جدل القوة والحق (6 ) تحقق الوعد : بنو اسرائيل يرثون مصر بعد فرعون

أحمد صبحى منصور
2017 / 12 / 21

جدل القوة والحق (6 ) تحقق الوعد : بنو اسرائيل يرثون مصر بعد فرعون
مقدمة : قصة موسى وفرعون تحقق فيها وعدان من الله جل وعلا :
1 ـ الوعد الأول لأم موسى ، حين كان فرعون يذبح أطفال بنى اسرائيل فأوحى الله جل وعلا اليها أن ترضع وليدها موسى فإذا خافت عليه فلتقه فى النيل ، وألا تخاف والا تحزن لأن الله جل وعلا سيرده الى صدرها ترضعه فى حماية الفرعون نفسه . وهذا ما تحقق . قال جل وعلا : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (8) وَقَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغاً إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (12) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) القصص ). هنا يقول جل وعلا عن وعده : (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ). أكثر الناس لا يعلمون أن وعده جل وعلا هو الحق .
2 ـ الوعد الثانى جاءت الاشارة اليه مقدما فى نفس السورة فى قوله جل وعلا : ( نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص ).
3 ـ الحديث هنا هو بالقصص الحق لقوم يؤمنون ، أى قوم يعتبرون ، وفى قصة موسى وفرعون الكثير من العبر التى لم يتعظ بها من يزعم الايمان بالقرآن . ومنها أن فرعون إختار وشاء بكامل إرادته أن يستبد فى الأرض وأن يذبح الأطفال الأبرياء وأن يزعم الالوهية والربوبية تدعيما لسلطانه السياسى فحاق به مكره ، وتحقق فيه وعد الله جل وعلا .
4 ـ ونعطى بعض التفصيلات :
أولا : وعد إستخلاف بنى اسرائيل فى مصر بعد فرعون :
1 ـ كان من سُنّة الله جل وعلا فى التعامل مع الأمم السابقة إهلاك الكافرين ونجاة الرسول والذين آمنوا معه ، قال جل وعلا : ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانتَقَمْنَا مِنْ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47) الروم ) ( ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقّاً عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103) يونس ). حدث هذا مع قوم نوح واستمر الى أن كان فرعون وقومه ودولته آخر المُهلكين .
2 ـ لم يكن المطلوب من فرعون إلا أن يسمح لبنى اسرائيل بالخروج من مصر مع موسى . فرعون كان يضطهدهم ويريد القضاء عليهم وبالتالى يكون منتظرا أن يوافق على خروجهم ليستريح منهم . ولكن فرعون رفض لأنه كان محتاجا لبقاء بنى اسرائيل فى مصر ليستمر فى تعذيبهم ـ وهم أقلية حتى يرعب ويرهب الأكثرية من المصريين الذين سخرهم فى الزراعة وفى الصناعة . فرعون كما قال جل وعلا عن سياسته مع أهل مصر ( وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ )، يعذب طائفة من أهل مصر ـ وهم بنو اسرائيل ـ ليرهب الباقين ، أى هو أستاذ سياسة ( فرّق تسُد ّ ).
3 ـ تمسك فرعون بالرفض وعاند برغم الآيات التى رآها من عصا موسى ، وبرغم العقوبات التى نزلت به وبقومه ، بل بالغ فى اضطهاد بنى اسرائيل فى وجود موسى بينهم ليجعلهم يفقدون الثقة فى موسى مخلّصا لهم ، أى يجعلهم لا يؤمنون له ، هلعا من فرعون ووجواسيسه التى تتغلغل داخل بنى اسرائيل ، وكان منهم اسرائيليون يعملون لصالح الفرعون .
4 ـ إشتكى بنو اسرائيل لموسى معاناتهم من إضطهاد فرعون قبل وبعد مجىء موسى ، فنصحهم بالصبر والتوكل على الله جل وعلا عسى أن يهلك عدوهم ويستخلفهم مكانه فى أرض مصر:( قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) الاعراف ). كان صعبا تصديق هذا بينما هم تحت آلة الاضطهاد الفرعونى ، لذا لم يثق معظمهم بموسى ( لم يؤمنوا له ) . قال جل وعلا : ( فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنْ الْمُسْرِفِينَ (83) يونس )
5 ـ بدأت الخطوة العملية الأولى فى تحقيق الوعد بإهلاك فرعون ونظام حكمه ، دعا موسى قومه بالإخلاص فى التوكل على الله جل وعلا إن كانوا فعلا مسلمين له جل وعلا : ( وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) يونس ). وردوا بالتوكل على الله جل وعلا والدعاء بألّا يجعلهم رب العزة ضحية للفتنة ـ الاضطهاد ـ من القوم الكافرين الظالمين : ( فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنْ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) يونس ) . لاحظ هنا أن الكفر والظلم مترادفان .
6 ـ ثم كانت الخطة العملية الثانية فى أن يتفرّغ بنو اسرائيل للعبادة والصلاة فى بيوت خاصة بمصر ، يبتهلون فيها لرب العزة جل وعلا أن ينجيهم من عسف فرعون . ، قال جل وعلا : ( وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّأَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرْ الْمُؤْمِنِينَ (87) يونس ).
7 ـ ثم كان دعاء موسى ومعه هارون رب العزة على فرعون وقومه . قال جل وعلا : ( وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ (88) يونس ) . دعوة موسى هنا بتجريد فرعون وملئه من الكنوز والأموال وأن يروا العذاب الأليم . فقد كفروا بنعمة الله واستخدموها فى الاضلال عن سبيل الله جل وعلا . أليس هذا هو ما يحدث الآن من المستبد العربى الخليجى بالذات ؟ ولهذا تتكرر قصة فرعون لتكون عليهم حُجّة .
8 ـ وإستجاب الله جل وعلا دعاءهما : ( قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلا تَتَّبِعَانِ سَبِيلَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (89) يونس ). الاستجابة هنا مقرونة بأمرهما بالاستقامة ونهيهما عن إتباع سبيل الذين لا يعلمون . أى كان هناك من قومهما من سيظهر صاحب نفوذ بعد هلاك فرعون ، ويسير فى الضلال .
9 ـ وجاءت الخطوة الأخيرة وهى غرق فرعون وجنده ونظام حكمه وقومه ، قال جل وعلا : (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ (90) أَالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (91) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيراً مِنْ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) يونس ).
10 ـ بعدها بدأ عصر بنى إسرائيل فى حكم مصر ، قال جل وعلا فى الآية التالية : ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمْ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93) يونس )
11 ـ أعطى الله جل وعلا مصر بجناتها وعيونها وثمارها وكنوزها لبنى اسرائيل . هذا معنى قوله جل وعلا : ( وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ) . وقال جل وعلا عن فرعون ونظام حكمه : ( فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (57) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (58) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (59) الشعراء ) ، ( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (25) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (26) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (27) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ (28) الدخان ).
12 ـ وبهذا تحقق الوعد الثانى ، وورث بنو اسرائيل أرض مصر بعد أن إستضعفهم فرعون فى أرض مصر ، قال جل وعلا : ( وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الاعراف ). وهذا ما بدأت به سورة القصص فى قوله جل وعلا : ( نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) القصص ) .
أخيرا : قصة فرعون موسى فى التأريخ للعصر الفرعونى
1 ـ ذكرت التوراة قصة موسى وفرعون ، ثم تكررت فى القرآن الكريم موصوفة بالحق لقوم يؤمنون ( القصص 3 ) جاءت إشارات وتخمينات فى التأريخ لمصر الفرعونية كتبها بعض علماء المصريات . وبعضهم تجاهل الموضوع لأن ما وصلوا اليه من آثار فرعونية لا يوجد من بينها ما هو منسوب لهذا الفرعون . وهم يستقون معلوماتهم من المكتشفات الفرعونية وما هو مسجل من أوراق البردى . هؤلاء علماء يستحقون الاحترام ، فهم يكتبون طبقا للمادة التاريخية المتاحة لديهم حتى هذا الوقت .
2 ـ الذين لا يستحقون الاحترام هم أولئك الذين يقطعون بعدم وجود فرعون موسى وعدم وجود موسى لأنه لم يتم العثور على دليل مادى من الآثار يثبت هذا . ليس هؤلاء بعلماء ولا باحثين ، لأنهم يتصورون أنه قد تم الكشف عن كل الآثار الفرعونية ، وأنه قد تم تنظيمها وفهرستها كما لو كانت فى متحف ، وأنه لم تعد هناك فجوات بين تلك العصور ، ولم يعد هناك جديد يضاف أو جدبد يمكن إستكشافه . تصورهم هذا دليل على جهل فادح .
3 ـ إن العمران المصرى الحالى يرقد فوق طبقات من الآثار ، يعلو بعضها فوق بعض خلال تاريخ بلغ حوالى سبعين قرنا من الحضارة ، نصفه تقريبا قبل توحيد مصر على يد الفرعون مينامارمر من حوالى 3000 سنة قبل الميلاد . لقد بدأ إستقرار المصريين حول النيل وبناء بداية حضارتهم من حوالى 7000 سنة قبل الميلاد ، وبدأ مشوار التعمير والتحضر الى قيام دولتين فى الدلتا ثم فى الصعيد ، ثم توحيدهما فى دولة مركزية ، ولا زالت تلك الدولة الفرعونية قائمة حتى الآن بنفس الاستبداد والفساد والحكم المركزى والدولة العميقة. ظلت محافظة على هذا مع إختلاف الفراعنة من مصريين وغير مصريين ، من حكم مصرى وحكم أجنبى.
4 ـ المكتشف من الآثار المصرية هو نسبة ضئيلة ، والبحث لا يزال جاريا ، وكل حين يتم الكشف عن جديد ، وتتم إضافة معلومات جديدة ، وكل حين يتأكد للباحثين الجادين أن ما يعرفونه من هذا التاريخ المصرى قليل من كثير ، خصوصا وأن الاكتشافات عشوائية ، تأتى مرة من تاريخ الرعامسة وحينا من عصر سابق أو من عصر لاحق حسب الظروف . فى مثل هذا لا يقول أحد بنفى قصة فرعون موسى ، إلا إذا كان خارج دائرة العلم .
5 ـ على أن رب العزة جل وعلا أخبر مقدما بالحقائق التاريخية التى تجعل من الصعب العثور على أدلة مادية ( آثار مادية ) تنتمى الى فرعون موسى :
5 / 1 : فرعون موسى غرق فى البحر الأحمر بكل جنده وحكومته . أى لم يوجد بعده من يسجل تاريخه .
5 / 2 : ما تركه خلفه من قصور ومعابد تم تدميرها ، قال جل وعلا : ( وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الاعراف ). كانت له عمائر عالية ، فقد وصفه رب العزة بأنه صاحب الأوتاد ، أى المبانى العالية الراسخة :( وَفِرْعَوْنُ ذُو الأَوْتَادِ (12) ص ) (وَفِرْعَوْنَ ذِي الأَوْتَادِ (10) الفجر ). ومنها ذلك الصرح الذى أمر هامان ببنائه : ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ مِنْ الْكَاذِبِينَ (38) القصص ) . ولكن صروح فرعون و ( ناطحات السحاب التى بناها ) كانت من الطوب الحجرى الذى لا يزال يبنى منه المصريون بيوتهم . فالمصريون يبنون بيوتهم من نوعين من الطين : الطين النيىء ، وكان هو الأغلب ، والطين المحروق الذى يتحول الى ما يشبه الحجارة ولكنه ليس بالحجارة . ونرى من الآية الكريمة السابقة أن فرعون كان يستخدم نفس الطريقة المتبعة حتى الآن فى مصر ، وهى ( القمائن ) حيث يتم تجميع الطوب المصنوع من الطين ، وبعد جفافه يتم حرقه فى قمائن فيتحول الى ما يسمى عند المصريين بالطوب الأحمر ، وهو أساس البناء فى المدن والقصور المصرية .
5 / 3 : لم يكن صعبا تدمير عمائر فرعون ، خصوصا عندما نتذكر أن بنى اسرائيل عادوا الى مصر يبحثون عن كنوز فرعون وقومه فى كافة منشئاتهم . بالتالى لم يبق شىء من آثار فرعون موسى . ولولا القرآن الكريم ما عرفنا هذه الحقائق التاريخية عن هذا العصر المنسى .
5 / 4 ـ عموما فإن الآثار الفرعونية التى يتم إكتشافها معظمها معابد وتمائيل حجرية صلبة فوق سطح الأرض كانت الرمال قد غطتها مثل الكرنك والرمسيوم أو مدافن تحت الأرض . وليس هذا أو ذاك لفرعون موسى وقومه ، فلم يموتوا فى قصورهم بل غرقوا .