أن الحادثة كانت انتحاراً وبدون أي تفاصيل حيث كتبت في الجزء الأخير من تلك المقدمة .
..................................................................................
المصادر
1- أ.د قاسم حسين صالح(1983) : سيكولوجية الابداع في الأدب والفن ، بغداد .
2- خالد حسين سلطان (2009): حياة شرارة الثائرة الصامتة ،الطبعة الاولى ،دار الخلد للطباعة والنشر ،دمشق .
3- د.علي جواد الطاهر (آذار 1972): مجلة الكلمة ، حوارات ثقافية ، حوار مع الجواهري
4- شعراء من العراق ، كتاب ممزق الغلاف ،لم أتعرف على اسم المؤلف فيه .