دولةُ الحَيَوان

سامي عبد العال
2017 / 12 / 22

طبعاً مع كامل الاعتذار للحيوانات إزاء صيغة العنوان، فليست لهذه الكائنات دولٌ حتى تُنسب إليها ولكيلا يطاردها ما يترتب عليه من نتائج. فهي تُدرك مكانتَّها جيداً ولا تريد أكثر من الإشباع الحسي ومن إتيان الغرائز حين تستطيع. بجانب ذلك لا تدفع الحيوانات" بعضها البعض" إلى" الولاء والطاعة "عبر حظيرةٍ ديكتاتوريةٍ. أيضاً هي بعيدة عن اللاهوت طالما تمارس حياتّها الطليقة كأفعالٍّ تلقائية. لأنَّها تجهل معنى الأمر والنهي والبيعة والعقد الاجتماعي والأيديولوجيا والفرز العمومي للسلطة. ولو سُئلت عن هذا ستتبرأ مما ينتهي إليه من منازعات تتم بالحوافر والأظافر.

لكن الحيوان الإنساني يعرف ( يتشمم ) جيداً كيف يكون سياسياً. ويتحيَّن الفرصة لإخفاء نوازعه بأشكال خادعةٍ لدرجة التمويه. لعله يرتبط بالموضوع من جانب سياساته العامة (ساس، سائس، يسوس، مسوس، سياسي) كنتيجةٍ لتربية القطيع البشري. وهي تربيةٌ مقصودة وتحمل عنفاً أيديولوجيا مقنناً ضمن الخطاب والأساليب والمؤسسات وأنماط الاعتقاد. إنَّ طقوس الراعي والرعية لا تذهب بعيداً، لا تختفي. إنها تلتصق بتدجين إرادة الإنسان وجسده لمستوى أعلى من الخضوع الميتافيزيقي والسلطوي.

أولاً: يصعُب فصل الإنسان عن حيوانيةٍ ما animalism بإحدى صورها. ولا يعني كونه إنساناً أنْ نهمل كواليسه الحسية الجارية ضمن جوانب السياسة. لأنَّ كل المستويات العليا من الإيمان والاعتقاد والايديولوجيا مشبعةٌ- بدرجات متفاوتة- بطاقة بيولوجية حية. لا يوجد فعلٌّ بمنأى عنها حيث يتشكل بها وتتشكل به. وحيثما توجد هذه الطاقة، يكون هناك تأويل لأوضاعها على الصعيد الزماني والمكاني والحركي. ولا ريب أنّ الإنسان الحي هو البصمة البيولوجية الأولى في أيَّة ممارسة. كما في الانتخابات والإدارة والحوار والنقاش العمومي والتظاهر والمنافسات السياسية.

ثانياً: يجب تعرية الأسس العضوية لبناء الدول ولاسيما الدولة العربية. فليس صحيحاً أنَّ الدولة العربية تنظيماً سياسياً وكفى، ولا هي حياة ديمقراطية طوال الوقت. إنَّها عمل عضوي يومي يتم بالأعصاب والغرائز والصراع اللحمي. كيف يوظف الحكام هذه الشبكة العصبية للجماهير؟ لماذا تهتم الدولة بضبط الإطار الاستهلاكي للغرائز؟ فالدولة تتدخل لفرض الأخلاق والآداب اللحمية خوفاً من تمرد الأجساد والرغبات. وتفرض عزلاً صامتاً لمن يخرج عن الكتل الحسية الشائعة مثل الدعارة أو العلاقات المحرمة أو الأفكار المغايرة للمألوف. وتبدو الدولة قروناً حادة لحيوان كالماموث يحطم إرادة من يقول" لا ". وبالتأكيد تلجأ إلى النطْح المتواصل تجاه الأجساد لإبعاد مواطنيها عما تريد وعما يريدون بالمثل.

ثالثاً: تنعكس الحيوانية على تصرفات مسؤولي الدولة. وقد تظهر تلك المفارقة بعيداً عن المشاهدة لكنها سمة توجد داخل أعماق السلطة. في وضعيات الحشود والمناسبات والخطابات التي تدعو للامتثال وممارسة السيطرة المادية.

رابعاً: وجود طاقة الحيوان لمسؤولي الدولة تسمح بفضاء من التلاعب الذي يرسخ خطوطه العامة. فليست القوانين والدساتير بالنسبة للدول العربية مثلاً هي الضامنة لبقائها. فهناك ضامن بيولوجي من العلاقات الحسية والتناسل القبلي أو العشائري أو الحزبي والمصاهرات العائلية. الدولة في بعض الإمارات والممالك دولة لحمية. وهو ما يعني عجزاً عن التجرد والشفافية التي تضمن بقاء القوانين وفعالية القيم. ولذلك تسند بنية الدولة وتماسكها بلحم الملك كشخصية رمزية فوق كل البشر والأحداث. كما أن وجوده هكذا ينشط ضمن دلالته فكرة الحياة المقدسة التي لا تنالها الظروف والأحوال.

خامساً: ماذا لو كانت أخيلة الحكام ورجال السلطة مجرد رغبات حسية تنال من مواطنيهم. وكأنَّ الدولة تخضع لطفح غرائزي لا يتم دون اللجوء إلى الافتراس والصراع حتى الموت. ما من دولة عربية إلاَّ وقامت على مخزون الاغتيالات للمعارضين والإخفاء القسري والاعتقال والملاحقات الأمنية. حتى أضحت الدولة حيواناً خرافياً يحل بالليل ليطارد فرائسه.

بناءً على ذلك ما لم تُنظف( تُمسح، تفكك) مفاهيم الدولة في بيئات رعوية سرعان ما تتحول إلى حظائر بعناوين مدنية. لأنَّ الأصل الإيكولوجي– المهمل في تفاصيل الحياة- سيظهر مع الممارسات وأشكال الحكم. إن فكرة " العصبية والتوحش" الذي عرضها ابن خلدون في مقدمته كانت قريبة الدلالة لدرجة التطابق مع أصولها المادية. وهو ما يوعز للسلاطين- قديما وراهناً- ببلوغ مستوى الغلبة بمعناها الحيواني. حيث يستعملون كافل الوسائل غير الآدمية لإذلال مواطنيهم وإرغامهم على الإدانة للحُكم القائم. بصرف النظر ما إذا كان مقبولا ومتنوعاً أم لا!!

قِيل في إحدى سرديات الممالك العربية المتصحرة إنَّ مؤسسها الأول لجأ إلى " حيلة الافتراس " حتى يؤكد الغلبة على القبائل الأخرى. حيث جمع شيوخها الأكابر بدعوتهم لوليمة فاخرة ثم غدر بهم وذبحهم واحداً تلو الآخر. وقدم رؤوسهم على ذات المائدة إلى الجيل الثاني من هذه القبائل حتى يقع في قلوبهم الرعب والانهزام. وحينما عرف هؤلاء الأبناء مضمون الرسالة دانوا لمؤسس الدولة بالبيعة منتزعاً إياها انتزاعاً!! وإلاَّ ستكون العاقبة مثل المقدمة وسينتهي مصير الأخيرين كما الأولين... وظلت هذه الدولة جارية إلى الآن تستعمل ذات الوسيلة بشكل غادر سواء مع معارضيها بالداخل أو مع أصدقائها وأعدائها بالخارج. وأنها لا تفهم ما معنى السياسة ولا التنوع الثقافي، بل يتحرك ملوكها ويسجدون بالخوف ليس أقل. عندما يخافون يدينون بدورهم للص الأمريكي مقدِمين له القرابين بأنواعها حيث يقطن بالبيت الأبيض!!

ما الذي جدَّ في عصرنا الراهن حتى ننسى ذلك؟ الجديد أنَّ مظاهر الحداثة وما بعدها تركت معالمها على الأسطح وفوق النوافذ دون أنْ تمس الأعماق. الدولة العربية قشرة حداثية هي - في أفضل حالاتها - صدفة براقة تحت أضواء الشمس حاجبة كما مهولاً من الظلام الدامس داخل العقول والوعي والممارسات!!

في الموروثات العربية هناك قطاع من الفقهاء والأدباء ورجال الحكم اشتغلوا بتلك التربية الاجتماعية السياسية واللاهوتية لحيوانية بشريةٍ ما. سواء من جهة " السياسة الشرعية في أحوال الراعي والرعية " لابن تيمية أم من جهة "إلجام العوام عن علم الكلام" كما ألف أبو حامد الغزالي. حيث كرسا جهدهما بشكل قوي لتدريب القطيع على العبودية. الأول وضع الشريعة في يد السلطان لتفصيل العقيدة بمقاييس السلوك والأفعال اليومية لإدارة الدولة. من أجل ضمان الولاء للحاكم المطلق تحت لافتات الخلافة. وهي ما تعود في مضامينها من خلافة إلهية عتيقة في تاريخ الإنسانية إلى خلافة سياسية على أساس امتلاك الشريعة وتأويلها لصالح الحكم الفرد بتنويعاته الطائفية والمذهبية. والثاني حجب النور عن العقول كي تظل حبيسة اعتقادات شائعة متأقلمة مع نمط السلطة الغالب. وليس أسوأ ممن يمنع أن يناقش الإنسان بحرية كاملة أية قضايا ولو كانت قضايا تتعلق بمصيره اللاهوتي والإيماني. فكيف يتم ذلك من قبل الغزالي بينما لم يحُل الله دون المناقشة مع الشيطان في أدبيات الإسلام؟!

وإذا كانت السياسة فن الممكن، إلاَّ أنَّ الممكن العربي يغلَّف عادةً بحيل ماراً على نطاق واسع. وربما يسمى كذلك باعتباره يأخذ كافة الألوان المتقلبة التي تشبه ألوان الحرباء. لأنَّ أيَّ ممكن في واقع صعب التغيير يجعل الإنسان مهرولاً وراء أدنى رغباته ولو كانت سراباً. فليس لديه بديل.. لم تترك له الأنظمة الحاكمة حياة كريمة ولا حرية ولا فرصاً للازدهار والاكتفاء الذاتي.

ثم جاء العصر الحديث لتفهم الأنظمة السياسية العربية هذه الهرولة - من المواطنين – فقررت الاشتغال على ترويض مواطنيها بما أوتيت من ألاعيب. حتى أنَّ ما يحدث في حظيرة الدولة هو صراع يومي إزاء الخدمات التي هي أقل من الاحتياجات الأولية للحياة. لقد كانت الدولة بهذا المعنى تفريغا للشهوات بالضبط العام لما يريده الأفراد ويستهلكونه. وبالكاد لا يستطيع المواطن تلبية متطلباته. ناهيك عن ضروريات أسرته، ثم الويل كل الويل إذا كانت الأسرة كبيرة. عليه أن يركض ركض الوحوش في البرية ثم لا يناله إلاَّ ما يريد الحكام بنفس هذا المضمون الإلهي في بعض النصوص الشرعية.

هكذا ترتبط الحكاية بتأسيس الدولة على أكتاف القطيع واستمرارها تحت حمايته، حيث تظل حظيرة مفتوحة بحجم نزوات رجال السلطة في مقابل شهوات القطيع. إذ ذاك تصبح طبيعتها ومساراتها رغائبية بالمقام الأول. ليس مصادفة هذه الموائد الخليجية التي تنصب في قصور الأمراء والحكام بينما هناك مواطنين يأكلهم الجوع وينهشهم الفقر. وليس غريباً البذخ والترف والخوض في حُلل ذهبية وسياسات فارغة بإغداق الأموال في كل مكان دون تنمية المجتمعات المحلية بما يحقق السيادة الحرة والإنسانية للدول.

عندما كان يأتي رؤساء أمريكا: ترامب وأوباما وجورج بوش الابن والأب إلى محميات العرب، كانوا يغرفون من خزائن الخليج كلٌّ بطريقته الخاصة. لأنّهم يدركون أوضاع هذه المحميات السياسية التي تغدق على زوارها الكاوبوي بالخوف والرجاء. فحروب المنقطة (حربا الخليج الأولى والثانية) كم عملت على تلك الحيوانية المحلية للغزو والخوف والتوريط في الإحداث الإقليمية. ولئن كانت الغرائز هي الأساس في بناء المجتمعات، فهل تضيِّع أمريكا الفرصة بالتخلص من ذئاب المنطقة. سواء أكانوا رؤساء لدول إقليمية أم جماعات عنف أم انقلابات مترصدة أو إغراق المنطقة بحروب طائفية بين دول الخليج وإيران أو بوضع إسرائيل فوق زناد التهديد الإقليمي.

أما بصدد الجمهوريات العربية فبلا منازع هي جمهوريات الفقر. وأرجو أن يعثر لنا القارئ على إحداها - لو بحث سنوات- لم يدخل الفقر كمعادل طريف في تنظيمها السياسي والشهوي معاً. ففي مصر طوال عصري السادات ومبارك وحتى الآن كان الفقر هو المحرك الأول للسياسات. وهو اللاعب الرئيس في الضبط الاجتماعي وتمكين السلطة القائمة من رقاب الإرادة العامة وتشكيل الرأي العام ومن تأكيد الأدوار التي يأخذها العاملين والموظفين واقترابهم من مناطق النفوذ.

حتى قيل – باللهجة الدارجة- إن المواطن المصري " غلبان وشقيان ". الغُلب... أنَّه لا يجد حيلةً ناجعةً للبحث عن فرصٍ للحياة الكريمة. فمن حيث المبدأ تُسد أمامه طُرق السير نحو أهداف بسيطةٍ هي كل ما يرجوه من عمل مشروع تحت سقف القوانين والمؤسسات.

والشقاء معناه أنَّه مهما يفعل ويحتال على الأقدار هروباً من الفقر لا ولن يستطيع. إذن بمجمل الأحوال: لا يوجد مجال لانتعاش غرائزي بشكل مقبول اجتماعياً وسياسياً. وكذلك لن يستطيع ذلك لأنَّ محاولاته ستصبح بائسة بحكم افشال كافة الفرص للعيش الكريم.

كما أن السلطة تعامله على هذا الأساس. فكلما اعتبرته(وضعته) كتلة من اللحم الحي الذي يجوع ويفتقر ويبرد ويعجز ويمرض ويجهل ويشيخ ويموت، استطاعت حكمه بقوة وسهولة في الوقت نفسه. جميع الأنظمة السياسية التي تعاقبت على المصريين كانت تلجأ إلى هذا التصور الحيواني للدولة. وبالمناسبة فإن الثلاثي المنتشر في المجتمع المصري: المرض والجهل والفقر شيء واحد.

المرض .. حيث لا يوجد عمل يتيح للإنسان كسباً وافراً ومن ثم تغذية صحية. كما أنَّ المرض قد يكون من التلاعب بحيوانيته التي هي موطن الفيروسات كتقنية سلطوية وبرعايتها هذه المرة. فعندما يمرض شخص لا يجد علاجاً مناسباً ولا إنفاقاً موازياً لشراسة الأمراض. والجهل بجانب كبير منه يتأتى بسبب ضيق ذات اليد... وبسبب الفكرة المجرَّبة بأنَّ تجهيل العقول فوق الكتل اللحمية تؤدي إلى الانقياد تحت وطأة الظروف. فكما أنَّ الأجساد تعتل ولا تجد مهرباً، فلابد أن تعتل العقول وتصبح مجهلَّة بفعل فاعل. أما الفقر فهو صناعةٌ ثقيلة تستثمر العاملين السابقين لتكريس فقدان الأمل. ونشر ثقافة الرضا بالقليل... لأنَّ هذا القليل من الأقدار الإلهية لا بسبب الممكنات السياسية.

وبنفس الطريقة جاءت الجماعات الإرهابية لتطرح حيوانيتها الخاصة. فقد ركزت بالمقام الأول على القتل والذبح، أي تطبيق الحدود. وهو ما يكشف إثارة الأحاسيس الحيوانية للحكم باسم الدين.لأنَّ إيقاع تلك الأحاسيس هو الوازع الأول لإرادة عامة تحت ما يقال لها " الدولة الإسلامية ". لقد باتت هيمنة الدولة على الأجساد قتلاً وجزاً وتقطيعاً أكبر مساحة مما تطرحه لمعالجة مشكلات الواقع. وهي بذلك تعول على تربية الجثث وتنمية اللحى وترهل الأجساد لضمان بقائها.

ولذلك تبدأ قصة التطرف الديني بالتطرف الجسدي، أي ما يسمونه بالالتزام الديني: سواء بتطويل الجلباب وتقصير البنطال وإظهار علامة الصلاة والخضوع في المشي والتكلم والحركة أم بإعفاء اللحية واستعمال السواك والمشي بطريقة حازمة وصلبة. وهذا بالنسبة للرجال. أما بالنسبة للمرأة فيتم بارتداء النقاب ولبس قفازات اليد السوداء والاتشاح بالسواد الداكن ومحاولة السير دون تساهل أمام النظرات الغريبة...

ولنلاحظ أنَّ تلك المظاهر جميعها مظاهر حسية، توحش التدين الشكلي. وهو ما يعني فرض التنميط اللحمي بفضل الاعتقاد وآدابه. وبالتالي سيكون الموضوع سهلاً لانتشار الأيديولوجيا التي تعتمد على الانقياد تحت قالب الجماعة والتنظيم. كل إيديولوجيا إرهابية لا بد أن تبني على إرهاب حيواني سابق التجهيز.