قدرة روسيا على إدارة ملفات الشرق الأوسط

ناظم الديراوي
2017 / 12 / 22

قدرة روسيا على إدارة ملفات الشرق الأوسط
ناظم الديراوي
تسعى روسيا اليوم إلى استعادة مكانتها كدولة عظمى، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي عام (1991). وتعاظم التدخلات الغربية المباشرة في حقبة التسعينات، التي إتسمعت بتقهقر روسيا وتراجع اقتصادها وسياساتها المحلية والإقليمية والدولية. الأمر الذي كان له أثر كبير في تقييد صلاحياتها ومكانتها كدولة دائمة العضوية في مجلس الأمن. ولم تتحرر البلاد من هذا الوضع المُذل حتى منتصف العقد الماضي، بعد أن تمكنت من تسديد ديون الاتحاد السوفييتي وحكومات الرئيس الأسبق يلتسين التي تجاوزت المائة مليار دولار.
واليوم، في ظل ارتقاء اقتصادي واجتماعي ملحوظ، وارتفاع كفاءة قواتها البرية وأساطيلها الحربية، البحرية والجوية. وتمكنها من تأمين حدودها الشاسعة وحمايتها تماماً، التي تحيط بمساحة تتجاوز سبعة عشر مليون كيلو متر مربع. وتملك حدوداً برية وبحرية مشتركة مع ثمان عشرة دولة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية. وتطل على ثلاثة عشر بحراً ومحيطاً من جهاتها الأربع.
نهج بوتين وثالوث الشر
وبفضل النهج السياسي والاقتصادي شديد المتابعة، الذي سلكه الرئيس بوتين ودائرته الضيقة في سنوات رئاسته الثانية (2004-2008). الذي تميَّز بضرب نفوذ الطغمة المالية الجشعة الممثلة بثالوث الشر المُحابي للصهيونية؛ بوريس بيريزوفسكي وفلاديمير غوسينسكي وميخائيل خودوركوفسكي، التي كادت احتكار مجمل أركان الاقتصادي الروسي والتحكم بمصير البلاد والتصرف بمواردها وثرواتها وكأنها ملك أبدي لشركاتها. التي لم تتوان بدورها عن استخدام العنف والإرهاب ضد منافسيها لتوسيع أملاكها. ودأبت على ممارسة أساليب النصب والاحتيال، وتصفية المعارضين لعمليات خصخصة ثروات وأملاك الشعب الروسي. وتفننت في تهريب مئات المليارات إلى خارج البلاد بطريقة غير قانونية. كل هذا كان يجري بعلم وتهادن الحكومات الروسية الفاسدة، التي تعاقبت إبان إدارة الرئيس بوريس يلتسين الضالعة في الاستحواذ على ثروات البلاد.
وروسيا اليوم تملك كل مقومات النهوض بمسؤولياتها الدولية وفق سياسة براغماتية تحفظ مصالحها الإقليمية والكونية، إذ ما تحركت وبمصداقية مع شركائها في الشرق الإسلامي القادرين، إن وجدوا حليفاً وثيقاً كحلفاء خصومهم، أن يدخلوا روسيا وبمرونة ويسر إلى موارد وثروات الشرق الأوسط وقضاياه الجيو- سياسية، ذات التأثير المباشر على مصالحها ومطامحها القومية في البحر الأسود وقزوين والشرق الأوسط عموماً. وربما ستنعم روسيا وشركاؤها ومنافسوها في استثمار تقنياتها وكفاءاتها العالية وخبراتها المتراكمة في اكتشاف ثروات المنطقة واستنهاضها وتحديث اقتصاداتها، وعزل مجتمعاتها عن وباء التطرف والإرهاب والعدوان، وتجفيف منابعه التي تُروى من فقر وجهل شبيبتها وتقوقعها في ظلام التطرف الديني والعرقي، رغم ثروات بلدانها الهائلة.
الإرادة السياسية والابتزاز الأمريكي- الصهيوني
ويبقى تنفيذ تلك السياسات الملحة والمُجدية مرتبطاً بالإرادة السياسية والروحية للقيادة الروسية، ورغبتها العميقة في تحريك الملفات الإقليمية العالقة منذُ عقود مديدة، وأبرزها الصراع العربي-الإسرائيلي، التي تسمم منذ عقود طويلة العلاقات الدولية وتعيق التعاون المثمر بين الشرق العربي والإسلامي والغرب. ولا نعتقد أن القيادة الروسية قادرة اليوم على النهوض بهذه المهام المعقدة، إنْ لم تعهد بهذه الملفات، المُسندة بقرارات مجلس الأمن الدولي وجمعية الأمم المتحدة، لمسؤولين روس ذوي كفاءات عالية ومتحررين تماماً من عبء النفوذ والضغط والابتزاز الأمريكي- الإسرائيلي، الذي يُسلط، ومنذ العصر السوفييتي، على كل من يسلك سياسة معتدلة منسجمة مع الشرائع والأعراف الدولية ومصالح شعوب المنطقة. وإلى اليوم يبدو أن مثل هذا الحل لا يوائم ولا يتناغم مع تلك السياسات غير العادلة والمُضللة التي تسود العلاقات الدولية وتتحكم بها! والتي أصبحت رهينة افتراءات تاريخية وبهتان عنصري باطل، زُيّنَ بأوهام بالية سوقها الإرهاب الرسمي الأمريكي- الإسرائلي الممول من دول عربية وأوروبية لم يكن بوسعها مقاومة إبتزاز رعاة الإرهاب الدولي، الذي غدا مصدراً هاماً لاقتصاد الولاياة المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني. ولعل العالم أجمع كان شاهداً، وبعض منه مشاركاً في العقود الأخيرة، على طغيان الإرهاب الأمريكي- الإسرائلي، ومسؤوليته عن إبادة ملايين البشر وتشريدهم من بلدانهم والاستحواذ على مواردهم وثرواتهم الطبيعية وإرثهم الحضاري، وربما لأنهم من جنس ودين أخر!
موازين القوى و ( وكر الفأر)!
وأعتقد أن موازين القوى الإقليميىة والدولية في منطقة الشرق الأوسط باتت اليوم أكثر موائمة لتحرك روسي حذر وغير تقليدي. يهدف إلى حسم معيار التعامل البعيد الأمد مع مَنْ ترى روسيا فيه مواصفات الشريك الموثوق في تعزيز وتوسيع مصالحها وشركائها في الشرق الإسلامي. بعد نجاح تجربة تحالفاتها، ذات التوجهات المتشعبة والأهداف المتشابكة، في حربها وحلفائها على الإرهاب الدولي في سوريا والعراق. تلك التجربة التي لم تعرف لها السياسة الروسية المعاصرة في الشرق الأوسط مثيلاً، مُنذُ تدخل عمارات الأُسطول البحري القيصري، إبان حكم القيصر نيقولاي الأول (1825-1855)، لانقاذ السلطنة العثمانية من خطر الانهيار على يد والي مصر المصلح محمد علي باشا.
ما من شك أن الأوضاع السياسية والأمنية في الشرق الإسلامي معقدة للغاية وحجم التدخلات الدولية في شؤونه الداخلية عظيم وتأثيراته خطيرة. غير أنّنا نعتقد أيضاً أنّها ليست بالقدر الذي كانت عليه الأوضاع في سورية والعراق، قُبيل التدخل الروسي العسكري والسياسي. ولهذا نرى أن روسيا قادرة اليوم على النهوض بدور أعظم وأنجع، لتحتل موقعاً أكبر في مجمل الاستراتيجيات والمشاريع الدولية في الشرق الإسلامي. إذ أنّها تضم بين سكانها أكثر من عشرين مليون مواطن مسلم، وتشترك في حدود برية وبحرية مع ست دول إسلامية كبيرة في آسيا الوسطى والقفقاز والشرق الأوسط؛ (كازاحستان وتاجاكستان وتركمانستان وأذربيجان وتركيا وإيران). ثُمَّ ومنذُ متى كان الوضع في الشرق الإسلامي ليس خطيراً ومعقداً؟ ولربما في هذا يكمن أحد أسباب وتغلغل الدول العظمى في منطقة الشرق الإسلامي وسعيها على مدى التاريخ إلى السيطرة على موارده وثرواته! أَ وهل كان الإمبراطور نابليون بونابرت على حق عندما قال، وهو يجهز حملته العسكرية لاحتلال مصر وبلاد الشام (1798-1801)، ( لا يحكم الشرق إلا العظماء)! ولم يأنف من وصف قارته، أوروبا، بأنها؛ ( ليست سوى وكر فأر)!
الاستبداد والإرهاب والوعد الرَّبَّاني!
ويُعلم تاريخ البشر أن لا مكان للقيم العادلة التي تضبط العلاقات الدولية وتحكمها إن اِسْتلّتْ مُثلها من ثقافة أثنية متزمتة أو دولة مستبدة لا ترى في تعاملها مع الطرف الآخر إلا مصالحها الضيقة. وكل من لا يخضع لهذه الإملاءات المجحفة،يرمى بتهمة الإرهاب ويتم شيطنته ويجري إجتثاثه بالنار والحديد من على سطح المعمورة. هذا الجور الطاغي في تعامل أمريكا والكيان الصهيوني وحلفائهما مع الدول غير القادرة على مواجهتهما، لا يقتصر على المجال السياسي- الاقتصادي، إنّما يقبض على منظومة الثقافة والعلوم والمعارف. ويتعداها إلى مجمل الأعراق والأديان، التي أُخضعت لنظام دولي جديد أقرب إلى الانتداب والوصاية! يُديره حلف متكبر ذو توجهات مشبوهة ومصالح متشابكة مع ذاك الموغل، من قمة الرأس إلى أخمص القدم، في الجشع والإرهاب. والذي يؤمن بحق أتباعه المشروع في الاستحواذ على ثروات الغير وأملاكه والتصرف بها كوعد رباني! ولأجل هذا أُقيم كيان ارهابي مستقل في منطقة الشرق الأوسط، لا يتورع من حماية المجرمين الفارين من أحكام بلدانهم والمحاكم الدولية! فإن كانت تلك القيم غير العادلة هي التي تُسيّر الشؤون الدولية إلى حد كبير! فهل يمكن الاقرار بأن العلاقات الدولية تجري وفق تلك اللوائح والقوانين المصادق عليها من قبل تلك الدول التي لا تكف عادة، وبلا حياء، من إعطاء الناس دروساً فجة في احترام بنود القانون الدولي، وحقوق الإنسان التي تخرق كل يوم خارج محيطها الجغرافي بإرادة أجهزتها الحكومية وعملائها الإقليميين؟