لماذا معسكر الأعداء ومعسكر الأصدقاء

محمود فنون
2017 / 12 / 22

لماذا معسكر الأعداء ومعسكر الأصدقاء
محمود فنون
22/12/2017م
العالم ليس كرة مصمتة متجانسة التركيب بل إن العالم مركب ومعقد التركيب ومتناقض من داخله وفيه تناقضات داخلية وخارجية وفيه أقطاب مستقرة نسبيا وبداخلها حركة وتغيرات وحراك ينشأ عن المتغيرات الداخلية في الدول ومواقفها وعن تطورها وتراجعها وتغبر القوى السائدة فيها. كما هو حال المجتمعات مركبة ومتناقضة من الداخل .
هذه حقائق موضوعية مستقلة عن رغباتنا كأفراد ومراقبين بل هي لوحة متشكلة ونحن ندرسها . نحن ندرسها من خلال تاريخية أدوار ومواقف القوى السائدة وطرائق تعبيرها عن نفسها ومصالحها واصطفافاتها ومراكزها في الصراعات الدولية الجارية من حولنا.
وقد مرت حقبة من الزمن القريب (العقدين الماضيين) كان المراقب يصف لوحة القوى العالمية ضمن أحادية القطبية كسمة سائدة وكانت أمريكا ومن معها هم القطب الأوحد.
وكانت مجموعة من القوى تنبض في محاولة منها لتكون القطب المقابل .
حيث بدأت روسيا بالنهوض وتقاربت مع الصين وفانزويلا والهند وعدد من الدول التي تتقاطع مصالحها ومواقفها مع القضايا العالمية .
مجموعة من الدول لا تخضع للهيمنة الأمريكية وليست توابع لها وتسعى لشق طريقها مستقلة عن النهج الأمريكي ووصفات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة العالمية وخارج حلف الناتو( حلف شمال الأطلسي الذي تهيمن عليه امريكا وأوروبا ).
تقف روسيا إذن في الطرف الآخر وأخذت بعض الدول تقف إلى جانبها وتتقاطع معها وتتداخل المصالح معا .
ربما نكون في المستقبل على ابواب نشوء أحلاف وتحالفات اعمق مما هو قائم اليوم وتصطف في وجه امريكا .
إن المصالح الإستعمارية ومنذ بدايات القرن الثامن عشر قد دفعت الدول الراسمالية وعلى رأسها بريطانيا وفرنسا إلى محاولة السيطرة بل والهيمنة على آسيا وأفريقيا واستعمارها ، والعمل بكل الوسائل المتاحة للحفاظ على مصالحها فيها ، وكما وخلال تلك الحقبة وما تلاها اخذت تتدبر امر الهيمنة على مكونات الإمبراطورية العثمانية ( الرجل المريض) وبما فيها الوطن العربي – لم يكن وقتها مقسم إلى دول كما هو الحال الحاضر .
فقد أخضعت شمال إفريقيا منذ نهاية القرن التاسع عشر وبداية العشرين ، واستكملت السيطرة على الجناح الآسيوي مع نهاية الحرب العالمية الأولى التي وقعت ومن أسبابها الأساسية محاولة إعادة تقاسم العالم لمصلحة بريطانيا وحلفها مقابل ألمانيا الصاعدة وإيطاليا وروسيا القيصرية . وهزمت ألمانيا وحلفها فتعزز حلف بريطانيا فرنسا وبسط كامل نفوذه بكل قوة .
في هذه الحقبة وقعت الثورة الروسية التي قضت على الإمبراطورية القيصرية وظهر الإتحاد السوفييتي وأصبح القطب المقابل للحلف البريطاني الفرنسي ومجموعة الدول الغربية .
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ظهر حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ويضم أمريكا والدول الأوروبية المنتصرة في الحرب وضمت معها تركيا كدولة تابعة.
ومع هذه المجموعة تاتي جميع التول التابعة والرجعية في العالم مثل المملكة السعودية وفيما بعد دول الخليج العربي والدول الرجعية في امريكا الجنوبية وأفريقيا كذلك .
وفي تلك الحقبة الإستعمارية تم استعمار فلسطين وكرست عملية تهويدها وأقامة دولة إسرائيل التي أصبحت كذلك أداة فاعلة وتابعة ومدعومة من حلف الناتو.


ويقابله حلف وارسو ويضم الإتحاد السوفييتي ومجموعة الدول الإشتراكية .وشكلا معا قطبي الصراع الرئيسي والأساسي في لوحة تركيب المجتمع الدولي .
في تلك الحقبة كذلك ظهرت حركات التحرر الوطني من الإستعمار الأوروبي وكانت تحصل على دعم وتأييد الدول الإشتراكية وكان لحركات التحرر الوطني تأثيرها وفعلها على تراكيب اللوحة العالمية فهي تناضل ضد بريطانيا وفرنسا ومصالحهما الإستعمارية في آسيا وأفريقيا وكانت خطيرة جدا على هذه المصالح .
لقد خيضت الثورات في الوطن العربي الذي قسمته اتفاقيات سيكس بيكو وكرس الإستعمار هذه القسمة أثناء هيمنته.
كما ظهرت في الخمسينات مجموعة الدول المتحررة من الإستعمار والتي لم تكن في أي من الحلفين وشكلت معا حركة عدم الإنحياز وهي كانت في الطرف المقابل لحلف الناتو وقريبة من الإتحاد السوفييتي والدول الإشتراكية وكذلك تتسلح جيوشها بسلاح الدول الشرقية وتتقاطع مصالحها أكثر فأكثر مع الدول الشرقية .وكانت بزعامة كل من مصر عبد الناصر ويوغسلافيا تيتو والهند جواهر لال نهرو.
كما ظهرت العديد من الحركات الإشتراكية والثورات الإشتراكية في الصين وكوبا وبعدها فيتنام ، وكانت هذه الحركات معادية للإستعمار والإمبريالية ومد عومة من الإتحاد السوفييتي والدول الإشتراكية .
ومع هذا الفريق مجموعة الأحزاب الشيوعية والتحررية في كلا بلدان العالم .
كانت لوحة حيوية ونشطة .
وتم خلالها تغييرات عميقة في حياة البشرية وظهر عدد كبير من الدول المستقلة وكان العالم اميل إلى التحررية وكانت أمريكا أقل هيمنة وتلاقي هي وحلفها عدد من الهزائم امام الثورات التحررية ومحاولات الثورات الإشتراكية .كان العالم أزهى من اليوم .
وإثرر سقوط الإتحاد السوفييتي تعززت الهيمنة الأمريكية وقطبها من الدول الأوروبية. وبدأت أعمال العنف من قبل امريكا وحلف الناتو دون رادع :
تم تفتيت منظومة الدول الإشتراكية وتقسيم بعضها وتم تفتيت يوغسلافيا وإثارة الإحتراب بين مكوناتها وتم قصف يوغسلافيا بوحشية تدميرية لمجرد التدمير وتم غزو وقصف العراق وأفغانستان ،واشتعلت الحرائق في انحاء متعددة من العالم.
وجاء ما يسمى الربيع العربي التدميري الذي استمر فيه تخريب ليبيا وسوريا والعراق وحاليا اليمن تحت التدمير والتخريب .
إن الدول التي تقف إلى جانب إسرائيل هي في معسكر الأعداء ، الدول التي تدعم إسرائيل ماليا وسياسيا وتسلحها وتقف إلى جانب ممارستها لتهويد فلسطين هي دول معسكر الأعداء .
هي هكذا موضوعيا وليس نتاج رغبات الأفراد والقوى ، وليس زج من قبل الحالة لأسماء دول وأحزاب وأحلاف نتاج سوء فهم أو حالة مزاجية .فبريطانيا هي التي مكنت من تهويد فلسطين ودعمت إقامة دولة إسرائيل ومعها كل دول أوروبا الغربية ومعها امريكا وكندا .
لم يكن هذا مجرد تأييد أو صمت على الجريمة بل كلها ساهمت فيها ماديا وسياسيا واقتصاديا وعسكريا وبشريا .
الحلف الثلاثيني الذي تشكل لضرب العراق عام 1990م إثر دخولها الكويت كله في معسكر الأعداء: أمريكا وأوروبا الإستعمارية ودول الخليج العربي وكل عملاء أمريكا في العالم .
إن الدول التي تظافرت لقصف وتدمير ليبيا مثلا هي في معسكر الأعداء وهي قد مارست هذا العداء ، بل إنها مارسته بشكل وحشي .كل من أمريكا ودول الناتو وتركيا وقطر والسعودية وحركات الدين السياسي ومنظمات الإن جي أوز، وكل الرجعيات العربية والدولية ، كلها كانت صفا واحدا ضد ليبيا ولا زالت وضد الأمة العربية وكل الوطن العربي .
الحرب العالمية ضد سوريا والتي تشكلت فيها لوحة الصراع بوضوح :
معسكر الأعداء :ويضم امريكا والدول الإستعمارية والرجعية الأوروبية ودول الرجعيات العربية وتركيا وقوى الدين السياسي وقوى العملاء الخونة من كل شاكلة وطراز ومعهم شيوخ السلاطين بزعامة القرضاوي .
يقابلهم في دعم النظام السوري تأتي : روسيا والصين وإيران وقوى التحرر في العالم وعلى رأسهم حزب الله بقيادة السيد حسن نصرالله .
إن معرفة معسكر العداء ومعسكر الأصدقاء مسألة فكرية وسياسية معا .
فانالا يمكن ان أقف إلى جانب تحالف تقوده امريكا وتظهر فيه الدول الرجعية العربية المكونة من كل دول الخليج العربي والردن ومصر منذ عهد السادات والسودان وتونس والمغرب وموريتانيا والصومالـ وقوى الدين السياسي هي في خانة القوى الرجعية ومعها كبار رجال الدين المتحالفين مع السلطة السياسية العميلة وكثرة من الأحزاب الرجعية .
هذه كلها في صف الأعداء وتصطف في أي وقت على جانب إسرائيل وأمريكا .