أغراض سياسة السرد

زهير الخويلدي
2017 / 12 / 21

" الحكمة ذاتها وجميع إحساسات النفس حكاية حقيقية بقدر الإمكان"1

لقد دل السرد من الناحية اللغوية على التتابع والانتظام وتقدم شيء على شيء آخر ضمن السياق الجيد، لكنه من الناحية الاصطلاحية ارتبط بالنقد القصصي وأشار إلى نموذج الضمير المتكلم ولقائه مع الغريب ويشتمل على التجاوز في الرواية ويطرح إشكالية العلاقة بين الحلم واليقظة وبين المتخيل والواقعي. من ناحية أولى السرد يفيد معنى الإخبار عن حدث وذلك بحكاية خبر سواء من ابتكار الخيال أو من صميم الواقع وفق ترتيب معلوم وضمن تتابع منتظم.
من ناحية ثانية لقد تبين أن السرد لا يقتصر في دلالته على المعنى المصدري وإنما يتعدى ذلك إلى فعل القص والأسلوب الذي يؤدي به هذا العمل. على هذا النحو يعتمد السرد على طريقة تروى بها القصة عبر قناة تحرص على الواصل بين الباث والمتقبل وتتأثر بجملة من الظروف قسم منها متعلق بالراوي والمتلقي وقسم آخر متعلق بالقصة نفسها.
من المعلوم أن السرد بضمير المتكلم الذي ينتشر كثيرا في القصص القصيرة يعتمد تقنية حجر الزاوية ووجهة النظر ويرصد البؤر التي تتضمنها القصة ويقوم بوظيفة التبئير من أجل ممارسة النقد والتأثير.
ما الذي يبرر اعتماد المؤلف ضمير المتكلم عند تأطير تجربته السردية؟
يستعمل الأديب الحقيقي ضمير المتكلم من حيث هي تقنية سردية من أجل بلورة عمله الإبداعي وينطلق من عبقريته الفردية ومن العوامل الثقافية والاجتماعية التي تحدد نوعية الرؤية التي يحملها ويبثها في تجربته إبداعه وتترك تأثير خاص في نفسية القارئ ويسعى إلى تحقيق انطباع معين في وجدان المتلقي.
يجعل الأديب الحقيقي من ضمير المتكلم مرتكز قصته والصوت الذي يختبئ خلفه الكاتب لكي يمرر انتمائه الثقافي وموقفه الفكري ويعتمد على السارد بوصفه ناطق باسم الكينونة ومرتكزا للعالم بأسره لنقل مشاعره وتأملاته وطبيعة رؤيته للكون ويجعل منه مصدر الوحدة وسط تشتت التجارب وتناثر الجزئيات.
يتضمن السرد بضمير المتكلم الشهادة تطابقا بين مضمون القصة وأحداثها وما تعيشه الشخصية من تجارب متنوعة ومتفاوتة ويقوم بتغييب الآخرين ويجعل المتلقي على مقربة من الراوي ويتبادل الإحساس المباشر معه ويعينه على تجميع شظاياه وشذراته المتفرقة في وحدة يمكن أن تساعد على التقدم إلى الأمام.
يمكن تطبيق التنويع الأسلوبي على فن السرد باستبدال المضير المتكلم بالضمير الغائب وجعل السارد ينتقل من حال الظهور العلني إلى وضع التكتم ويتم الاستعانة بسارد عليم بوضعها مكان سارد مبتدئ.
ليست مهمة السرد الذي يعتمد ضمير المتكلم ترسيخ القيم والأخلاق عن طريق الوعظ والإرشاد والتلقين بالاعتماد على التبسيط الظاهري وبالبداهة السطحية وإنما ينقل المشاعر والتأملات بجذابية الإقناع الفني.
" وحينئذ ينبغي أن تتوفر ثلاثة أشياء في التربية الموسيقية، اولا: اجتناب كل إفراط قم تحمل ماهو ممكن ثم ماهو لائق"2 . لكن ماهي أفضل التمرينات السردية القابلة لأن تصنع العدد الكبير من الفاعلين للخير؟
الإحالات والهوامش:
[1] أرسطو، كتاب السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، طبعة 2009،ص314.
[2] أرسطو، كتاب السياسة، نفس المصدر، ص325.

المصدر:
أرسطو، كتاب السياسة، ترجمة أحمد لطفي السيد، منشورات الجمل، بغداد، طبعة 2009،

كاتب فلسفي