عندما رميت بالحجاب والبالطو في القمامة

إلهام مانع
2017 / 12 / 22

عندما رميت بالحجاب والبالطو في القمامة


سأقص عليَكما، عزيزتي القارئة، عزيزي القارئ، قصة حقيقية.

حدثت لي.

اذكر وقائعها جيداً.
لم أنساها إلى يومنا هذا.
لها مغزى، ولها معنى، وأن جفل البعض منها.
ولذا، فإن تسببت في إزعاجَكما، رَجوتكما المعذرة.


عشت بدوية، كما تعرفان.
أنتقل من عاصمة إلى عاصمة، ومن وطن إلى آخر.
فأصبح العالم وطني.
كلنا واحد، لكننا في تمَايزنا نختلف.
العالم وطني، الإنسان هويتي، والخير والنور الذي فيه هو نبراسي.

حصلت على البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة الكويت، بإمتياز مع مرتبة الشرف.
عند التخرج، اشار علي أستاذي الراحل الدكتور أحمد البغدادي بنصيحةٍ هامة.
قال لي "لا ترتكبي خطاً إكمالِ الدراسات العليا فوراً. تحتاجين إلى خبرة في الحياة والعمل. وبعدها تستطيعين إكمال الماجستير والدكتوراة كما تشائين".

اخذت بنصيحته وعملت في جامعة صنعاء، في إدارة الجامعة أولاً، ثم كمعيدة في قسم العلوم السياسية.
لن انسى فضله علي، او نصيحته تلك.
سنوات ثلاث عملت فيها في اليمن، قدمت لي خبرة مباشرة عن معنى أن تعمل في دولة نامية فاشلة. كل برامج الدراسات العليا، الكتب،المناهج والمعايير التي تعلمتها فيما بعد في الولايات المتحدة ثم سويسرا لم تكن لتشرح لي واقع الحياة في دولة كاليمن.

ما علينا.

طوال حياتي لم أرتد الحجاب إلا في فترة قصيرة.
عندما عدت إلى اليمن من المغرب لأدرس سنتان في الثانوية العامة، مَررتُ بتجربة تدّين ارتديت معها الحجاب، ولحسن الحظ أفقت منها بعد سبعة أشهر.
أقول لحسن الحظ لأنها لم تكن تجربة تدين عادية. كان تديناً إخوانجياً سلفياً، يقوم على رؤية ايديولدجية متطرفة، لاتعترف بالإنسان هوية، ولاتحترم الإختلاف في الإنسان، في دينه أو فكره، بل تصر علي هوية دينية إقصائية.
لا تؤمن بمفهوم المواطنة المتساوية بغض النظر عن الدين، الجنس، أو الفكر، ثم تقهر المرأة بدعوى أن الله يُريد ذلك القهر.

ليس الآن وقت حديث ذلك التطرف ، سأقصه عَليكما في مقال آخر، قصةٌ سردتها أيضاً في كتابي الجديد عن الإسلام السياسي والإسلام الأصولي المتطرف بعنوان "داعش التي فينا". الكتاب سُينشر بالألمانية في بداية أبريل القادم.

يكفي أن أقول أني عندما ارتديت الحجاب حينها، فعلت ذلك وغصة في حلقي.
قيل لي حينها إن الله يريد منا ان نرتدي الحجاب.
الله.
مع الوقت أدركت أن حسن البنا ومحمد عبدالوهاب، ورجال الأزهر ممن يمثلون هذين التيارين من بعدهما، هم من يريديون.
الله لاعلاقة له بتغطية شعري.

قيل لي حينها، إن جسدي يجب أن يُغطي كي أحمي الرجل، ذاك المسكين، لايستطيع أن يتحكم في غرائزه.
كل مافي يثيره. كل ما في يقلب كيانه.
يشنكله.
صوتي، شعري، جسدي.
مسكين ذاك المسعور.
وعندما احمى الرجل من انوثتي، فأني احمى مجتمعنا من الظلال.

قيل لي حينها إن جهنم تَعُج بالنِساء، يُعلقن من شعورهن، تلك التي تغوي ذاك المهووس.
صورة مرعبة، اليس كذلك؟
لولا أن الله المحبة، ولذا فإني لا اصدقها.
وفي كل الأحوال، وعلى فرض وجود جهنم، أليس من الغريب أن تتحول إلى فرن للنساء بسبب شعورهن؟
وماذا عمّن إنِتهك آدمية الإنسان في أوطاننا؟ ماذا عمن ارتشى، وقتل، وكذب وَروج للكراهية ضد من أختلف عنه؟
هل يذهبون إلى الجنة لأن الله لايريد للرجل أن يغطي شعره؟
المنطق لايلعب دوراً في احاديث المتطرفين.

إذن، كما قلت لكما، عندما ارتديت الحجاب حينها، فعلت ذلك وغصة في حلقي.
غطاء الرأس ذاك خنقني.
كنت أكرهه، وارتديه وأنا أقول لنفسي، أليس هذا ثمناً رخيصاً لحبك للرحمن؟
أفقت من غيبوبتي الإخوانية السلفية بعد سبعة أشهر.
الحمدلله أني أفقت.
ولازلت أحبُ الرحمن. لكن شعري لاعلاقة له بالموضوع.
وأبي هو من ساعدني على فعل ذلك.
"كلُ المراهقين والمراهقات يمرون بمرحلة تدين. لكن ما تمرين به هو تدين متطرف"، قال لي.
"هل تعتقدين أن الله فعلاً هو من يقول لك ان تغطي شعرك؟ هو تفسير ديني متطرف، وأيديولوجية، وكلاهما يبحثان عن رمز وزي، وكلاهما يستخدمان المرأة كأداة في نشر هذا الفكر".
"شعرك جميل، اتركيه حراً". ظل يكرر.

فترة صعبة، وأصعب منها كان قرار تركي لتلك الجماعة.
لكني تركتها.
ومع القرار، عاد شعري حراً يتنفس.

-----


إذن فيما عدا تلك الفترة القصيرة وأنا في الثانوية العامة، لم أرتد الحجاب.
إلى أن عدت إلى اليمن بعد البكالوريوس.
وعندما بدأت في العمل فيها، قلت لأبي "اليمن تختلف عن الدول الأخرى. سأغطي شَعري وارتدي البالطو الأسود، كي أتمكن من العمل بحرية".
لم يعلق.
تركني لقراري.
وكرهت قراري.
غطاء الرأس ذاك ظل يخنقني.
شعري الطويل ظل يتوق إلى الحرية، يبحث عن الهواء يتنفسه، وذاك الغطاء يصر على خنقه قمعاً.
مسكين ايها الجميل.

لكني قلت لنفسي، "تأقلمي، حتى تعملين دون إزعاج أو تحرش".
في الواقع لم يساعد ذلك القرار كثيرا في موضوع التحرش.
بحجاب او بدونه تتعرض المرأة لدينا في كل مجتمعاتنا العربية إلى التحرش.
ولذا حبذا لو قلتم للرجل أن يكف عن التصرف كالحيوان.

ماعلينا.

في كل الأحوال، غطيت شعري بطريقتي.
نصف تغطية. كي يكون واضحاً، افعل ذلك تاقلماً، لاغير.
ولم أنتبه إلى مغزى الألوان التي اخترتها للحجاب إلا فيما بعد: أحمر قاني، بنفسجي مبهج، ازرق فاتح كالسماء، وأبي ينظر إلى تلك الألوان، ويبتسم صامتاً.

قلت لنفسي مراراً، تفعلين ذلك بإرادتك.
ترتدين ذلك الغطاء، ذلك البالطو بإرادتك، إحتراماً لتقاليد بلدك.
لكن الغصة ظلت عالقة في حلقي.
أية إرادة تلك التي تغصبك على إرتداء ما لاتريد؟ وتعتبر جسدك عاراً ونجس؟

سنوات ثلاث ارتديت فيها ذلك الحجاب، والبالطو الأسود معه.
خنقتني.

بعدها تقدمت إلى منحة فولبرايت لدراسة الماجستير في الولايات المتحدة.
ودعم طلبي أستاذي الفاضل الدكتور محمد زبارة من قسم العلوم السياسية في جامعة صنعاء.
لن أنسَ جَميله ما حييت.
كنتُ الثانية على دفعتنا في جامعة الكويت، ولذا كانت المنحة شرفاً، فتحت لي أبواب المستقبل.

ثم حان وقت السفر.
ودعت والدي. هما يبكيان، وأنا قلبي ممزق، حزينٌ على فراِقهما، وفرحٌ بالمنحة وبمستقبلٍ أبينه بساعدي.
كان ذلك عام 1993.
اخر عهدي معهما في اليمن.
الطائرة حلقت في المساء ووجدت نفسي في الصباح في مطار فرانكفورت بألمانيا.
ترانزيت.
خرجت من الطائرة.
مازلت ارتدي غطاء الرأس والبالطو.
دخلت المطار.
ومشيت مصممة.
كنت أعرف ما سأفعله.
بحثت عن اول حمام كي ادخل فيه.
لم أعبأ للنساء الموجودات في الحمام، تلك تغسل يدها، وأخرى تنتظر دورها.
لم أعبأ.
نظرت إلى نفسي في المرآة الكبيرة.
حدقت في صورتي.
فتاة ترتدي حجاباً وبالطو.
وجهها متجهم.

نزعت الحجاب. أمسكت بشعري، فتحت العقدة المربوطة على رأسي، وتركت شعري يزغرد في تموجه.
تحولت إلى البالطو، يدي تفتح ازراره بسرعة، بعجلة.
خلعته. ووقفت بدونه، بقميص وبنطلون جينز.

امسكت بالحجاب، والبالطو، وضَممتهما معاً، ككرة كبيرة، ونظرت إلى سلة القمامة، وبقوة صارمة، بغضب حارق لم أعرف أنه موجود إلا في تلك اللحظة، رميت بهِما معاً في سلة القمامة. لو بيدي لحَرقتهما معاً في تلك اللحظة.
رميت بهِما معاً في سلة القمامة.

وتنفست بقوة.
وجهي الآن كان يبتسم.

لم استغرب مما فعلته.
لكني انتبهت إلى غضبي.
وأدركت أن "قراري بإرتداء الحجاب" لم يكن قراراً حراً.
أية إرادة تلك التي تغصبك على إرتداء ما لاتريد؟
تقول لك أن جسدك نجس وعار؟

خرجت من الحمام في مطار فرانكفورت،

فتاة بدون حجاب، بدون بالطو.
شعرها يتنفس حراً، كما يريد.

لا تخنقه بدعوى الفضيلة.
لا تخفيه بدعوى الدين.
ثم لا تخجل منه بدعوى التقاليد.
تمشى بشعرها، وهي تريد.


إذن هذه قصة حقيقية.
حدثت لي.
اذكر وقائعها جيداً.
لم أنساها إلى يومنا هذا.
لها مغزى، ولها معنى، وأن جفل البعض منها.
ولذا، فإن تسَببْت في إزعاجَكما، رَجوتكما المعذرة.