رومانسية المتحدث باسم -الحركة المدنية الديمقراطية-

مصطفى مجدي الجمال
2017 / 12 / 21

كشخصية عامة محبوبة لا يختلف اثنان على المواقف المشرفة المتعددة للسيد: يحيى حسين عبد الهادي، وبخاصة دوره في استرجاع شركة "عمر أفندي" العملاقة من براثن مغامر سعودي استطاع الاستيلاء عليها لفترة عبر الألاعيب المعهودة التي اكتنفت عمليات النهب والخصخصة الإجرامية لممتلكات الشعب المصري.. كما كان للمذكور دوره غير المنكور في حركة كفاية وشبيهاتها.. وهاهو يعود مجددً إلى صدارة المشهد السياسي المعارض بصفته المتحدث الرسمي للـ "الحركة المدنية الديمقراطية" التي أعلنت مؤخرًا، وضمت ثمانية أحزاب وعددًا كبيرًا من الشخصيات "المستقلة". ورغم نفي مؤسسي الحركة، فإنني أراها استنساخًا معدلاً من حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير، وإن كان من الواضح في الحركة الجديدة ذلك الدور الأكبر للأحزاب، بينما في عهد مبارك لم تكن للأحزاب مثل هذه الحرية في الحركة..

ومنذ بداية تعيين حسين عبد الهادي متحدثًا باسم الحركة حرص في بيان له على توضيح أن من حقه أن يكتب مايشاء طالما كان كلامه ليس ممهورًا بصفته كمتحدث رسمي (وحيد فيما أظن) عن الحركة، فكتب: " وقد أتطرق للتعبير عن رأيى الشخصى .. أما صفتى كمتحدثٍ فهى تُقيدنى بالتحدث بالحد الأدنى المُتَّفَق عليه بين أطراف الحركة .. وما أكثرهم .. لذلك فإننى أُنَّوِه إلى أن أى مقالٍ لى مستقبلاً غير ممهورٍ بعبارة (المتحدث الرسمى) هو رأيى الشخصى الذى أُسأَلُ عنه وحدى ولا علاقة بشركائى فى الحركة به".

أظن أننا أمام خيار له منطقه وتوافق عليه المنشئون للحركة.. لكنه منطق خاطئ في رأيي.. فهو أولاً يعكس المشكلة "الموضوعية" لوجود عدد كبير من "المستقلين" في عضوية الحركة، وهو ما كثف عندهم الرغبة في التعبير الفردي دائمًا، رغم اعترافهم الضمني والواقعي (والمرحب به) بأهمية الانضمام لحراك جماعي منظم يحمي حركتهم ويزيد تأثيرهم، دون الافتئات على الطابع "الفرداني" لنشاطهم السياسي.

وفي ظني أنه كان من الأوفق لمن قبل بموقع "المتحدث الرسمي" أن يقبل معه "بالشفعة" ضريبة الامتناع تطوعًا عن الحديث بمواقف قد تتعارض مع الاتجاه العام للحركة أو توجهات غالبية مكوناتها. والأسباب كثيرة، لكن أهمها أن الجمهور لن يسأل في كل مرة يكتب المتحدث: هل هو رأيه الشخصي أم رأي الحركة.. ناهيك عن التناول الإعلامي المغرض أو سيئ الفهم.

وفي التطبيق، جاءت أولى النتائج في مقالة نشرها "المتحدث الرسمي" كتعبير "شخصي" بعنوان "أولى مهام الرئيس القادم". وهي مقالة بدأها بعبارة شديدة الرومانسية حيث قال: "نحتاج إلى من يُسَكِّنُ الجروح لا من يُهَيِّجُها .. مَن يطفئُ النيرانَ لا مَن يُؤَججُها .. إذ للمرة الأولى في تاريخ هذا الشعب الطيب يستعر الاحتقان حتى بين أفراد العائلة الواحدة .. وعلى نَمَطِ أثرياء الحرب الذين ترَّبحوا من الأزمات التموينية، ظهر بيننا أثرياء الفتنة الذين يتربحون من استمرارها ويتدفأون بنيران الكراهية .. وكُلَّما خمدَت نارٌ أشعلوا غيرها .. وينزلق الجميع وراءهم بجهلٍ أو سوء نية.. فيُسكتون كل صوتٍ يسعى بين الفرقاء بالعقل، وينهشون صاحبه بالاتهامات" (انتهى الاقتباس).

ونلاحظ في الصياغة السابقة تعبيرات مبهمة مثل "أفراد العائلة الواحدة"، "أثرياء الفتنة"، "يُسكتون كل صوت يسعى بين الفرقاء بالعقل"..الخ. وكأننا أمام مكيدة مجردة تفتعلها قوى مجهولة (أو مُجَهَلّة) تعمل للشر من أجل الشر.. أو كأن ليس هناك صراع سياسي/ اجتماعي/ وطني مركب وشديد التضاد..

وفي محاولة من المتحدث للقيام بتفرقة غير مفهومة بين "السياسي" و"المجتمعي".. يقول إنه لا يدعو إلى مصالحة سياسية وإنما مجتمعية، ويقترح أن "نقطة البدء فى اعتقادى هم أولياء الدم .. الكل أخطأ، وإن اختلفت الأوزان .. والكُلُّ أُصيب، وإن اختلف الألم". وتتمثل خطورة هذا التفكير في أنه سيقود عمليًا من المصالحة "المجتمعية" إلى "السياسية" فالفصل بينهما درب من الوهم الكبير.. كما أن منطوق الدعوة يوحي بأن الجميع مخطئون (وإن تحفظ بالنسبة لدرجات الخطأ).

إن الحديث السابق أقرب إلى الدعوة إلى جلسات الصلح العرفي القبلية، وكأنه لا توجد هناك إمبريالية عالمية تريد إعادة تشكيل المنطقة بما يناسب معركتها الكبرى المنذرة في منطقة أوراسيا، وكأنها لا تتلاعب بقوى فاشية وعرقية وأيضًا ليبرالية لتمرير هذا المخطط الإجرامي.. كما يتجاهل طبيعة الحركات الإرهابية المتاجرة بالدين رغم تاريخها الطويل البشع في التكفير والترويع والتواطؤ مع الحكم المطلق والرجعية العربية..

أخطر ما في هذه الدعوة للمصالحة أنها تتجاهل واقع أن الثورة مرتبطة بالصراع الاجتماعي بين مصالح مادية متناقضة، ويتم التعبير عنه سياسيًا وثقافيًا وحتى أمنيًا وإرهابيًا، وأن لهذا الصراع امتداداته الخارجية.. كما يتجاهل أن مصر تواجه موجات ثورية وموجات مضادة منذ سبع سنوات، وأن الثورة لا تتحقق إلا بانتصار القوى الشعبية وليس بالعناق وتقبيل الجبين ودفع الديات والعفو عند المقدرة.. ومن المهام المفترضة للثورة المصرية تحقيق الاستقلال الوطني (سياسيًا واقتصاديًا) والعدالة الاجتماعية والتحول الديمقراطي والتنوير..الخ، ولا تنجح لثورة إلا بحسم هذه التناقضات لصالح القوى الشعبية.. فهل يتصور المتحدث باسم الحركة أن هدوءًا يمكن أن يتم في واقعنا السياسي والاجتماعي بمجرد تطبيق "تقنيات التسامح" التي تتبناها وكالات الأمم المتحدة والمنظمات "غير الحكومية" ومراكز الأبحاث في بلدان الشمال..

وقد حاول يحيى حسين الاستعانة في دعوته بالإشارة إلى منهج لجان ومؤتمرات "الحقيقة والمصالحة" التي تم تطبيقها في جنوب أفريقيا ورواندا حيث تُعقد جلسات علنية متلفزة أشبه بجلسات العلاج النفسي الجماعي التطهري، ويقوم كل طرف بالاعتراف بجرائمه وطلب الصفح من الضحايا.. وقد أثبتت التجربة أن هذا العلاج قد يوقف نزيف الدم إلا أنه لا يلغي واقع الاستغلال والنهب والتبعية، مما ينذر باندلاع الصراع الدموي مرة أخرى في دورة قادمة..

يحلم الأستاذ يحيى برئيس من قامة مانديلا، وهو طبعًا غير متاح في مصر الآن، خاصة من حيث المهمة التي يريد إيكالها له.. كما أن عليه أن يعترف بأن المغزى الأساسي للمصالحة في جنوب أفريقيا كان تخلي الأقلية البيضاء عن التدابير العنصرية السافرة والمخجلة (للرأسمالية العالمية) والسماح لنخب "سوداء" من قيادات المؤتمر الوطني وغيره بأن تنضم إلى الشرائح المالكة والمتحكمة.. أما جوهر الصراع الاجتماعي فلم يتم حله، فحكومة جنوب أفريقيا سادرة في ممارسات الليبرالية الجديدة، وعلاقات الملكية والفساد والجريمة ومستويات معيشة الأغلبية الكاسحة لم تعرف تحولاً حقيقيًا.

غير أن الأستاذ يحيى يحاول أن يتفادى الاعتراضات الموضوعية (التي تصورها هو مسبقًا بالتأكيد) على طرحه، فأدخلنا سريعًا في حديث رومانسي فحواه أن "الكل أخطأ".. وتحدث عن الثكالى والأرامل والأيتام.. وبرغم تعاطفي الأخلقي مع الضحايا وعدم إنكاري لفداحة الخسائر الإنسانية وغبائها، إلا أن ليس من حسن النية "الخالص" حديث الأستاذ يحيى عن "أم أسماء البلتاجي" و"أم عمار محمد بديع"... ضمن الضحايا والمنكوبين.. وهما كذلك فعلًا.. ولكن هل يمكن عزل هذه الكوارث الإنسانية عن الانحيازات السياسية والاجتماعية.. أم أننا كنا بصدد فتنة مغرضة أو "خناقة" سوء تفاهم!!

خلاصة كلامي تتمثل في النقاط الثلاث التالية:
أولاً : ليس واردًا أن يتخلى الليبراليون عن الدفاع عن السياسات الاقتصادية الاجتماعية الجارية منذ 1974 والتي أورثت غالبية الشعب الإفقار والبطالة والمرض والجهل والفساد، وتبعية رأسمالية الوكلاء الطفيلية للمراكز الرأسمالية الكبرى والإمبريالية العالمية.. وليس واردًا أن يتخلى المتاجرون بالدين عن الطائفية والتكفير والنزوع الظلامي والعداء للديمقراطية التي يرونها وسيلة للوصول للسلطة وينتهي دورها عند ذلك.. وليس واردًا لشرائح البيرواقراطية المتعددة أن تتمسك بتعظيم هيمنتها على الدولة كوسيلة للفساد والتراكم الرأسمالي الخاص، والتي تحميها بالدولة البوليسية..

ثانيًا : إن القوى الشعبية لا يمكنها التخلي لأجل طويل عن مطالبها المشروعة المتعددة في العدالة والاستقلال والحرية والاستنارة، مقابل هدنة ووقف وقتي لشلال الدماء بين قوى الثورة المضادة، وبينها وبين الشعب.. إذ لا يوجد حل جذري لما تعانيه الطبقات الشعبية سوى في إنجاز حزمة كبيرة ومتكاملة من المهام تكفل حرية الوطن والمواطن والحفاظ على مقدراته والتنمية الشاملة وبناء مجتمع الديمقراطية..الخ. وهي إنجازات لا تضمنها مصالحة "رومانسية" قد تحقن الدماء لفترة تطول أو تقصر، لكنها ستعود بالوبال على المواطن نتيجة المصالحة بين القوى التقدمية والرجعية.

ثالثًا : بالطبع تتولد صعوبة كبيرة في تحليل الواقع السياسي/ الاجتماعي حينما تتفجر صراعات بين القوى المضادة للثورة.. وهنا لا يكون علينا التركيز في البحث عن سبل المصالحة بينها أو معها (حتى لو كان في ذلك فائدة قصيرة المدى لنا).. وإنما على العكس أن نُكوّن رؤية جذرية ونشن عملاً لا هوادة فيه ضد كل أطراف الثورة المضادة.. دون التخلي طبعًا عن مرونة تكتيكية تفتح طرقًا مسدودة، شرط عدم التخلي عن المبادئ والبديهيات..