معالجة العرب بالاستسلام (3) -مَرْحَلة - الإستسلام على مراحل وختم ترامب

فتحي علي رشيد
2017 / 12 / 22

نستطيع أن نشبه الصدمة التي أحدثها قرار ترامب الأخير الاعتراف بالقدس عاصمة لما تسمى دولة "إسرائيل" بهزة ارتدادية نتجت عن الهزة الأساسية التي أحدثها اعتراف ترومان "بإسرائيل " (1). وأن نشبه الدمار الذي ستحدثه على الأرض بأنه لن يكون أقل عن الدمار الذي أحدثه زلزال عام 1948 .لأسباب سوف تتضح لنا من خلال البحث .
كما يمكننا القول أيضا استنادا لما حدث في التاريخ "بأن ردات فعل العرب على هذه الصدمة لن تكون أقوى من ردات فعلهم على الصدمات الكثيرة التي حلت بهم عبر التاريخ , وآخرها صدمة النكبة (قيام إسرائيل وتهجير الفلسطينيين من أرضهم ),وصدمة عام 1967 ( هزيمة حزيران )وصدمة عام 1982 ( غزو لبنان وإخراج المقاومة الفلسطينية منه وتشتيتها ). وبأنها لن تغير في المسار المأساوي الذي مازال يستهدف الأمة العربية .(على الأقل على المدى القريب والمتوسط , وليس البعيد ) .
فإذا كانت اجتماعات حكومات الدول العربية والإسلامية ومجلس الأمن والجمعية العامة وقراراتهم جميعا لم تغير في الماضي شيئا مما حصل ,على إثر النكبة , فهي لن تغير اليوم شيئا مما حصل بعد صدمة ترامب .ولأن الأمورفي نظرنا لاترتبط بالأقوال والاجتماعات والخطابات والقرارات ,بل بالأفعال الجارية على أرض الواقع .حتى الهبات الشعبية لن تغير شيئا طالما أنها تتم تحت سيطرة الأنظمة والحكام الحاليين .
ونحن إذ نُذكر بما حصل خلال السنوات السبعين الماضية , ونربطه بما يحصل اليوم , فليس لبث روح اليأس والقنوط , بل لإيقاظ الوعي الوطني والقومي الثوري , بما حصل ,وبما يحصل وسيحصل . فربما يكون تذكر ماحصل سابقا , يجعلنا أقدر على الاستفادة من تجارب ودروس الماضي المؤلمة .وربما قد تساعدنا على إفشال ماجرى اليوم وما جرى منذ سبعين عاما .وربما تمكننا من تغييرمسار الأحداث في منطقتنا بما قد يؤدي إلى نسف كل ما أنجزه الصهاينة وحماتهم وأدواتهم منذ مئتي سنة وحتى اليوم , وما سوف ينجزوه .
محاولات الإعتراف بإسرائيل :
من المؤسف أن نقول أن الحكام العرب على الرغم من الهزيمة المنكرة التي لحقت بجيوشهم ,والتي نتجت عنها مأساة فلسطين .وعلى الرغم من المشاهد المؤلمة لمئات الآلاف من الفلسطينيين المشردين هائمين على وجوههم , لا يلوون على شيئ . سارعوا إلى الاعتراف بالأمر الواقع ,وإقناع شعوبهم بابتلاع ماحصل. إذ لم يمض أكثر من شهرواحد على النكبة ,حتى جلس القادة العسكريون العرب والإسرائيليين في "رودس " لإبرام اتفاقيات الهدنة الدائمة , ولترسيم الحدود بين كلا من مصر والأردن وسوريا ولبنان ودولة إسرائيل .( الترسيم يعني رسم وتحديد حدود المناطق التي احتلتها العصابات الصهيونية على الورق والتوقيع عليهامن خلال اتفاقات مكتوبة )
في تلك السنة ( عام 1949 ) قام حسني الزعيم بانقلاب عسكري في سوريا , سعى من خلاله رئيس وزراءه محسن البرازي الاتصال بالصهاينة من خلال سفارة الولايات المتحدة بدمشق , بما يمكن حكومته الاستفادة من عائدات مشاريع تمديد خطوط النفط عبر الأراضي السورية , ( التابلاين وآرامكو ) مقابل الاعتراف بإسرائيل . (2 ). الأمر ذاته جرى في الأردن ( عن طريق رئيس وزرائها توفيق أبو الهدى )ومصر ( عن طريق رئيس وزائها النقراش باشا ) للإعتراف باسرائيل . لكن قيام الأخوان المسلمون في مصر( أو هكذا أشيع ) باغتيال النقراشي باشا ,وما تلا ه من انقلاب قام به سامي الحناوي أطاح بحسني الزعيم , ثم عملية اغتيال الملك عبد الله ملك الأردن عام 1950 . وهكذا تبين لأمريكا وبريطانيا ومن خلفهما الحركة الصهيونية , ومن أمامهما القيادات العربية . أن تمرير عملية الاعتراف باسرائيل على الشعوب العربية , لن تمر بتلك البساطة التي يتصورونها .لذلك كان لابد من القيام بأعمال أخرى تجعل الشعوب العربية ترضخ وتسلم بالأمرالواقع . وبما ربما يجعل نخبهم ترضخ وتدرك أن لاأمل لهم في تغيير الواقع القائم , فقامت إسرائيل بعدة اعتداءات على سوريا ولبنان والأردن ومصركان آخرها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 , إلا أن ذلك لم يجد نفعا , عندها تقرر إلحاق هزيمة فادحة جدا بالجيوش العربية كلها بما فيها المقاومة الفلسطينيية (الناشئة حديثا عام 1965 ) وهكذا تمت هزيمة حزيران في عام 1967 , وصدر القرار 242 القاضي بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها إسرائيل مقابل سلام تقيمه تلك الدول مع إسرائيل . بمعنى أن يتم استنادا لذاك القرار ( الناتج عن احتلال إسرائيل لثلاثة أضعاف فلسطين ) اعتراف الدول العربية بإسرائيل مقابل إعادة أراضي احتلت عام 1967 وحل عادل لقضية اللاجئين .
بما يفهم منه أن الاعتراف بإسرائيل الذي لم يتحقق عام 1949 أو عام 1950 ,بسبب رفض الشعوب العربية ونخبها الوطنية , سوف يفرض عليها عام 1967 بسبب الهزيمة المنكرة , والأهم أن ذلك يجب أن يجري بعد مفاوضات أيضا . فبينما كان الاعتراف عام 1950 ممكنا مع تقديم مساعدات مالية وإقامة مشاريع تنموية للبلدان العربية , فلقد أضيف يومها ـ في القرار ـ إلى الاعتراف بإسرائيل من خلال مفاوضات تؤدي إلى خلق الثقة بين الأطراف المتفاوضة , وإنهاء حالة الحرب وإزالة روح العداء والكراهية , تتوج بعمليات فتح للحدود وتبادل للسفراء وعمليات تطبيع ثقافي وسياسي تتيح للتجار والصناعيين الإسرائيليين العمل في البلدان العربية بحرية تامة , لابل مع إعطائهم أفضلية وميزات خاصة .
الالتفاف على فكرة التحرير :
طبعا كان هذا الأمر واضحا للنخب والشعب العربية كما كان واضحا للحكام العرب , الذين كادوا يوافقون على القرار في قمة الخرطوم , لولا أن السيد أحمد الشقيري رئيس منظمة التحرير يومها , هدد بالاستقالة وفضح الحكام العرب , وهو ماجعله يقول ردا على تخاذلهم جملته المشهورة :
"ماذا أفعل مع رئيس خائن ( يقصد عبد الناصر ) وملك خائن ( يقصد الملك حسين ) ."
مما أرغم الملوك والرؤساء العرب لأن يخرجوا على الأمة ببيان جاء فيه لطمأنة شعوبهم " لامفاوضات لاإعتراف , لاسلام مع إسرائيل " , للإلتفاف عليه ولإلغاء وشطب شعار التحرير الذي رفعوه طيلة السنوات السابقة .لكن بما أن رفض المفاوضات لم يكن إلا مجرد كلام للاستهلاك المحلي والداخلي , في الوقت الذي كانت تجري فيه الاتصالات مع أمريكا ( كما هي العادة وكما هو الآن ) فلقد أعلن السيد أحمد الشقيري عام 1968 استقالته من رئاسة منظمة التحرير.
وهناك تأكيدات تشير إلى أنه أرغم على تقديم استقالته بسبب رفضه القرار والسير بما أطلق عليه يومها " مسيرة التسوية " . ليأتوا برئيس جديد للمنظمة , رئيس يوافق على ما نص عليه القرار 242 ويعمل بالتوافق معهم لتسوية سياسية للقضية .فتسلم يحيى حمودة رئاسة المنظمة لمدة ستة أشهر فقط ثم لم يلبثوا أن عينوا ياسر عرفات رئاسة المنظمة وقيادة الشعب الفلسطيني ليقوم بتنفيذ تلك المهمة الصعبة .
وبالفعل لم تمض سوى سنة واحدة الا وتم تبني قيادة منظمة التحرير في المجلس الوطني الفلسطيني الثامن المنعقد في القاهرةعام 1969 , إدراج فكرة الدولة العلمانية الديمقراطية (دون إلغاء مباشر لفكرة التحرير, الواردة في الميثاق الوطني الفلسطيني ) بل أُبقي على فكرة التحريروجرى الجمع بينها وبين فكرة الدولة الديمقراطية كخطوة أولى أو كخطوة تمهيدية , بما يجعل الرأي العام العربي والفلسطيني يألف سماع ويتقبل فكرة الدولة الديمقراطية ( الرائعة ) وينسى فكرة تحرير فلسطين ,أو يتهيأ لشطب فكرة التحرير لاحقا.

وبالفعل هذا ماجرى بعد أربع سنوات من خلال المجلس الوطني الفلسطيني الثاني عشر الذي عقد في دمشق عام 1974حيث تمت الموافقةعلى بيان النقاط العشر, أو ما يسمى ب "البرنامج المرحلي " . وكان ذلك مقدمة رسمية وعلنية لإلغاء فكرة التحرير من قبل ممثلي الشعب الفلسطيني ( المعينين من قبل الأنظمة حيث لم تجرمطلقا انتخابات لاختيار أي من أعضاء المجلس ) .
وهذا ما تحقق فعلا في ما يسمى المجلس الوطني الفلسطيني (رقم 19) الذي عقد في الجزائر عام 1988 تحت قيادة "ياسر عرفات " وبمباركة الزعيم هواري بومدين .
ثم بمباركة جميع القادة والزعماء العرب في ذات العام . (في القمة التي عقدت في مدينة الرباط المغربية ).ثم تم في المجلس الوطني ( رقم 22 ) الذي حضره كلنتون عام 1996 شطب بندين من الميثاق الوطني الفلسطيني، شعار التحريروالكفاح المسلح رسميا .
الولوج في عملية التسوية التاريخية :
لم يكن من السهل على كثير من الشعوب العربية والفلسطينية ,ونخبها ابتلاع أوهضم وجود هذا الكيان الغريب في خاصرتهم ؟ ومن المؤكد أن ذلك لن يحصل لا اليوم ولاغدا.كما لايمكن تقبل أوامتصاص الصدمات التي أحدثها قيام هذه الدولة وما أحدثتها من تغييرات انعكست سلباً على مجمل أوضاع شعوب المنطقة , بسهولة, ومهما طال الزمن كون ذلك يشكل تهديدا وجوديا دائما ومباشرا للأمة العربية كلها ,وعلى المستويات كافة وعلى المدى القريب والمتوسط والبعيد ( كما سنبين لاحقا ) . لذا فلقد عمل الصهاينة والحاخامات والمصرفيين اليهود , بدعم من حلفائهم وأعدائهم على السواء, الأوربيين والأمريكان والروس والترك , وعملائهم العرب على القيام بمحاولات عدة وطرح مشاريع كثيرة (من خلال لجنة التوفيق الدولية والأمم المتحدة , مثل مشروع روجرز و, وإلخ ) لكن لم يكتب النجاح لأي منها .وهنا استخدمت الحركة الصهيونية أكبر العقول وأشدها خبثا ودهاء من أجل الالتفاف على هذا الرفض العربي بما يجعل ليس الحكام بل النخب والشعوب العربية تتقبل وجود هذا الكيان الغريب وهم يضحكون .وهو بالضبط الأسلوب الذي اتبعه وكشف عنه الصهيوني البارز مدير السي آي إيه ورئيس مجلس الأمن القومي الأمريكي " هنري كسينجر " عام 1974 , وبالسياسة التي سماها وأطلق عليها سياسة " الخطوة خطوة " .
والتي أشبهها بزيادة جرعة "حقنة " المخدرأو المنوم التي يقدمها الطبيب النفسي للإنسان السليم(لغسل دماغه ) تدريجيا بما يجعله يُنًوم , وينسى ماضيه ومبادئه ويصبح جاهزا لتبنى وتقبل أفكارا ومبادئ جديدة يجري حقنه بها من قبل نخب خاصة مدربة ,وأيضا تدريجيا وعلى مراحل .سياسة الخطوة خطوة :
تقوم فكرة كسينجر الأساسية على أن أي إعتراف باسرائيل تقوم به الأنظمة بعد هزيمة لن تعتبرها الجماهير العربية خضوعا للعدو واستسلاما له بل خيانة , لذلك فإنه كان يرفض . وهكذا وجد كسينجر ,أنه إذا ما شجعنا العرب على البدء بحرب تحريرية , وجعلناهم يقتنعون بأنهم حققوا نصرا ,فإننا يمكن أن نجعلهم يتقبلون المفاوضات وبالتالي فكرة السلام ( سلام المنتصرين الشجعان) باعتبارهم وظنا منهم أنهم المنتصرون والأقوياء فيقبلون مانقدمه لهم ومارفضوه سابقا وهم يبتسمون ويرفعون شارة النصر .
وهكذا جاءت حرب تشرين ( التحريرية أو التحريكية ) التي انتهت بعد تحرير قناة السويس , باتفاق الكيلو مئة وواحد عام 1973 , ثم باتفاق سيناء عام 1974 الذي توج بزيارة السادات للقدس عام 1977 , والذي ختم باتفاق كامب ديفيد ومصافحة مجرم الحرب رابين .وهكذا على مراحل جرى عام 1978 الاعتراف بإسرائيل وإخراج مصر من ساحة الصراع العربي الصهيوني .
الأسلوب ذاته اتبع مع الفلسطينيين أصحاب الحق الرئيسيين في فلسطين .( لن أستعرض ما حصل منذعام 1882 حتى عام 1994 , ,ولن أفصل فيما حصل بعد ذلك لأن هذا يتطلب بحثا خاصا ) بل أذكر بما تم البدء به عام 1969 من خلال موافقة المجلس الوطني الفلسطيني على الدولة العلمانية الديمقراطية (كما ذكرنا سابقا ). ثم من خلال الموافقة على البرنامج المرحلي عام 1974 ,أي بعدالنصر المزعوم في حرب تشرين .كما لو كانت الموافقة على فكرة إقامة الدولة الفلسطينية على مايمكن تحريره من فلسطين , انتصارا لما تحقق في تشرين ولما قدمه الشعب الفلسطيني من تضحيات جسام .مع اعتبار مايمكن الحصول عليه مجرد خطوة على طريق الكفاح الطويل والمرير ( لاستيعاب من يعارضون فكرة الدويلة ) وذلك بالقول لهم :بأن ذلك سوف يمكننا من الدخول إلى وطننا ( وكأن شعبنا ليس موجودا في الداخل ) ومن ثم الحصول على المزيد بما يمكن القيادة الفلسطينية الفذة والفهلوية , في النهاية من تحقيق هدف التحريرمن دون حرب ووجع رأس . وهكذا أصبح الطريق ممهدا لحضور مؤتمر جنييف عام 1975 ثم للدخول في مفاوضات مطولة سرية مع الصهاينة , تمهيدا لعلنية في باريس ثم في النمسا ثم لقاءات علنية للقائد ( الفذ )ياسر عرفات مع مايسمى اليسار الإسرائيلي ممثلا بالجنرال الإسرائيلي المتقاعد " يوسي بيلين " ثم استنجاد عرفات بالعرب بعد عدوان عام 1982 دون مجيب , ثم الصراخ يا وحدنا , ثم اصدار ما أطلق عليه "القرار الفلسطيني الوطني المستقل " وكأنه لم يكن مستقلا قبل ذلك ؟ بما يتيح الاستقلال لياسر إبرام أي اتفاق , حتى لو كان مع مرتكب مجازر أيلول الأسود ( اتفاق عمان ) .أومع من خان القضية في كامب ديفيد ( من خلال زيارة السادات وفك العزلة عن مصر كامب ديفيد ) . ثم رعاية مستشار النمسا زعيم الاشتراكية الأممية الثانية عام 1988 لمباحثات بين عرفات ودينس روس , ليعلن الرئيس المحبوب للشعب الفلسطيني على إثرها عن استعداده للإعتراف بإسرائيل مقابل اعترافها بمنظمة التحرير . وهكذا تم اعتبار إعتراف إسرائيل بمنظمة التحرير( وليس بفلسطين أو بشعب فلسطين أو بأي حق من حقوقه ) بمثابة انتصار عظيم للنضال الطويل والمرير للشعب الفلسطيني ولقائده الفذ .... , مهد الطريق للنصر العظيم . وبصوت عرفات الهادر من على قمة المجلس الوطني في الجزائر بلد المليون شهيد . تم الإعلان عن قيام دولة فلسطين المستقلة على أرض فلسطين (مع أن الدولة يومها ,لم تقم ولاعلى شبر واحد من فلسطين , بل كانت مجرد صرخة في فضاء القاعة ) وراحت الناس ترفع إشارة النصر ,وترقص في الشوارع وتهتف في الساحات للدولة الفلسطينية التي ستقام على أرض فلسطين . وكأن مجرد الإعلان عن شيئ بالكلام يعني تحققه بالفعل (4).وهو ما مهد الطريق للمشاركة مع القادة العرب ( الذين كانوا سابقا يتهمون بالخيانة وترك الفلسطيننين وحدهم ) في مؤتمر مدريد للسلام عام 1991 على أمل الحصول من خلال المفاوضات التي تم رفضها في مؤتمر الخرطوم ,على الدولة الحلم الذي داعب خيال الفلسطينيين طيلة قرن من الزمان , حلم طال انتظاره تتلهف له القلوب .
وهكذا تم الإعلان في ذلك المؤتمر عن استعداد العرب جميعا ( كل منهم منفردا ) على الاعتراف بإسرائيل وراء شعار خادع (الأرض مقابل السلام ) . انبثقت عنه عدة لجان , وتحت غطاء المؤتمر كانت تجري في الخفاء اتصالات سرية في اوسلو توجت بسلام الشجعان من خلال إبرام اتفاق "غزة وأريحا أولا " ثم اتفاقيات تمت في أوسلو عام 1993 جرى فيها الانتقال من غزة وأريحا أولا إلى إقامة سلطة الحكم الذاتي على مراحل تكتمل بعد خمس سنوات من دخول قيادة منظمة التحرير ( والأصح قيادة فتح ) في المرحلة الأولى تقام السلطة الفلسطينية على مناطق (أ ) أولاً وفي مرحلة ثانية على مناطق (ب ) وبعد خمس سنوات على المناطق المسماة (ج) وهي المناطق الحدودية والتي تبلغ مساحتها ضعف مساحة مناطق أ وب . ومن ثم جرى التوقيع على السلام مع إسرائيل من خلال مجرم الحرب رابين ,في واشنظن برعاية الرئيس الأمريكي كارتر . وهذا ما شجع الملك حسين فورا عام 1994 إلى إبرام اتفاق وادي عربة وإعلان فك ارتباطه بالضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية التي أصبحت تحت ولايته منذ عام 1948 فإذا كان من يمثل الفلسطينييون أصحاب الأرض ويتحث بإسمهم قد وافق على السلام فلماذا لايوافق هو . ولماذا لايوافق غيره أيضا طالما أن أصحاب الأرض وافقوا على السلام مع إسرايئل ؟وهكذا خطوة خطوة ودرجة درجة , راحت كل دولة على حدة تنزل خطوة خطوة (تتنازل عن شروطها وحقوقها ) على درج المفاوضات إلى الأسفل حتى لم يعد لديها ما تتنازل عنه . وهكذا استطاعت كلا من الإدارة الأمريكية والصهاينة جعل العرب جميعا وخلال فترة ثلاثين عاما فقط ( من 1973 إلى 1993 ) يعتبرون السلام مع إسرائيل نصرا , وهكذا أصبح الاعتراف بحقها في الوجود على ما احتلته عام 1948 من أرض فلسطين بما فيها القدس الغربية أمرا منتهيا لايحتاج إلى نقاش إذا كنا سنحصل لقاء هذا التنازل على دولة ستقام على ما يمكن أن تتنازل لنا عنه إسرائيل من خلال المفاوضات ... دون قتال .(4)

فكرة مَرْحلَة الدويلة الفلسطينية :
من المؤكد أن قلة من المواطنين العرب والفلسطينيين أطلعوا على نصوص اتفاقيات أوسلوا( اتفاقيات الحكم الذاتي ) لذلك فهم يظنون أو يعتقدون أو يتوهمون استنادا ما أعلنت عنه قياداتهم : أن مجرد إدخال ( وليس دخول ) قادة إسرئيل لقيادة منظمة التحرير إلى كل من الضفة وغزة , يعني أنهما قد تحولتا فورا إلى مناطق محررة وأنه أصبح لهم دولة وسلطة وطنية . متجاهلين أن شرط وجود أي سلطة وطنية يتطلب السيادة على الأرض التي تتواجد عليها , من كل الجهات برا وبحرا وجوا ( وهذا غير موجود ) وأن يكون للسلطة جيشا قادرا على حمايتها ( وهذا ممنوع .حسب اتفاقيات أوسلوا التي تحدد عدد البنادق وعدد طلقاتها , وكل مايمكن أن يدخل إلى الضفة من مواد من الخارج ) إضافة الى سيطرة إسرائيل على جميع مصادر المياه والطاقة .
فأي سلطة هذه لاتسيطر على مياه شرب أبنائها ولا وسائل إنارة بيوتهم ؟.ومع ذلك فلقد اعتقد كثير من الفلسطينيين والعرب , ومازالوا يتوهمون ,أن هذا الحكم الذاتي وإن كان في ظل الاحتلال إلا أنه سوف يطوره لاحقا ليشمل فلسطين كلها متجاهلين أن الاتفاقيات التي أبرمتها قيادة المنظمة مع إسرائيل ,تجعل السيادة على أرض فلسطين كلها من البروالبحر والجولإسرائيل رسميا , بما يجعل من قيادة المنظمة مجرد إدارة مدنية تعني بشؤون الفلسطيننين الخاضعين للإحتلال من الناحية المعيشية والصحية والتعليم والقضاء . كما يتوجب على شرطتها ورجال أمنها التعاون مع الأمن الاسرائيلي لمنع إي شكل من أشكال المقاومة المسلحة .
والآن لندقق في فكرة إمكانية تطوير الحكم الذاتي إلى دويلة من خلال ماجرى على أرض الواقع في الضفة الغربية والقدس :
مَرْحلة "تهويد "القدس " :
التوسع الاستيطاني على مراحل :
من المؤلم حقا أن نقول أن ماجرى ويجري على أرض الواقع قد جرى على العكس تماما مما كان ومما مازال يحلم به كثير من الفلسطينيين والعرب ويتوقعونه . كانوا يعتقدون أولنقل يتوهمون ويحلمون بأن تتوسع حدود الحكم الذاتي إلى مايشبه الدولة ,إلا أن إسرائيل طبعا كان لها رؤية وأهدافا أخرى من وراء إقامة حكم ذاتي للفلسطينيين .جرى الكشف عنها على الأرض من خلال توسيع المستوطنات ,حيث زاد الاستيطان في الضفة الغربية والقدس أربع مرات مما كان عليه قبل دخول قيادة المنظمة إليهما .وزاد عدد المستوطنين خمس مرات حيث باتوا يشكلون الآن في القدس 60% من عدد السكان( ربع مليون مستوطن في القدس الشرقية فقط ) .وبعد أن وُسٍعتْ مساحة القدس الجديدة سبعين مرة عما كانت عليه عام 1948 . باتت من خلال الجدار الفاصل تفصل الضفة الغربية إلى شطرين . شطرت كل منهما إلى عشرين شطرا من خلال المستوطنات والطرق الالتفافية والمناطق الأمنية .وضمت أبو ديس للقدس بحيث إذا ماأقامت السلطة الفلسطينية عاصمة لها عليها تكون محتواة ضمن القدس الموحدة عاصمة إسرائيل أي في حضنها .كما تم بناء مئات ثم آلاف الوحدات الإستيطانية في الضفة الغربية . 13 مستوطنة منها فقط داخل الحدود الإدارية لمدينة القدس ,وتحيط بالقدس القديمة من كل الجهات .
ونذكر هنا أنها بعد أن أحرقت المسجد الأقصى , بدأت تجري تحته الحفريات مقدمة لهدمه , بحجة البحث عن الهيكل القديم المزعوم .وبعد أن تم تهجير كثير من سكان الضفة والقدس وتجريد سكان القدس من الهوية والاقامة الدائمة , وهدم مئات البيوت وإخلاء قاطني عدد منها بقوة السلاح ..إلخ وبعد أن تم نقل كثير من مؤسسات إسرائيل بما فيه الكنيسيت إلى القدس . وهنا نسأل : إذا كان كل هذا وغيره الكثير , قد جرى تحت سمع وبصر السلطة الفلسطينية والأردن ولجنة القدس والعرب جميعا والمؤتمر الإسلامي العالمي والأمم المتحدة وروسيا وفرنسا واليابان ولجنة حقوق الإنسان . فهذا معناه أن إسرائيل برعاية اللجنة الرباعية ( الشكلية ) ,وبموافقة السلطة الفلسطينية على رعاية أمريكا لعملية السلام , وبما أن الكونغرس كان قد أقر عام 1995 بالإجماع اعتبار القدس عاصمة موحدة لإسرائيل , تحت سمع وبصر السلطة والعرب والمسلمين والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين والعالم كله والأمم المتحدة دون أن يعترض أحدا بشكل جدي على ذلك , نكون نحن وما تسمى السلطة الفلسطينية وكل الحكام والقادة العرب, والعالم كله قد أصبحنا ,(خطوة خطوة ونقلة نقلة ) مهيئين لتقبل أي صدمة يمكن أن يقوم بها هذا الراعي .وضمن هذا السياق العام كان لابد لنا أن نتوقع وأن نتلقى هذه الصدمة التي قام بها ترامب .
صدمة ترامب :
فعندما يعلن ترامب بصفته رئيس أكبر وأقوى دولة ,وبصفتها راعية للسلام بين الطرفين عن أن القدس كلها أصبحت عاصمة لدولة إسرائيل ,فهذا معناه أنه لم يعدهناك للفلسطيننين (ولمحمودعباس ) عاصمة لدولتهم المنشودة , وهكذا عندما لايعود لهم عاصمة حتى في أبوديس ,فهذا معناه أنه لن تكون هناك دولة (فلا توجد دولة دون عاصمة ) .وهذا معناه أن حلم الدولة قد انتهى . والأهم يعني أن حل الدولتين قد انتهى .وأنه لن يكون للفلسطينيين إلا إدارة أمورهم المدنية تحت احتلال دائم .
لاشك أنها صدمة للعرب والفلسطينيين , لكنها ليست أكبر من صدمة زيارة السادات للقدس , وليست أكبر من صدمة التنازل عن 80% من أرض فلسطين التي تضم أكثر من 750 قرية وبلدة ومدينة من ضمنها حيفا ويافا وعكا والناصرة موطن المسيح وصفورية البلدة التي ولدت فيها وعاشت فيها مريم العذراء , ولا من تهميش حق العودة مقدمة للتخلي عنه .
وأخيرا اتوجه للمعترضين اليوم ( فقط ) على قرار ترامب والذين لم يعترضوا على رعاية أمريكا لعملية السلام والمفاوضات منذ البداية ,ولم يعترضوا على تقديم 230 مليون دولار دعم من مستشار ترامب "كوتشنر " للسلطة الفلسطينية .هل يصعب عليهم التنازل عن القدس الشرقية الموسعة؟ (التي لاتزيد مساحتها عن أقل من 2% من أرض فلسطين ؟ )وهل أرض القدس الشرقية وشعبها وتراثها أهم من أرض القدس الغربية وشعبها وتراثها ؟ " وهل القدس كلها بشرقها وغربها أهم أو أقدس من أرض فلسطين التاريخية التي احتلت عام 1948 ؟ وهل يقبل التسعة ملايين لاجئ فلسطيني التنازل عن حقهم في أراضيهم في 90% من فلسطين , أو عن حقهم في العودة إليها إذا ماأقامت السلطة الفلسطينية دويلة على تلك المواصفات التي أتينا على ذكرها , حتى لوتم الإعلان عنها امبراطورية عاصمتها على ماتبقى من القدس الشرقية في أبو ديس ؟ .أسئلة أخرى كثيرة سنجيب عليها لاحقا .
فتحي رشيد
19/ 12 / 2017
(1) (بعد خمس دقائق فقط من الإعلان عن قيام ما تسمى دولة إسرائيل في تل أبيب من قبل بن غوريون , وذلك في منتصف ليل الخامس عشر من أيار في فلسطين عام 1948)
(2) (الأمر ذاته تكرر في عهد أديب الشيشكلي من خلال السفارة الأمريكية والتباحث مع مبعوثها (جونستون ) الذي تقدم عام 1953 بأضخم مشروع يمكن أن يشهده الشرق الأوسط ,(إقامة عدد من السدود والممرات المائية والمشاريع الزراعية والحيوانية للاستفادة من مياه أنهار الحاصباني ودان والوزاني ـ مع نهري الأردن واليرموك ولإقتسام مياههما بين كل من سوريا والأردن ولبنان وإسرائيل , تؤدي إلى عملية تنمية حقيقية واسعة, وتطور من وضع البلدان الثلاث ,كونه كان سوف يشغل ملايين الفلاحين العرب واللاجئين الفلسطينيين , إضافة إلى توطين مايقرب من 300ألف منهم إضافة إلى تحسين أو ضاع شعوب الدول الثلاث
(3) ( وهذابرأي علماء النفس يعكس خللا نفسيا لتلافي ما يحدثه الشعور الدائم بالاضهاد من آلام نفسية حادة )
(4) ولعله من أطرف مايمكن حصوله في تاريخ البشرية . أن يرفع قائد شعب وثورة بعد كل هزيمة تلحق به وبثورته شارة النصر (v) .بعد الخروج من عمان ,وبيروت المحاصرتين ,وبعد الطرد من طرابلس ومن ثم من دمشق , وبعد الاتفاق مع الملك العميل في عمان , وبعد زيارة الخائن السادات في القاهرة وبعد الاعتراف بإسرائيل وبعد الحصار في رام الله ..إلخ حتى بات الشعور بالنصر ورفع إشارة النصر بعد كل ضربة أو تنازل ( أو خازوق ) علامة مميزة وصفة دائمة لكثير من الفلسطينيين يرفعونها بمناسبة أو دون مناسبة .للتعويض عن الهزيمة أوعن الهزائم المتتابعة .